ما بعد الاستنزاف؟
مازن صاحب
2026-05-05 04:00
خلال حكومة الدكتور العبادي، لم تكن المشكلة في غياب الاستراتيجيات، بل في فائضها. عشرات الوثائق، مئات الصفحات، وخلاصة واحدة: العراق لا يفتقر إلى التخطيط… بل يختنق به. وفي ندوات مركز CIPE آنذاك، طُرح العنوان الأكثر صدقاً: فجوة الالتزام بالتنفيذ، وهي فجوة لم تولد من ضعف نظري، بل من تضارب مصالح داخل منظومة مفاسد المحاصصة.
اليوم، ومع انشغال الجميع بسيرة المكلف لرئاسة الحكومة المقبلة، يغيب السؤال الأهم: من يدير الاستنزاف… وكيف يُعاد إنتاجه؟
أول المعالم: فساد التخطيط.. لأن أكثر من ثلاثين استراتيجية وطنية، وفي مقدمتها استراتيجية التنمية المستدامة 2030، تفتقر إلى قاعدة بيانات متماسكة. العراق يقدّم "تقارير ظل" للأمم المتحدة، فيما تغيب الشفافية في الداخل؛ فوزارة التخطيط لا تنشر تقاريرها في توقيتات معروفة، ولا تضع نتائجها أمام الرأي العام، حتى الإحصاء السكاني تحوّل إلى رقم مؤجل أو معلومة مبتورة. هنا لا نتحدث عن خلل إداري… بل عن إدارة متعمدة للغموض، لأن الشفافية تُربك منظومة الاستنزاف.
المعلم الثاني: شلل الرقابة وتسييس مكافحة الفساد في العراق.. لأنه ليس "سرقة صامتة" كما هي سرقة القرن المعروفة، بل منظومة محمية في مفاسد المحاصصة وأمراء الإقطاع السياسي الجديد. لا إفصاح حقيقي، لا إعلان واضح عن مآلات الملفات الكبرى، ولا تطبيق فعلي لقانون "من أين لك هذا؟" قبل 2003 أو بعدها، لاسيما لكل الدرجات الخاصة! النتيجة واضحة: أكثر من بوابة دوّارة يدخل منها الفساد ويخرج منها أكثر شرعية! وما يُسمّى بإنجازات الحكومة لمكافحة الفساد ليس أكثر من تقارير تجميلية، بعيدة عن معايير اتفاقية الأمم المتحدة ومؤشرات الشفافية الدولية؛ ببساطة: الرقابة جزء من المشكلة، لا أداة للحل.
المعلم الثالث، وهو الأخطر: غياب سؤال الإدارة.. كيف تُدار هذه الاستراتيجيات؟ من يربط بينها؟ من يقيس أثرها؟ الإجابات طُرحت منذ سنوات، ووثائق CIPE التي شارك فيها نخبة من الخبراء نُقلت إلى رئاسة الوزراء عبر الدكتور مظهر محمد صالح المستشار الاقتصادي في رئاسة الوزراء، لكنها انتهت إلى المصير المعتاد: أرشفة بلا أثر على الرفوف العالية لمفاسد المحاصصة! وفيما جرى استثمار الانتصار على الإرهاب انتخابياً في حكومة العبادي، لم يُستثمر إدارياً في بناء نموذج حوكمة الاستراتيجيات الوطنية يوازي ذلك الانتصار.
لا تقف اليوم الحكومة المقبلة أمام برنامج عمل، بل أمام اختبار وجود؛ إما أن تدير الاستنزاف بصيغة أكثر هدوءاً… أو تكسره بثمن سياسي باهظ. لا أحد يمتلك وهم الإصلاح السهل؛ فحتى في ذروة الفرصة التي أُتيحت للدكتور العبادي، لم تنجح محاولة إعادة توجيه الجهاز التنفيذي لأن "الإقطاع السياسي" كان قد أحكم قبضته.
وإذا استعرنا منظور الدكتور فوكوياما في إعادة بناء الدول، فالمشكلة لم تعد في بناء الدولة العراقية، بل في تفكيك سلطات هجينة داخلها! وهذا يتطلب إيقاف الاستنزاف الذي لا يبدأ بالشعارات، بل بقرارات موجعة تتمثل في حماية الدينار العراقي ليس من خلال سياسة نقدية فقط، بل قرار سيادي يضرب شبكات المضاربة والتهريب. يضاف إلى ذلك إعادة تصميم المشاريع الصغيرة والمتوسطة بكونها ليست برامج تشغيل، بل تفكيك لاقتصاد ريعي يغذي البطالة المقنّعة ويؤسس لقطاع خاص معرفي لا يعتمد على الدولة.
والأمر الأهم في مكافحة الفساد والمخدرات والاتجار بالبشر باعتبارها ليست ملفات منفصلة، بل شبكة واحدة ضمن اقتصاد الجريمة العابرة للحدود؛ كل ذلك ليس أولويات… بل خطوط اشتباكات متوقعة.
أما النخب العراقية، فمأساتها ليست في قلة الإنتاج، بل في سوء الاستخدام؛ تقارير، دراسات، رؤى… تُكدّس في مكاتب الدرجات الخاصة، لتتحول من أدوات تغيير إلى ديكور بيروقراطي. السؤال لم يعد: لماذا لا نملك حلولاً؟ بل: من يمنع تطبيقها؟
الحكومة المقبلة لن تملك ترف الاختيار، فهي أمام مسارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في إدارة الاستنزاف تحت عناوين جديدة… أو الدخول في مواجهة مباشرة مع بنيته العميقة. وما بين الأبيض والأسود… لم يعد هناك منطقة رمادية. ويبقى القول: العراق لا يعاني من نقص الرؤى… بل من فائض المتورطين في تعطيلها... ولله في خلقه شؤون!