اليأس المسبق بوصفه شريكًا في إنتاج الفشل
محمد عبد الجبار الشبوط
2026-05-14 04:08
من أخطر المشكلات التي تواجه أي مشروع إصلاح أو تغيير في المجتمعات المتأزمة أن قسماً من الناس يدخل المعركة وهو مقتنع سلفاً بأنها خاسرة، أو يراقبها من الخارج بعقلية تقول: “لا فائدة”، أو “هذا البلد لا يتغير”، أو “كل المحاولات السابقة فشلت فلماذا تنجح هذه المحاولة؟”. وهنا يتحول اليأس من مجرد حالة نفسية إلى عامل سياسي واجتماعي يشارك فعلياً في إنتاج الفشل نفسه.
ذلك أن الإصلاح أو التغيير ليس فعلاً ميكانيكياً يحدث تلقائياً بمجرد وجود فساد أو ظلم أو أزمة، بل هو عملية تاريخية معقدة تحتاج إلى إرادة اجتماعية، وثقة نسبية بإمكانية النجاح، واستعداد لتحمل الكلفة، وصبر على التراكم البطيء. أما حين يسبق اليأسُ الفعلَ، فإن المجتمع يفقد الطاقة النفسية والأخلاقية التي تجعل الفعل ممكناً أصلاً.
ولهذا فإن اليأس المسبق لا يكون مجرد “توقع سلبي”، بل يصبح نوعاً من “النبوءة التي تحقق نفسها بنفسها”. فالذين يعتقدون أن التغيير مستحيل غالباً لا يتحركون، أو يتحركون بفتور، أو ينسحبون سريعاً عند أول عقبة، أو يثبطون الآخرين، أو يسخرون من أي محاولة جديدة، وبذلك يساهمون عملياً في تثبيت الواقع الذي يشتكون منه.
وهذه إحدى المفارقات الكبرى في التاريخ السياسي والاجتماعي: أحياناً لا تنتصر الأنظمة الفاسدة بسبب قوتها فقط، بل بسبب اقتناع قسم واسع من الناس بأن مقاومتها مستحيلة.
فالسلطة المستقرة لا تعتمد على القوة وحدها، بل تعتمد أيضاً على ترسيخ شعور العجز داخل المجتمع. حين يقتنع الناس أن لا جدوى من الفعل، تصبح السلطة أقل حاجة إلى القمع، لأن المجتمع نفسه يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الاستسلام. وهنا يتحول اليأس إلى شكل غير مباشر من أشكال حماية الواقع القائم.
ولهذا السبب فإن أول معركة في أي مشروع إصلاح حقيقي ليست إسقاط النظام القديم، بل إسقاط الاعتقاد باستحالة التغيير. لأن المجتمع الذي يفقد الإيمان بإمكان التغيير يصبح عاجزاً حتى عن اختبار إمكاناته الحقيقية.
والتاريخ مليء بالأمثلة التي تثبت أن التحولات الكبرى بدت مستحيلة قبل وقوعها بوقت قصير. كثير من الأنظمة السياسية بدت راسخة لعقود طويلة، ثم انهارت خلال سنوات أو أشهر أو حتى أيام، ليس لأن قوتها اختفت فجأة، بل لأن المزاج الاجتماعي تغير، ولأن الخوف أو اليأس أو الاستسلام بدأ يتراجع تدريجياً.
لكن هذا لا يعني الوقوع في الوهم أو الرومانسية السياسية. فالتفاؤل الساذج ليس بديلاً عن الواقعية، كما أن الأمنيات لا تصنع التغيير. المقصود هو أن اليأس المسبق يشل الإرادة قبل بدء الفعل، بينما الواقعية الحقيقية تعني فهم حجم الأزمة، وفهم صعوبة التغيير، مع الإيمان في الوقت نفسه بأن العمل التراكمي المنظم يمكن أن يغير المعادلات مع الزمن.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس وجود الفساد فقط، بل اقتناع الناس بأن الفساد قدر أبدي لا يمكن تجاوزه. لأن المجتمع عندئذٍ يدخل حالة من الانحباس التاريخي، حيث تتكرر الأزمات نفسها، وتُعاد إنتاج الطبقة السياسية نفسها، وتتحول الانتخابات والاحتجاجات والشعارات إلى طقوس بلا أثر حقيقي.
ومن هنا فإن نشر الوعي بإمكانية التغيير يصبح جزءاً من عملية التغيير نفسها، لا مجرد خطاب معنوي. فحين يبدأ الناس باستعادة الشعور بأن الفعل ممكن، وأن التنظيم ممكن، وأن بناء قوة اجتماعية ضاغطة ممكن، تتغير المعادلة النفسية التي يقوم عليها الجمود السياسي.
ولهذا فإن اليأس ليس موقفاً محايداً كما يتصور البعض، بل قد يتحول ـ من حيث لا يشعر صاحبه ـ إلى مساهمة فعلية في استمرار الواقع الذي يرفضه. أما الخطوة الأولى في أي مشروع إصلاح حضاري حقيقي فهي كسر هذا الحاجز النفسي، واستعادة الإرادة التاريخية للمجتمع، لأن الأمم لا تتغير حين تختفي الأزمات، بل تتغير حين يقرر الناس أن الأزمات ليست قدراً نهائياً.