أوروبا وتحديات الانسحاب الأميركي
حسين علي الحمداني
2026-05-11 01:59
أحد أبرز نتائج الحرب الأمريكية ضد إيران، حالة التصدع الكبيرة في العلاقات الأمريكية الأوروبية، والتي بدت واضحة جداً من خلال التصريحات المتكررة للرئيس دونالد ترامب ضد المواقف الأوروبية غير الداعمة للحرب، والتي أدت في نهاية المطاف إلى سحب القوات الأمريكية المتمركزة في ألمانيا، في خطوة كان الكثير من الأوروبيين ينتظرونها منذ ولايته الأولى.
هذه الخطوة جعلت أوروبا تدرك فعلياً مخاطرها؛ لأنها ستؤدي إلى ضعف حلف الناتو في مواجهة التهديدات، لا سيما من جهة روسيا التي تمثل الخطر الأول لأوروبا وفق عقيدة حلف الناتو العسكرية، مما يتطلب الأمر البحث عن معالجات لهذه الحالة التي فرضتها قرارات الرئيس الأمريكي في هذه الفترة.
أبرز الخيارات التي طُرحت في قمة المجموعة السياسية الأوروبية في أرمينيا تمثلت باعتماد أوروبا على قدراتها الذاتية في حماية أمنها، وتشاركها كندا في هذا التوجه، خاصة أنهما معاً لديهما توافق مشترك على أنهما لا يمكن أن يكونا خاضعين لنظام وحشي جديد تقوده إدارة ترامب بعيداً عن الحلفاء الأوروبيين، الذين تضرروا كثيراً من الحروب المتعددة في أكثر من مكان.
ومن جانب آخر، فُرض المزيد من العقوبات على دول تعد شريكا لأوروبا في مجالات الطاقة، مضافاً لذلك نتائج الحروب، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، والتي أدت لغلق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وما ترتب على ذلك من تداعيات كبيرة على الاقتصاد الأوروبي.
أمريكا من جانبها تشعر بخيبة أمل إزاء الموقف الأوروبي من الحرب مع إيران، وخيبة الأمل هذه لم تخفها إدارة ترامب، بل أعلنتها في أكثر من مناسبة وترجمتها لقرار سحب القوات الأمريكية من ألمانيا، وقد يتبع ذلك سحب المزيد من مناطق أوروبية أخرى، وهذا الأمر يتطلب -كما أشرنا- البحث عن البدائل. وبحكم الواقع الحالي، فإن أوروبا قد تعيد النظر بعلاقاتها مع تركيا، الحليف في الناتو من جهة، وغير المرغوب فيه في الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.
من هنا نجد أن أنقرة تجد الآن أنها أمام فرصة تاريخية لأن تستثمر الفراغ الأمريكي في أوروبا؛ من أجل إعادة تموضعها من بوابة الأمن والدفاع، خاصة وأنها عضو في الناتو ومعنية بأمن القارة الأوروبية، وهي بالتالي تشعر أنها شريك لا يمكن تجاهله في هذه المرحلة المهمة من التحولات التي تشهدها القارة.
خاصة وأن تركيا تمتلك صناعات عسكرية متطورة، ونجحت في العقد الأخير -على الأقل- من دولة مستوردة للسلاح إلى دخول عالم التصدير لسوق السلاح العالمي، مما يمنحها فرصة المساهمة الفعلية في تطوير وبناء قدرات الدفاع الأوروبية، وبرز هذا التوجه التركي عبر تصريح الرئيس أردوغان بقوله: "إن أوروبا في حاجة ماسة لتركيا، أكثر من حاجة تركيا للاتحاد الأوروبي"؛ وهذا يعني أن تركيا تعرض خدماتها لأوروبا مستندة إلى واقع جديد وقوة كبيرة في الصناعات العسكرية التي تفوقت فيها أنقرة بشكل لافت.