إشكالية الدولة الريعية في العراق والتحول نحو اقتصاد السوق الاجتماعي
د. مظهر محمد صالح
2026-04-29 04:56
لم يكن التحول الذي شهده العراق، منذ أفول زمن الاستبداد الفردي إثر الغزو الأمريكي للعراق 2003، تحولاً مكتمل الأركان، بقدر ما كان انتقالاً متعثراً بين صورتين للدولة: دولةٍ تُفكِّك إرثها القديم، وأخرى لم تكتمل شروط ولادتها بعد. فبقي الكيان السياسي معلقاً بين ديمقراطيةٍ في الشكل، وريعيةٍ في الجوهر، تُعيد إنتاج ذاتها وإن تغيّرت وجوهها.
وهكذا، لم تغادر الدولة مأزقها البنيوي، إذ ظل الريع أصل الحكاية وفصلها، ينسج خيوط السياسة كما تُنسج شبكات الولاء، ويُفرغ السوق من معناه، حتى غدا كائناً هامشياً في وطنٍ كان جديراً بأن يكون فيه فاعلاً أصيلاً. وفي هذا الفراغ، تَمدَّدت الزبائنية، وترسّخت أوليغارشياتٌ لا تستمد قوتها من الإنتاج، بل من القرب من موردٍ لا ينضب إلا بقدر ما ينضب العقل في تدبيره.
ضرورة الشراكة بين الدولة والسوق
غير أن رياح التحولات الكبرى، من تقلبات أسواق الطاقة إلى ارتجاجات الجغرافيا السياسية، قد أصابت هذا البناء في صميمه، فكشفت هشاشته، ودفعت إلى التساؤل: أيمكن للدولة أن تستمر بلا سوق، أو أن ينهض سوقٌ في ظل دولةٍ تُخاصمه في كل حين؟
من هنا، أخذت تتشكل ملامح أفقٍ جديد، تتلاقى فيه الدولة والسوق لا على سبيل التنازع، بل على قاعدة الشراكة، ضمن ما عُرف في الفكر الاقتصادي بـ اقتصاد السوق الاجتماعي، وهو تصورٌ لا يُقصي الدولة ولا يُطلق السوق من عقاله، بل يُقيم بينهما ميزاناً دقيقاً، كما نظّر له (فالتر أوكن) في تقاليد (الأوردوليبرالية) بكونه المؤسس لها؛ حيث الحرية الاقتصادية لا تستقيم إلا بنظامٍ قانوني صارم، والعدالة لا تتحقق إلا ضمن سوقٍ منضبط.
فالأوردوليبرالية التي نشأت في ثلاثينيات القرن الماضي ليست دعوة لاقتصاد حر بلا قيود، بل هي فلسفة تقول إن الحرية الاقتصادية تحتاج دولة قانون قوية كي لا تتحول إلى فوضى أو احتكار.
انقلاب في المعنى: من التوزيع إلى التنظيم
كما أن هذا التحول لا يُختزل في تبديل الأدوات، بل هو انقلابٌ في المعنى: انتقالٌ من دولةٍ توزّع إلى دولةٍ تُنظّم، ومن سياسةٍ تُدار بالغنيمة إلى سياسةٍ تُدار بالعقل. وهنا يلوح دور “صنّاع السوق”، لا بوصفهم بديلاً عن الدولة، بل بوصفهم حاملي ثقافةٍ جديدة، تُعيد وصل الاقتصاد بالأخلاق، على نحوٍ يذكّر بما ذهب إليه آدم سميث حين رأى في السوق فضاءً للأخلاق قبل أن يكون ميداناً للمصالح.
غير أن الحذر واجب، إذ ليس كل ما يُولد من رحم السوق محمود العاقبة؛ فقد نبّه كارل ماركس إلى أن رأس المال، إذا تُرك لسطوته، أعاد تشكيل الدولة على صورته، كما شدد جون رولز على أن العدالة لا تُستعار من السوق، بل تُفرض عليه من خارج منطقه.
متطلبات معالجة الاختلالات
لذا تتطلب معالجة اختلالات الدولة الريعية في العراق حزمة من التحولات المتداخلة:
1. إعادة بناء الدولة القانونية وتعزيز سيادة القانون.
2. تحرير السوق ضمن إطار تنظيمي يمنع الاحتكار.
3. تفكيك شبكات الزبائنية السياسية.
4. ربط رأس المال الوطني بمسار تنموي إنتاجي.
5. تحقيق توازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
إن استمرار التناقض بين البنية الريعية والديمقراطية التمثيلية في العراق سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بصيغ مختلفة. وعليه، فإن تجاوز هذا المأزق يتطلب إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والسوق ضمن إطار حوكمة رشيدة. فالمستقبل لا يقوم على إقصاء أحد الطرفين، بل على إعادة ضبط العلاقة بينهما وفق قاعدة أساسية قوامها: دولة قوية بالقانون، وسوق فعّال بالقواعد، وتنمية تستند إلى الإنتاج لا التوزيع.
خاتمة: لحظة الولادة الجديدة
ختاماً، فإن العراق يقف على تخوم منعطفٍ فلسفي، لا يغيّر فيه أدوات إدارة الحكم فحسب، بل يعيد تعريف غايته: أهي دولةٌ للريع أم دولةٌ للحق؟ أهي سلطةٌ لتوزيع الامتياز أم نظامٌ لإنتاج الفرص؟
إن ما يُبشَّر به من “لحظة ولادة” جديدة، كما يُشار إليها في 27 نيسان 2026، ليس حدثاً يُقاس باليوم والشهر، بل وعيٌ يتخلّق، وإرادةٌ تبحث عن صورتها. فإن أحسنَت الدولة قراءة لحظتها، وأحسن السوق إدراك حدوده، أمكن أن تقوم بينهما معادلةٌ طال انتظارها: دولةٌ يُقيمها القانون، وسوقٌ يضبطه النظام، وديمقراطيةٌ لا تُختزل في التمثيل، بل تتجسد في الكفاءة والعدالة معاً.