خطاب النهايات في الفكر الغربي
احمد شحيمط
2026-05-05 03:59
يعتبر خطاب النهايات اتجاه فكري وفلسفي تبلور في القرن العشرين نتيجة دوافع متعددة تتمثل في الرغبة من قبل بعض المفكرين والفلاسفة إلى مسألة التجاوز لأنماط معينة من التفكير، والتجاوز لما هو يقيني ومطلق، خطاب النهايات قائم على فكرة الإعلان عن نهاية الحداثة والقيم العقلانية، وكل ما يتعلق بمركزية الإنسان وقدرته على الفعل والتغيير، خطاب النهايات يعلن عن انسداد الآفاق، حيث وصلت الأشياء إلى طريق مسدود، وتبين من خلال فكرة النهاية الاكتمال النهائي الذي ليس بعده شيء، نهايات قطعية لأنماط قديمة وكلاسيكية، من النماذج والأنساق الفكرية والسياسية والاقتصادية التي لم تعد تجدي نفعا، ولم تعد تقدم ما يمكن أن يدفع الإنسان للتحرر، بدايات جديدة، وميلاد نمط معين من التفكير يقوم على التقويض والتفكيك، وإعادة تصويب الفكر نحو النسبية والاختلاف، يمكن القول إنه صورة مصغرة لفكر ما بعد الحداثة، صورة مغايرة لنموذج المعرفة القائمة على النقد والرفض لما هو يقيني، خطاب لامع، يمكن أن ينتهي للعدمية، والإجهاز على القديم تحت يافطة التجديد والاكتمال.
يمكن اعتبار النهايات تحول وليس زوال، ولكل مرحلة خصوصيتها وما يناسبها من قيم ومعرفة، فلسفة ما بعد الحداثة، والأسئلة الجوهرية عن الهوية والذات والحقيقية والواقع، يتراجع العالم الواقعي لصالح العوالم الافتراضية، وتتشكل الثنائيات الميتافيزيقية، من قبيل: الحقيقة واللاحقيقة، الصدق والكذب، والواقع والوهم، والمعنى واللامعنى، والتطابق واللاتطابق، والسؤال الأساسي يتعلق بجدوى البحث عن قيمة الحقيقة وقوتها، عندما تكتشف الحقيقة أنها قائمة على الخطأ كما يتجلى ذلك مع الفيلسوف "نيتشه" في الربط المتين بين الحقيقة والوهم والحقيقة والخطأ، ويبقى البحث الدائم عن مصدر غريزة الحقيقة.
كذلك مشكلة الهوية التي تنقسم في ذاتها إلى هويات، عناصرها مركبة ومتجددة، ليست الهوية نابعة من أصل معين، بل يمكن اعتبار المجتمعات نتاج للوحدة المركبة من شعوب وقوميات وجماعات، فلا يمكن الكشف عن الأصل النقي، هناك تعدد للمعنى، التعدد وليد تفكيك السرديات الكبرى، وعدم الركون للأحادية في التأويل والتفسير، ما بعد الحداثة كفلسفة، وفكرة التعددية في الثقافة والفكر، والحياة الاجتماعية والسياسية، أطروحة الفكر الجديد تعني إقصاء مركزية الذات من خلال خطاب ينطلق من الاختلاف، ويقيم التضاد بين المفاهيم من خلال رؤية فلسفية تروم التشكيك والنقد للمعرفة، ولكل ما يتعلق بمبادئ وأسس الحداثة والعقلانية الغربية.
الحداثة الغربية كما يشير لذلك الفيلسوف الألماني "هابرماس" مشروعها لم يكتمل بعد، لأنها مسار وسيرورة من التطور والتجديد، لا يمكن اعتبارها مرحلة تاريخية محددة، أما التحولات التي يمكن رصدها في الحداثة يجب أن تكون من داخل الحداثة ذاتها بالمدح أو بالنقد والتجاوز، أو بناء على التفكيك والتجاوز لبعض أسسها ومفاهيمها، القول بالنهايات يشمل كل المفاهيم، من نهاية الدولة، ونهاية المجتمع، ونهاية الأيديولوجيا، ونهاية التاريخ، ونهاية الفلسفة...
نهايات قطعية الرؤى والمواقف التي عبرت عن الاكتمال لمرحلة زمنية من التاريخ، جاذبية هذا الخطاب نابع من التعميم وإمكانية السقوط في العدمية من جراء التشكيك في كل ما هو مؤسس ومنظم بالقوانين والمفاهيم، يمكن للخطاب أن يفتح إمكانية جديدة للتفكير بعيدا عن المفاهيم القديمة، يمكن استلهام الأفكار والمفاهيم دون السقوط في التبعية والتنميط لأفكار معينة، مهمة التفكير كما يشير "هايدغر" في العصر التقني، والحياة الجديدة لا يمكن أن يكون على نمط القدماء، وظيفة الفلسفة اليوم التفكير في ماهية الأشياء، الفلسفة تفكير يهتم بالوجود وحقيقته، لم تعد الفلسفة ميتافيزيقا، لا يمكن للفلسفة أن تكون مجردة تهيم في الخيال والفضاء المجرد، الفلسفة كذلك أسلوب حياة وفن للعيش، مهمتها علاجية، أن تحررنا من الألم، تجعلنا نشعر بقلق الوجود.
استنفذت الفلسفة كل إمكاناتها الذاتية، يمكن أن تنتج الوهم وتعيد تكرار نفسها، الفلسفة في حقيقتها ميتافيزيقا اكتملت، والفلسفة السابقة قائمة على نسيان الوجود، سؤال الوجود حسب "هايدغر" غائب من التفكير، الفلسفة قائمة أصلا على التفكير في الموجود والأشياء، تروم الفلسفة المطلق وإضفاء صيغة النهاية القطعية على فكرة ما، عالم المثل مع أفلاطون، والمطلق مع هيجل، وقيم "زرادشت" في قلب القيم الأفلاطونية والمسيحية، حيث يعتبر "هايدغر" أن فلسفة "نيتشه" ما هي إلا أفلاطونية مقلوبة، وما كان عند أفلاطون عالما حسيا ظنيا بعيد عن الحقيقة الموجودة في عالم المثل أصبح هذا العالم عند نيتشه عالم الحقيقة، عندما يرغب الفيلسوف في إرساء منطق جديد للعالم ينبني على القلب، والشك في القيم السابقة، الإنسان مبدع لقيم جديدة، تعلي من الحياة وإرادة القوة، ترسي دعائم الفكر الجديد الذي ينطلق من الحاضر ليبشر بالمستقبل، الخطاب يتعلق بسلسلة من العبارات والمقولات والمفاهيم الذي يصدر عن ذات منتجة، الخطاب قول يتم إنتاجه وتعميمه وتوزيعه، كما يشير لذلك "ميشيل فوكو" في "نظام الخطاب"، إنتاج مراقب ومنتقى ومنظم، يمكن أن يكون مقبولا، ويتميز بالقيمة من قبل من يرغب في نشره وانتشاره، ويمكن أن يصيبه نوع من النبذ أو المنع، ولا يجد الخطاب من يقوم بتعميمه وتسويقه، وهذا يستند على قنوات وآليات في قبوله أو رفضه، ويمكن أن يستدعي شروط مقبولة في تسويقه، هناك مجموعة من الآليات الممكنة التي تتحكم في الخطاب، وتجعله محكوما بسياق محدد، الخطاب ظرفي وزماني، وأقصى ما يمكن أن تعبر عنه الأفكار عندما تكتمل أو تصير غير ممكنة في مجتمعات تروم التقدم والتجديد.
نهاية التاريخ عندما تصير الفكرة، وتتقدم باستمرار نحو التجلي والتعيين في الواقع، وتنمو في العقول، وتؤدي لميلاد المجتمع العقلاني. نفهم قوة الفكرة، وتجليات الروح في التوهج والنمو نحو الاكتمال والتطور من خلال غايات التاريخ، التاريخ غاية في ذاته والإنسان مجرد أداة في تحقيق غايات التاريخ، فكرة مثالية نقيض القراءة المادية للتاريخ، النهاية هنا، تعني نهاية فكر القرون الوسطى، نهاية الفلسفة المدرسية، وبداية التفكير العقلاني، من ديكارت واسبينوزا إلى هيجل، سيرورة الفكرة وتجليات الروح من الذاتي إلى الموضوعي ثم المطلق، وليس المطلق إلا التعبير الجلي عن الاكتمال والتجلي لروح العصر الجديد، عصر التنوير ومعركة الإنسان الغربي ضد الاستبداد والجمود، انفصلت المعرفة عن مرحلة القرون الوسطى، تشكلت ملامح العصر في الحرية والتفكير العقلاني، ومنطق الفكرة أن العقل يحكم التاريخ، ولن يتحدد التاريخ إلا بوصفه مسارا عقليا يسير نحو الحرية والاكتمال.
نهاية التاريخ كذلك في تحليل "فوكوياما" نابع من سياق تاريخي في انهيار المعسكر الشرقي، ونهاية الاشتراكية، الأيديولوجيا المضادة للرأسمالية، من هنا أعلن المفكر عن نهاية التاريخ من خلال أحادية النموذج الليبرالي، وصولا إلى اقتصاد السوق الحرة، بداية زحف العولمة في شتى المستويات، الاقتصادية والسياسية، نهاية التاريخ ليست سوى اكتمال وزوال النماذج المضاد للرأسمالية، وبقاء الاتجاه الوحيد الممكن في قيادة العالم نحو الرخاء والرفاهية من خلال تعميم النموذج الليبرالي في التدبير، والتقريب بين الكيانات المختلفة في العالم على قاعدة تعميم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتطبيق الليبرالية كفلسفة في الاقتصاد والسياسية، نهاية التاريخ جاءت بمفاهيم جديدة في العالم الحر الذي يقوده الغرب ضد الأنظمة الشمولية، والمناوئة للغرب في سياسته، ومنها الدول المارقة.
زحف العولمة لا يعني نهاية خطاب النهايات، بل تسويق لفكر نهاية التاريخ ونهاية الأيديولوجيات، ونهاية المجتمع القديم، وبداية عصر جديد قائم على الحريات والتكنولوجيا، والتبادل والالتقاء في المشترك الإنساني، العولمة ظاهرة تفاعلية تواصلية، قائمة على فكرة التقارب وتبادل المنافع بين الشعوب والكيانات، وقائمة على تعميم نمط الإنتاج الرأسمالي والفكر الليبرالي، النهاية تعني أفول نظام ومرحلة معينة من الصراع والاستقطاب الايدولوجي بانتصار القيم الرأسمالية، النهاية من خلال وضع الحدود.
نهاية التاريخ ونهاية الفلسفة يعني ميلاد نمط جديد من المعرفة ترقى إلى مستوى طموح الإنسان في التجديد والتغيير، نهاية الأنساق الكبرى ونهاية الميتافيزيقا والفكر المجرد الذي يمكن اعتباره عائقا أمام التطور، ولحظة ميلاد جديدة لشيء يوازي رغبة الذات في التقدم، الأيديولوجيات مجرد قناع تخفي الهيمنة ومصالح الطبقة المسيطرة، والعولمة يمكن اعتبارها قناع كذلك تخفي الهيمنة بطرق ناعمة وصلبة، لاح في الأفق الحلم الإنساني من خلال العولمة أي الالتقاء في المشترك، والتقليل من الحروب والصراعات، عندما تتمكن العولمة من تحطيم الحدود وترسي الفكرة القائمة على تنامي التجارة، وعبور الشركات العملاقة، وفكرة الاستثمار في الطبيعة والإنسان، تأملات في الخطاب وأهداف العولمة والنهايات القطعية لمرحلة معينة من التاريخ تقودنا للتفكير مليا في طبيعة العولمة التي قادت إلى تقسيم العالم إلى محاور للخير والشر.
تصنيف العالم وتقسيمه أبقى على التطور اللامتكافئ بين عالم ينتج الصناعة ويتحكم في الاقتصاد العالمي وعالم يستخرج الموارد الأولية، التقارب لم يمس جوهر العلاقات الإنسانية، ظلت القوة الصلبة حاضرة في السياسات الخارجية للقوى الكبرى خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية، اقتنع الناس أن العولمة لا يمكن أن تكون متوازنة، ولا يمكن للنظام العالمي أحادي القطبية أن يكون منصفا للكل، مثالية العولمة ومحاسنها كلام يحتاج للمزيد من التأملات، وإعلان زوال أو اكتمال نظرية ما أو نظام مهيمن لا يعني النهاية القطعية والتلاشي النهائي، بل تعبير عن عالم جديد وتسويق للفكر من حيث البدايات التي تتولد عنه في إزاحة القديم وإحلال الأفكار البديلة.
المشكلة أن خطاب النهايات يقوم بالإجهاز على اليقينيات والثابت في القيم والأفكار، ويعطي بديلا يتعلق بأدوات التفكيك والنقد، ولا بديل في المحتوى، التكنولوجيا وشبكات التواصل الاجتماعي، لا يمكن أن تكون بديلا عن الواقع الفعلي، لا يمكنها أن تجهز على النظريات والرؤى الفكرية التي شكلت عصرا ما، الانتقال من مرحلة إلى أخرى يتطلب شيئا من التداخل والتجاوز، نهاية الدولة لا يعني تخلي الدول عن سيادتها وحدودها وقيمها، نهاية الدولة في نمط ما من الاختيارات الخاصة باقتصاد السوق، وتحفيز التبادل، وخلق إمكانيات جديدة في توسيع هامش التجارة والابتكار.
نهاية الفلسفة يمكن أن تشير إلى نوع من الاكتمال الخاص بنمط معين من التفكير، لم يعد مجديا أو نافعا، ولا يمكن الإجهاز على كل المذاهب الفلسفية بدليل العودة الكبيرة للفلاسفة المعاصرين نحو الفلسفة القديمة، نحو المذاهب الفلسفية اليونانية كالرواقية الأبيقورية، والحكماء السابقون على سقراط، العودة للتجديد والفهم، وقراءة الواقع بمرآة التفكير الأصيل، العودة للأصل، وطرح سؤال عن الإنسان والعصر، نهاية الإنسان والنزعة الإنسانية كما يبدو في فلسفة "ميشيل فوكو"، حيث يقول الفيلسوف أن" الإنسان اختراع حديث العهد، صورة لا يتجاوز عمرها مئتي سنة، إنه مجرد انعطاف في معركتنا، وسيختفي عندما تتخذ المعرفة شكلا آخرا جديدا".
الإعلان عن "موت الإنسان" في البنيوية وبعض الآراء الفلسفية لا تعني أن الإنسان انتهى من الوجود، الإنسان هنا نتاج لمعرفة معينة، بذهنية وعقلية، ينتهي بمجرد أن يلوح في الأفق عصر جديد بدينامية مغايرة، لم يعد الإنسان المرجع الوحيد للمعرفة، تظهر ملامح جديدة منفصلة عن الماضي، وما التاريخ إلا أسطورة العصور الحديثة من خلال موقف البنيويون، ومنهم "ليفي ستراوس"، المجتمع نتاج بنية ونسق، يتطور من الداخل بعيدا عن السياق التاريخي.
صورة الإنسان تتغير بين المراحل والعصور، الصورة تتخذ أشكالا جديدة من المعرفة، ولع بالنسق، عشق آخر لقضية الاتصال والانفصال، بين الذات والعالم، وبين الذات والتاريخ، الذات الإبستيمية والعوالم المؤثرة في نسق المعرفة، يتغير الواقع بصورة هائلة، ويحل العالم الافتراضي، ويتلاشى الإنسان في صورته القديمة والحديثة، ويظهر إنسان جديد بنمط آخر في التفكير والقيم.
يمكن اعتبار خطاب النهايات بمثابة الإعلان الصريح عن النهاية القطعية لما هو يقيني وثابت، وإعلان جديد عن ميلاد الفكر النسبي، والقيم النابعة من اللحظة، والسياق الذي يؤثر في الإنسان وتفكيره، النهايات لا تعني الكمال والمثالية، بل اكتمال وإحلال، فلا يمكن أن يكون خطاب النهايات بديلا عن المعنى والحقيقة وعالم الواقع، لذلك يعبر هذا الخطاب عن أزمة الثقافة الغربية ورغبة البعض في ضخ دماء جديدة أو ثورة فكرية تتعلق بتجديد الحداثة الغربية.
التعبير عن الأفول والتلاشي أمام التحولات السوسيوثقافية، وأمام التغيرات التكنولوجية، من نتائجه ذوبان الفرد، وتيه الإنسان أمام مغريات الحياة السائلة، هكذا انتقل الإنسان المعاصر من الحداثة الصلبة إلى الحداثة السائلة، بدأ الإنسان في فك القيود والتحرر من صرامة القواعد، والخوف أن تصير كل الأشياء في العالم سائلة، خالية من المعنى والحقيقة.