أمن الخليج بين تعددية المحاور وتآكل البنية القديمة

ابراهيم العبادي

2026-05-04 03:00

في لحظة إقليمية تتسم بإعادة تشكيل التوازنات، لم يعد أمن الخليج مسألة عسكرية صِرفة، بل بات بنية مركبة تتداخل فيها أبعاد الأمن السياسي وأمن الطاقة والاقتصاد والأمن المجتمعي. وإذا كان تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981 قد جاء في سياق احتواء تداعيات الحرب العراقية الإيرانية، فإن السؤال بعد أكثر من أربعة عقود لم يعد عن مبررات التأسيس، بل عن مدى صلابة البنية وقدرتها على التكيف مع تحولات بيئة استراتيجية أكثر تعقيدا، فقد أُنشئ المجلس كإطار توافقي تعاوني ، لكنه لم يرتقِ إلى مستوى “التحالف الاستراتيجي المتماسك الصلد، فالأزمة التي انفجرت عام 2017 بين قطر وكل من السعودية والإمارات والبحرين لم تكن حادثة عابرة، بل كشفت عن تصدعات عميقة في إدراك التهديدات وأولويات السياسة الخارجية.

ورغم “اتفاق العلا” 2021، الذي اعاد المياه الى مجاريها، فإن منطق التنافس لم يتراجع بقدر ما أعاد تموضعه بصيغ أقل صخبًا وأكثر براغماتية. الحرب الايرانية -الامريكية الاسرائيلية اعادت مساءلة المنظورات التي تأسس بموجبها مجلس التعاون وما ينبغي ان تكون عليه الاستراتيجية الامنية وفقا للتحديات الجديدة بعدما صار الخليج ساحة حرب وتدمير وحصار وقلق امني وتصدعات نفسية ومجتمعية، التصريحات التي صدرت عن أنور قرقاش، وزير الدولة الاماراتي السابق ومستشار الشؤون الخارجية الحالي، التي انتقد فيها أداء المجلس واعتبره في أضعف حالاته تاريخيًا، تعكس إدراكًا داخليًا بأن الإطار المؤسسي لم يعد قادرًا على احتواء تباينات الرؤى. وهذا ينسجم مع أدبيات “مدرسة كوبنهاغن” في الدراسات الأمنية، التي ترى أن الأمن يُبنى عبر “تصورات التهديد” بقدر ما يُبنى عبر القدرات المادية.

يمتلك الخليج نحو 30 بالمئة من احتياطي النفط العالمي المؤكد، ويؤمّن ما يقارب ثلث إمدادات النفط البحرية. ومع ذلك، فإن ما كان يُفترض أن يكون احد عناصر التوحيد والانسجام (الطاقة) تحوّل إلى ساحة تنافس، خصوصًا بين الإمارات والسعودية. وفي هذا السياق، برزت خطوة الإمارات بالانسحاب من منظمة أوبك كإشارة ذات دلالة سياسية واقتصادية، فُهمت في إطار التنافس على زعامة سوق الطاقة، وتعبيرًا عن رغبة إماراتية في هامش استقلال أوسع في سياسات الإنتاج والتسعير، وهو ما ينعكس مباشرة على توازنات القيادة داخل المنظومة النفطية التي تتسيدها السعودية بلا منازع .

كما يتجلى التنافس في سياسات جذب الاستثمارات، ونقل مقرات الشركات، والاستثمار في الطاقة المتجددة والهيدروجين، ما يجعل الاقتصاد الخليجي أقرب إلى “التنافس الموازي” منه إلى “التكامل البنيوي”. تبدو الامارات عازمة على الذهاب بعيدا في تنفيذ رؤاها المنفردة، فهي تسعى نحو بناء محور متعدد الأطراف يضم إسرائيل والهند واليونان وقبرص وإثيوبيا، برعاية الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، استعانت الإمارات بـإسرائيل للحصول على منظومات دفاع جوي متقدمة، من بينها نظام القبة الحديدية، في خطوة تعكس تحولًا نوعيًا في أنماط التحالفات الأمنية.

في المقابل، تميل السعودية إلى تصور محور إسلامي أوسع، يضم باكستان ومصر والأردن، مع تردد تجاه إدماج تركيا. أما سلطنة عمان، فتمثل نموذج “الحياد النشط”، إذ تحافظ على علاقات وثيقة مع إيران، بينما تنتهج قطر سياسة توازن مرن. لا تزال إيران يُنظر إليها كأحد أهم مصادر التهديد في المخيال الأمني الخليجي، في ظل استمرار نهجها الإقليمي، وتآكل الثقة بينها وبين دول الخليج—باستثناء سلطنة عمان، وإلى حد ما قطر.

في المقابل، يبرز العراق كمتغير حاسم في الحسابات السعودية، إذ إن تركه في حالة تردد وضعف قد يحوله إلى “خاصرة رخوة”، على غرار اليمن، بما يحمله ذلك من تداعيات جيوسياسية وأمنية عميقة. لا يقتصر الامر على ترتيبات الدفاع، فالاستراتيجية الامنية لا يمكن ان تغفل الهوية ومتطلباتها النفسية، ووفقا لتصورات مدرسة كوبنهاغن ورائدها باري بوزان، فإن الأمن المجتمعي يتعلق بقدرة المجتمعات على الحفاظ على هويتها. وفي الخليج، تتزايد الهواجس المرتبطة بالبنية السكانية، خصوصًا في ظل التوجس المبالغ به من الأقليات الشيعية وتأثير الاستقطاب الإقليمي عليها خصوصا بعد حرب الاربعين يوما وما رافقها من اعتقالات واسقاط للجنسية عن مواطنين، ما يجعل الأمن المجتمعي عنصرًا حساسًا في في معادلة الأمن الشامل .

إن استمرار الوضع الراهن، القائم على تعدد المحاور وتضارب الاستراتيجيات، يفتح المجال أمام انفراد محور بعينه—خصوصًا المحور المرتبط بـإسرائيل—بإعادة تشكيل أمن المنطقة.

لذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة خليجية جديدة تقوم على إعادة تعريف التهديدات بشكل جماعي، وبناء تكامل اقتصادي حقيقي، وإدماج العراق في منظومة الأمن الإقليمي، وفتح قنوات تفاوض مدروسة مع إيران. فلم يعد أمن الخليج مسألة حماية حدود وسيادة مصادر الدخل، بل إدارة توازنات معقدة بين الداخل والخارج. وبعد 45 عامًا على تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، يبدو أن التحدي الحقيقي لم يعد في مواجهة الأخطار فحسب، بل في القدرة على إنتاج رؤية مشتركة للأمن ذاته—وهو ما سيحدد مستقبل هذه المنظومة في عالم سريع التحول.

ذات صلة

الاستنارة بمشاعل الهدايةالتداعيات الجيوسياسية والأمنية للصراع الأمريكي الاسرائيلي الإيراني على العراقفي معنى التواصل الثقافيمن تكليف الزيدي إلى حكومة الأغلبية المطلقة: بين وهم التغيير وحقيقة التحولأجهزة عالمية على الورق: رديئة في الواقع