أخطر قرار في الدولة: حين ترتدي الأخطاء الكارثية ثوب الحكمة والحل
مرام مازن حاتم
2026-07-16 04:06
يُشاع دائماً في أدبيات العامة أن أخطر القرارات هي تلك التي نتخذها ونحن نعرف مسبقاً أنها خاطئة؛ غير أن تجارب السياسة وتاريخ الأمم يعلمنا العكس تماماً. إن أخطر القرارات في مسيرة الدول هي تلك التي تبدو صحيحة ومقنعة إلى درجة أن أحداً لا يفكر في مراجعتها أو التشكيك في جدواها. فالأخطاء الواضحة والوقحة تُكشف سريعاً وتُصحح تحت ضغط الواقع، أما الأخطاء التي ترتدي ثوب الحكمة والوقار والمنفعة اللحظية، فإنها تؤسس لأزمات بنيوية صامتة لا يكتشفها أحد إلا بعد فوات الأوان.
في عالم السياسة وإدارة الحكم، لا تبدأ الكوارث دائماً بقرار خاطئ بشكل فج، بل كثيراً ما تنبت من قرار يبدو عقلانياً في لحظته ويحظى بتأييد شعبي ونخبوي جارف، لكن الزمن وحده كفيل بكشف أن بعض القرارات لا تخطئ في لحظة اتخاذها، بل تخطئ في مستقبلها ومآلاتها.
وهنا تكمن المفارقة الوجودية لإدارة الحكم؛ فالدولة لا تُقاس أبداً بقدرتها المباشرة على حل أزمات اليوم العابرة، وإنما بقدرتها الاستباقية على منع أزمات الغد المستترة. ولذلك، فإن رجل الدولة الحقيقي لا ينبغي له أن يسأل نفسه: كيف أرضي هذه اللحظة الضاغطة؟ بل: كيف أحمي المستقبل البعيد؟ فالأوطان لا تموت بسبب الأزمات بحد ذاتها، بل تموت بسبب القرارات التي أقنعت الجميع أنها تسببت في إنهاء الأزمة. ولو تأملنا في واقعنا القريب، وتخيلنا أن كل أزمة خانقة يعيشها العراق اليوم بدأت بقرار كان الجميع يصفق له بحرارة عندما صدر، لاهتدينا إلى السؤال الجوهري: هل المشكلة تكمن في الأزمات ذاتها كقدر محتوم، أم في الطريقة والمطبخ الذي نصنع فيه قراراتنا الإستراتيجية؟
وهم الاطمئنان الكاذب وسياق التاريخ
إن القرارات التي يرفضها الجميع من البداية تكون عيوبها مكشوفة تحت الضوء؛ أما القرار الذي يبدو مقنعاً ويمنح الشارع شعوراً زائفاً بالاستقرار والرضا، فهو الأكثر حاجة للتشريح والمراجعة الصارمة. إن السياسة لا تُقاس بردود الأفعال العاطفية، بل بالنتائج التي تتركها على جسد الأمة بعد سنوات؛ فليس كل من يصفق له الناس في الحاضر، يستحق أن يصفق له التاريخ في النهاية.
بين استرضاء هتلر في الثلاثينيات والتوسع النفطي في العراق
ولا نحتاج إلى بذل مجهود كبير لاستحضار الأمثلة؛ ففي الحرب العالمية الثانية وتحديداً في أواخر الثلاثينيات، اعتقدت الحكومات الأوروبية أن سياسة الاسترضاء وتقديم التنازلات لأدولف هتلر ستحافظ على السلام العالمي وتجنب القارة العجوز ويلات الحرب.
في ذلك الوقت، بدا القرار عقلانياً ونال تأييداً جماهيرياً واسعاً لأنه تفادى المواجهة المباشرة، لكن اتضح لاحقاً أن هذا المسار اللين شجع الماكينة النازية على التوسع والابتلاع، لينتهي الأمر باندلاع الحرب الأكثر دموية في التاريخ الإنساني؛ فالتاريخ -كما نعلم- لا يحاكم النوايا الطيبة للمصلحين بل يحاكم النتائج الكارثية لأفعالهم.
ودون الحاجة للسفر بعيداً في بطون كتب التاريخ، يقدم الواقع العراقي المعاصر درساً عملياً بليغاً في أن القرار لا يُختبر يوم صدوره ونشر جريدته الرسمية، بل يوم تظهر آثاره المادية على حياة الناس. فعندما ارتفعت أسعار النفط في فترات سابقة، بدا قرار توسيع الإنفاق العام والتوظيف الحكومي الهائل قراراً طبيعياً وإنسانياً وصفق له الكثيرون لأنه وفر حلولاً سريعة وفرص عمل وخدمات عاجلة؛ لكن مع انخفاض الأسعار، انكشفت الهشاشة البنيوية لهذا النهج الريعي، وأصبحت الدولة بأكملها تواجه ضغوطاً مالية خانقة وتهديداً لالتزاماتها الأساسية بسبب ارتفاع الالتزامات الثابتة التي يصعب التراجع عنها. في السياسة، ليست المشكلة الكبرى أن تخطئ، بل أن تكرر ذات الخطأ الإستراتيجي وأنت تظن بكل ثقة أنك تصنع صواباً.
الثقوب الصغيرة التي تغرق السفن الكبرى
إن الدولة تشبه تماماً سفينة تمخر عرض البحر؛ لا يغرقها الثقب الكبير الواضح الذي يتكاتف الجميع لرصده وسده، بل تلك الثقوب الصغيرة الخفية التي يتجاهلها القبطان ظناً منه أنها تبدو غير مؤذية. والدول لا تسقط فجأة بقرار واحد طائش، وإنما بتراكم سلسلة طويلة من قرارات بدت في وقتها معقولة ومرضية، حتى تحولت بمرور الأيام إلى واقع هيكلي مشوه لا يمكن إصلاحه بجهد عابر.
من أين يبدأ المؤرخون؟
إن اتخاذ القرار ليس اختباراً لذكاء السياسي وقدرته على المناورة اللفظية والتكتيكية، بل هو اختبار حقيقي لشخصيته ورؤيته العميقة؛ فالسياسي الذكي قد يجد حلاً تلفيقياً لكل أزمة تطرأ أمامه، أما رجل الدولة الحقيقي فهو الذي يملك الشجاعة لمنع الأزمة قبل أن تولد في رحم الغد.
وعندما يكتب المؤرخون مستقبلاً قصة صعود أو تراجع أي دولة، فإنهم لا يبدأون كتابتهم من فصول الأزمة الأخيرة، ولا من تفاصيل الحرب الختامية، بل يبدأون حتماً من أول قرار خاطئ بدا جميلاً وصحيحاً ولم يجرؤ أحد من النخبة أو المجتمع على الوقوف بوجهه ومراجعته وتفكيكه. إن التاريخ لا يرحم تلك النوايا التي ارتدت ثوب الصواب اللحظي، ثم أثبت صيرورة الزمن ودورانه أنها لم تكن سوى أولى خطوات الطريق نحو الهاوية.