وحدةٌ وطنيَّة

عبد الامير المجر

2026-05-12 02:49

لفت انتباهي منشور للصديق الشاعر د. عارف الساعدي على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) قبل أيام، نشره بعد عودته من المغرب لحضور فعالية ثقافية أقيمت هناك مؤخراً؛ إذ ورد فيه أن جلسة ثقافية أقيمت له ولمدعوين آخرين في مدينة (العيون) عاصمة إقليم الصحراء، الذي ظل لأكثر من خمسة عقود متنازعاً عليه بين كل من المغرب والجزائر وموريتانيا، والأخيرة انسحبت من هذا الصراع ليبقى بين المغرب والجزائر، ولعله حسم مؤخراً لصالح المغرب بعد اعتراف أميركا وبعض الدول الأوروبية بسيادة المغرب عليه.

من خلال البحث، عرفت أن مئات الفعاليات الثقافية والرياضية والاقتصادية وغيرها من النشاطات الكثيرة أقيمت هناك منذ الاعتراف الأميركي الأوروبي بعائدية هذا الإقليم للمغرب، إضافة إلى فتح العديد من القنصليات الأجنبية فيه، بعد أن بات يتمتع بالحكم الذاتي.

طيلة العقود الماضية، كنت أتابع قضية الصحراء وصراع جبهة (البوليساريو) مع الحكومة المغربية من أجل (استقلال) الإقليم، والذي انتهى تقريباً لصالح المغرب الذي يسعى لجعله تحت سيادته بشكل دائم، لاسيما أن الأمم المتحدة مازالت ترى أن المشكلة لم تحسم بشكل نهائي، لكن ما صار يتكرس هو أن هذا الإقليم بات مغربياً، وأن كثافة النشاطات فيه ومن أجل النهوض بواقعه يؤكد أن هناك إصراراً مغربياً على حسم الموضوع لصالحهم.

حين قرأت منشور الدكتور الساعدي، استذكرت ما كتبته من قبل بشأن سبل تعزيز الوحدة الوطنية بعد أن تمر الدول والشعوب بمحن قاسية ومركّبة؛ فالعراق بعد العام 2003 مرّت به أهوال وتقطّعت أوصاله جغرافياً خلال سني الحملة الإرهابية الظالمة عليه، وظن كثيرون، بل جزموا أنه انتهى كدولة واحدة، وأن التقسيم بات حقيقة على الأرض تنتظر الإعلان فقط. ولا ننسى أن مشروع الفدرلة الذي أقرّه دستور 2005 وضع الأسس (القانونية) للتقسيم، ولعل ما جرى من أهوال وإرهاب كان في سياق التهيئة النفسية للعراقيين بأن الحل والفوز بالأمن والاستقرار يأتي من بوابة التقسيم وحده!

الآن وقد تجاوزنا جميعاً أعقد حلقات المحنة، وصار الناس يتطلعون إلى حياة أفضل ووجدنا أنفسنا أمام استحقاقات جديدة تتمثل بالتأكيد على سيادة الدولة وحصر السلاح بيدها ومحاربة الفساد، نرى أن هذا يجب أن يصاحبه نشاط مبرمج على مستوى الدولة ومن خلال مؤسساتها المختلفة، يتمثل بتكثيف النشاط الثقافي والرياضي والاقتصادي، بل والسياسي أيضاً؛ إذ من الممكن أن تعقد مؤتمرات أو لقاءات لمسؤولين عراقيين كبار مع نظرائهم في الخارج، ليس في بغداد وحدها بل في المدن العراقية مثل البصرة والموصل والسليمانية وذي قار وغيرها من المدن العراقية التي باتت جميعها آمنة، لما لهذه الفعاليات من دور في نقل صورة مشرقة للعراق الواحد.

ولعل هذا النشاط، ثقافياً، نهض به وبشكل واضح في السنين الأخيرة الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وقد نجح في ذلك بشكل كبير، وبقي أيضاً أن تقوم المؤسسات الأخرى، الاقتصادية والرياضية، بتفعيل نشاطها من خلال استضافة المؤتمرات الاقتصادية في المدن العراقية وإن كانت للتشاور بشأن المستقبل، وكذلك دعوة الفرق العربية والأجنبية للعب مع الفرق العراقية في المدن المختلفة، لما تحمله هذه النشاطات من رسائل للعالم.

ما يقوم به المغرب في إقليم الصحراء يعكس ذكاءً حقيقياً في نقل صورة يريدها صانع القرار هناك، ليس بالشعارات والخطب في التجمعات المصنوعة، بل من خلال هذه النشاطات التي باتت لغة العصر في مخاطبة العالم ثقافياً وإعلامياً.. وسياسياً أيضاً.

ذات صلة

الخوف من التغيير.. الفرص الضائعة والاوهام الكابحةتقوى اللسان ضرورة اجتماعيةالبيروقراطية الفاسدة وأثرها في تقويض الدولة والحكم الصالحقمة ترامب-شي.. وسيناريوهات تسوية الحرب الإيرانيةمن يمنح الذكاء الاصطناعي الحق في كتابة التاريخ البشري؟