الثورة والثورة المضادة: جدلية التغيير وإعادة إنتاج السلطة

فتح الله الكيلاني

2026-05-20 11:20

* لا أُسلِّم كثيرًا بالمقولة الشائعة التي تزعم أن “التاريخ يعيد نفسه”، لأن التأمل في حركة المجتمعات البشرية يكشف أن الأحداث، مهما تشابهت ظواهرها، لا تتطابق في جوهرها أو مآلاتها. فلكل تجربة تاريخية سياقها الخاص، وشروطها الذاتية، وتركيبها الاجتماعي والسياسي المختلف. ولعل هذه الحقيقة تجد أصلها في سُنَّة كونية أوسع؛ إذ إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل مخلوقاته نسخًا متكررة، بل خلقها متفاوتة في الطبائع والخصائص والمآلات. ومن ثم، فإن الثورات -بوصفها ظواهر إنسانية مركبة- لا يمكن اختزالها في قوالب جاهزة أو مقارنات ميكانيكية.

* ومع ذلك، فإن نفي التطابق لا يعني غياب الأنماط المتقاربة؛ فحين تتعرض المجتمعات لحالات متشابهة من الظلم والانسداد السياسي والاختلال الاقتصادي، كثيرًا ما تنشأ ديناميكيات متقاربة في الاحتجاج والانفجار والتغيير. غير أن النتائج النهائية تبقى رهينة عوامل أكثر تعقيدًا، تتعلق بطبيعة البنية الاجتماعية، ومستوى النضج الفكري، وقدرة القوى الصاعدة على التحول من مجرد حالة احتجاج إلى مشروع تاريخي متماسك.

* ولعل الثورة الفرنسية تُعد من أبرز النماذج التي تُستحضر عند الحديث عن التحولات الكبرى في التاريخ الحديث. غير أن هذه الثورة لم تكن انفجارًا عفويًا معزولًا عن سياقه، بل جاءت نتيجة تراكم طويل من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فقد عانت فرنسا آنذاك من اختلالات مالية خانقة، وامتيازات طبقية حادة، وانسداد سياسي حال دون قدرة النظام الملكي على استيعاب التحولات الجديدة داخل المجتمع. وفي الوقت ذاته، كانت طبقة برجوازية صاعدة تسعى إلى دور سياسي واقتصادي يتناسب مع نفوذها المتزايد، في مواجهة نظام إقطاعي أخذ يفقد مبررات بقائه التاريخية.

* وقد تزامن ذلك مع صعود تيار فكري نقدي قاده عدد من مفكري التنوير الفرنسيين، مثل فولتير ومونتسكيو وجان جاك روسو. ولم يكن أثر هؤلاء محصورًا في إنتاج أفكار نظرية مجردة، بل أسهموا في تقويض الشرعية الفكرية للنظام القديم، وفتحوا المجال أمام تصور جديد للعلاقة بين الدولة والمجتمع والسلطة والحقوق. غير أن فكر التنوير نفسه لم يكن كتلة منسجمة؛ إذ كان مليئًا بالتناقضات والاختلافات، شأنه شأن الثورة التي انبثقت عنه لاحقًا. لكن تلك الأفكار، رغم تباينها، نجحت في الارتباط بقوى اجتماعية صاعدة، فتحولت إلى ما يمكن وصفه بـ”كتلة تاريخية” دفعت المجتمع الفرنسي نحو التحول الكبير.

* ومع ذلك، فإن الثورة الفرنسية لم تمضِ في خط مستقيم نحو الحرية والاستقرار، كما تُصوَّر أحيانًا في السرديات التبسيطية. فقد دخلت سريعًا في صراعات داخلية حادة بين تياراتها المختلفة، وبلغت ذروة من العنف السياسي فيما عُرف بـ”عهد الإرهاب”، حيث تحولت الثورة نفسها إلى أداة إقصاء وقمع وإعدامات جماعية. وهنا تتجلى إحدى الحقائق المعقدة في تاريخ الثورات: أن الثورة قد تحمل، في داخلها، بذور نقيضها؛ إذ يمكن أن يتحول السعي إلى الحرية، في لحظات الفوضى والصراع، إلى إنتاج أشكال جديدة من الاستبداد.

* وفي خضم ذلك الاضطراب، برز نابليون بونابرت بوصفه شخصية استطاعت إعادة بناء قدر من التماسك السياسي والعسكري للدولة الفرنسية. غير أن صعوده لم يكن مجرد نتيجة لعبقريته الفردية، بل جاء أيضًا تعبيرًا عن حاجة المجتمع إلى سلطة قوية تُنهي الفوضى وتعيد الاستقرار. ومع أن القوى الأوروبية تحالفت لاحقًا لإسقاطه خوفًا من اختلال توازن القوى في القارة، فإن التجربة كشفت ديناميكية تتكرر كثيرًا في الثورات الكبرى: انهيار النظام القديم، ثم صراع داخلي، ثم صعود سلطة مركزية قوية باسم الاستقرار، ثم تدخلات خارجية تسعى إلى الاحتواء أو الإجهاض.

* ومع ذلك كله، بقي الأثر الأعمق للثورة الفرنسية متمثلًا في بعدها الفكري لا في تحولات السلطة وحدها. فقد استطاعت أفكار الحرية والمواطنة والحقوق السياسية أن تتجاوز حدود فرنسا، وأن تؤثر في مجمل التاريخ الأوروبي الحديث، بل وفي كثير من الحركات الإصلاحية والثورية عبر العالم. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الثورة بوصفها لحظة غضب، والثورة بوصفها مشروعًا تاريخيًا قادرًا على إعادة تشكيل الوعي والمؤسسات معًا.

* أما الربيع العربي، فرغم اختلاف السياقات الوطنية بين بلد وآخر، فإنها نشأت -في جانب مهم منها- من تراكمات متقاربة: استبداد سياسي طويل، وفساد اقتصادي، واختلالات اجتماعية، وتآكل الطبقة الوسطى، وتضاؤل فرص المشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية. وقد فجّرت هذه العوامل حالة غضب واسعة دفعت قطاعات كبيرة من الشباب والجماهير إلى الشارع مطالبة بالتغيير.

* غير أن هذه الثورات واجهت معضلة بنيوية مبكرة؛ إذ إنها، على الرغم من امتلاكها زخمًا جماهيريًا وإعلاميًا هائلًا، لم تنجح غالبًا في بناء مشروع فكري وسياسي جامع قادر على تنظيم لحظة الثورة وتحويلها إلى بديل مستقر. ولم يكن السبب غياب الأفكار بالكامل، بل تعدد المرجعيات، وضعف التنظيم، وتسارع الأحداث بصورة تجاوزت قدرة القوى الثورية على إنتاج قيادة موحدة أو رؤية متماسكة لإدارة الدولة بعد إسقاط النظام القائم. ومن ثم، بقيت لحظة الثورة أقوى من مرحلة ما بعد الثورة.

* ويضاف إلى ذلك أن عددًا من الأنظمة العربية، إلى جانب قوى إقليمية ودولية مختلفة، تعاملت مع تلك الثورات باعتبارها تهديدًا وجوديًا لبنية السلطة القائمة في المنطقة. غير أن “الثورة المضادة” هنا لم تكن مجرد تحرك سياسي مباشر لإعادة النظام القديم، بل كانت -في كثير من الأحيان- تحالفًا معقدًا بين شبكات المصالح الاقتصادية، ومراكز النفوذ الأمنية والعسكرية، وأدوات الإعلام، وقوى إقليمية خشيت انتقال عدوى التغيير إليها. ولذلك، لم يكن الهدف دائمًا إعادة إنتاج النظام السابق بصورته القديمة، بل أحيانًا منع ولادة أي نموذج جديد أصلًا، حتى لو أدى ذلك إلى إدامة الفوضى والانقسام.

* ومن هنا، فإن فهم تعثر بعض ثورات الربيع العربي لا يكتمل دون إدراك طبيعة البنية الاقتصادية في عدد من الدول العربية، حيث قامت أنظمة كثيرة على اقتصاد ريعي يربط شرعية السلطة بمنطق التوزيع والاسترضاء، لا بمنطق المواطنة والإنتاج والضرائب. وقد أسهم هذا النمط الاقتصادي في إضعاف استقلال المجتمع، وفي جعل قطاعات واسعة مرتبطة بالدولة بوصفها مصدرًا للرزق لا إطارًا تعاقديًا جامعًا. كما أن المؤسسة العسكرية، في بعض البلدان، لم تكن جهازًا محايدًا فوق الصراع، بل تحولت إلى فاعل سياسي واقتصادي مستقل له مصالحه الخاصة، الأمر الذي جعل موقفها من الثورات عاملًا حاسمًا في تحديد مساراتها ومآلاتها.

* وعليه، فإن المقارنة بين الثورة الفرنسية وثورات الربيع العربي لا ينبغي أن تُبنى على وهم التطابق، بل على فهم أوجه التشابه والاختلاف معًا. فالثورات، مهما اختلفت عصورها، كثيرًا ما تنشأ من الإحساس بالظلم والاختناق السياسي، لكنها تتباين في قدرتها على إنتاج قيادة تاريخية، أو بناء كتلة اجتماعية متماسكة، أو تحويل لحظة الانفجار إلى مشروع دولة قابل للاستمرار. كما تختلف في طبيعة البيئة الدولية المحيطة بها، وفي قدرة مؤسساتها على احتواء التحولات أو الانقلاب عليها.

* وهكذا، فإن التأمل في تجارب الثورات لا يقود إلى الإيمان الأعمى بمقولة “تكرار التاريخ”، ولا إلى رفضها بصورة مطلقة، بل يكشف أن التاريخ تحكمه سُنن اجتماعية وسياسية متقاربة، دون أن يلغي ذلك خصوصية كل تجربة. غير أن الحقيقة الأهم تبقى أن الثورات لا تُقاس فقط بقدرتها على إسقاط الأنظمة، بل بقدرتها على بناء البديل التاريخي القادر على ملء الفراغ الذي يلي السقوط. فكم من ثورة نجحت في هدم السلطة القديمة، لكنها عجزت عن تأسيس نظام جديد أكثر عدالة واستقرارًا، فتحول الفراغ نفسه إلى بوابة تعبر منها الثورة المضادة. ولذلك، فإن أخطر ما يواجه الثورات ليس القمع وحده، بل العجز عن التحول من لحظة احتجاج إلى مشروع حضاري يمتلك فكرة، وتنظيمًا، وقوى اجتماعية قادرة على حماية التغيير من الارتداد والانهيار.

ذات صلة

منازلة بين علماء الإصلاح وعلماء الإفسادالدولة الحديثة.. طريق الشرق الأوسط الى السلامكيف يعيد السلوك الفردي تشكيل المجتمع؟غياب الوعي: عندما تتحول السياسة إلى مقامرةالسياسات الفاعلة في بناء الانضباط المرن في المدارس