غياب الوعي: عندما تتحول السياسة إلى مقامرة
مصطفى ملا هذال
2026-05-20 11:26
في عالم تتشابك فيه المصالح وتتعقد فيه التحديات، أصبح العم العمل السياسي علما قائما بذاته، يحتاج إلى وعي عميق وخبرة متراكمة، وقدرة على قراءة الواقع واستشراف المستقبل، غير أن ما نشهده في كثير من التجارب ومنها الواقع العراقي، يكشف عن فجوة واضحة بين من يمارس السياسة، ومن يمتلك أدواتها الحقيقية.
وهنا تكمن الإشكالية حين يتصدر المشهد السياسي من يفتقر إلى الوعي، تتحول السياسة من أداة لبناء الدولة إلى وسيلة لإرباكها.
الوعي السياسي يتجاوز معرفة القوانين أو فهم الدستور، إلى إدراك طبيعة المجتمع وتركيبته وحساسية مكوناته، فضلا عن فهم التوازنات الإقليمية والدولية، فالسياسي الواعي هو من يدرك أن كل قرار يتخذه من الممكن ان يمتد تأثيره إلى مفاصل متعددة في الدولة والمجتمع، في المقابل فإن غياب هذا الوعي يدفع نحو قرارات ارتجالية، غالبا ما تكون مدفوعة بردود أفعال آنية أو مصالح ضيقة.
بينما المعنى الصحيح او الغرض الأساس من إدارة العملية السياسية، يعني القدرة على تحقيق التوازن بين المصالح، وتجنب الانزلاق إلى صراعات غير محسوبة، فليس من الصحيح ان تكون العملية السياسية والمشاركة فيها عبارة عن حلبة صراع دائم، والصحيح هو ان تكون أقرب الى منظومة تتسم بالاستقرار النسبي الذي يساعد المؤسسات على العمل بكفاءة.
وعندما تغيب هذه الرؤية، نجد أنفسنا أمام حالة من التخبط المستمر، حيث تتغير المواقف بسرعة، وتُتخذ قرارات مصيرية دون دراسة كافية، ما يؤدي إلى إضعاف ثقة المواطن بالمؤسسات.
ولو أردنا معرفة أحد أبرز مظاهر ضعف الوعي السياسي، يمكن ان تبدأ بحالة الخلط بين التكتيك والاستراتيجية، فكثير من الفاعلين السياسيين يبرعون في تحقيق مكاسب آنية، لكنهم يفشلون في بناء رؤية طويلة الأمد، وهذا ما يجعل القرارات تبدو ناجحة في لحظتها، لكنها تتحول لاحقا إلى أزمات متراكمة.
فعلى سبيل المثال قد يؤدي قرار سياسي معين إلى تهدئة ظرفية، لكنه يزرع في الوقت ذاته بذور أزمة أكبر في المستقبل، بسبب تجاهل جذور المشكلة.
كما أن غياب الوعي يدفع أحيانا إلى تبني سياسات تصعيدية، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، دون إدراك لكلفتها الحقيقية، فالتصعيد قد يكون سهلا من حيث الخطاب، لكنه مكلف للغاية على مستوى النتائج، وهنا تظهر خطورة القرارات غير المدروسة، التي قد تقود إلى تعطيل مؤسسات الدولة، أو تأجيج الانقسامات المجتمعية، أو حتى إدخال البلاد في أزمات سياسية واقتصادية عميقة.
ولا يمكن فصل الوعي السياسي عن المسؤولية الأخلاقية، فكلما ارتفع مستوى الوعي، زادت قدرة السياسي على إدراك حجم الأمانة الملقاة على عاتقه، أما حين يغيب هذا الإدراك، تتحول السلطة إلى غاية بحد ذاتها، بدل أن تكون وسيلة لخدمة المجتمع، وهذا ما يفسر في كثير من الأحيان الإصرار على مواقف معينة رغم وضوح أضرارها، فقط لأنها تخدم مصالح ضيقة أو حسابات شخصية.
تأثير غياب الوعي السياسي يأخذ بالتمدد ليشمل دورة الحياة المدنية بأكملها، فحين تسود حالة من عدم الاستقرار السياسي تتأثر القطاعات الاقتصادية، وتتراجع فرص الاستثمار، ويزداد شعور المواطن بعدم الأمان، كما أن المؤسسات التعليمية والخدمية تعاني من تبعات هذا التخبط، بسبب غياب السياسات الواضحة والاستراتيجيات المستدامة.
من جهة أخرى فإن المواطن نفسه يصبح ضحية لهذا الواقع، حيث يجد نفسه أمام مشهد سياسي غير قابل للتنبؤ، تتغير فيه القواعد باستمرار، وهذا يضعف من ثقته بالعملية السياسية، ويؤدي إلى عزوفه عن المشاركة، ما يفتح المجال أمام المزيد من الفوضى.
لعبة السياسة لا يمكن ادارتها الفوز بها دون الانغماس بقوانينها وكل ما يتعلق بتحقيق التغلب، الامر الذي يجب ان يدفع المشاركين في الفعل السياسي الى مزيد من الوعي في هذا المضمار، وخلاف ذلك يبقى القول والفعل في الإطار السطحي، ففي معادلة لا يمكن فصل اجزائها، كلما ارتفع مستوى الوعي لدى الطبقة السياسية، زادت فرص بناء دولة مستقرة وقادرة على مواجهة التحديات، أما الاستمرار في إدارة الشأن العام بعقلية قصيرة النظر، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من التخبط، وربما إلى خسائر يصعب تعويضها.