آراء قابلة التنفيذ

وجدان عبد العزيز

2026-04-21 05:13

عاش العراق برمته، ولاسيما المثقف، عقوداً من المفاهيم والثقافات المستبدة التي لا تعير أي قيمة اعتبارية للإنسان، سواء كانت فكرية أو غيرها، وتجسدت خير تجسيد في عهد الدكتاتورية الصدامية، وأصبحت ثقافة الإرهاب والتسلط والتعسف هي الغالبة، حيث قدم الشعب العراقي خلال هذا مئات من الانتفاضات راحت ضحيتها الكثير من العقول المهمة. 

وجاءت الحتمية التاريخية لتصبح ساحة الفردوس انطلاق التغيير، وبما أن التغيير صار بفعل خارجي، وانعدام ضبط مفاصل الدولة التي ربطها القائد الأوحد بنفسه، سادت فوضى التخلص من هذا العهد. وأقول فوضى لسبب ما ذكرته أعلاه وبسبب انفتاح الأبواب على مصاريعها ولكل قوى الشعب الإيجابية والسلبية، مما أدى إلى تصادم هذه القوى.

ولابد أن يحدث هذا التصادم الانفعالي، حيث صاحب هذا احتقانات طائفية وقومية، بدأ الشعب يقدم قوافلاً إضافية من الشهداء الذين سقطوا بسبب هذا، أو بسبب الإرهاب والمجاميع التكفيرية وعصابات السطو والسرقة. وتعرض المجتمع لهزة التغيير، ولابد من فترة تُستعاد فيها يقظة الشعب ووعي المثقف. ورغم كل المصاعب، بدأت مفاهيم الثقافة الديمقراطية وقبول الآخر تسود، خاصة في الأوساط الثقافية والإعلامية، إضافة لثقافة الدستور الدائم وحمايته والانتخابات.

ولكن كان إيقاع أداء أجهزة الدولة والبرلمان وأداء القوى الفاعلة التي حكمت البلاد من خلال صناديق الاقتراع بطيئاً جداً، للتركة الثقيلة من النظام السابق، ومنها “توازن القوى” المحاصصة، التي بُني على أساسها أداء الدولة، اعتقاداً من العقل السياسي بأنها تمتص الاحتقان الطائفي والقومي؛ وهي لاشك امتصت القليل منه، ولكن الأداء انعكس سلباً على بناء المؤسسات والبنية التحتية للدولة. وأُعطيت للسلطة المنتخبة امتيازات ساهمت في سلبيات الأداء الحكومي، لكون هناك إحساس بالغبن لدى موظفي الدولة الآخرين وأفراد الشعب بصورة عامة، فسادت نوبة وبائية من الفساد الإداري والمالي وعدم احترام المال العام، وهذا بدوره انعكس بالسلب على الأداء الحكومي أيضاً.

وحتى نكون منصفين، لا ننفي أن هناك بناء ينهض وهناك دولة تنهض بهمة أثناء سنوات ما بعد سقوط الصنم، وبحكم المؤكد أن نجاح الدولة مرتبط بإعادة تنظيم صفوف مسؤولياتها الإدارية والتنظيمية من خلال تأمين جدية وضع الكفاءات في أماكنها المناسبة، ليكون إيقاع بناء تلك المؤسسات متناغماً مع التوجهات الديمقراطية وحقوق المواطن التي كفلها الدستور. وكان دور المثقف العراقي متميزاً في الدفاع عن الدولة ووحدتها ونبذ كل حالات التشرذم الطائفي وتعميق الروح الوطنية، كون الوطنية دالة تُفعل روح الوحدة والتضامن بين أفراد الشعب.

وترسخ هذا من خلال كتابات المثقفين، سواء بالمقالات اليومية أو من خلال الطروحات الفكرية في الندوات الجماهيرية، وكانت الطروحات الثقافية المستندة لروح الدستور تؤكد أن هناك أعداء متربصين بالعملية السياسية والديمقراطية في العراق، وهم بكل تأكيد يحاولون توجيه مطالب الشعب وتحريفها عن مسارها الديمقراطي المشروع. وفي اعتقادنا الجازم أن نجاح بناء الدولة العراقية يقوم على إدارة الأزمات بروح التعاطي وتوظيف الاختلافات وتعزيز المشتركات، والتحول من حالة الصراع والاحتقان إلى حالة الاتفاق، وخلق انسجام بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وجعل الدالة الوطنية والوطن هي الدالة العليا، ليحس المواطن بالأمان من خلال اقتراح سلم وظيفي عادل لا يغري المسؤول بالمنصب والوجاهة، ويحافظ على العدالة، ويكون قانوناً ثابتاً ووفق الدستور الذي يطالب بهذا.

ونحن نلمس بأن كل القوى السياسية الفاعلة تطالب بتطبيق الدستور وبناء الدولة المدنية، وعلى هذه القوى ترجمة مطالباتها على أرض الواقع بما يخدم المواطن والوطن والدستور.

ذات صلة

إدارة المعيشة وفن تصميم نمط الحياة الصالحندوة في جامعة كربلاء تناقش الآفاق النهضوية في تفسير "تقريب القرآن" للإمام الشيرازيالرضى: قوة للنفس ورؤية ثاقبة للمستقبل‏هل تخلت واشنطن عن دول الخليج؟المنهجية النفسية والتربوية في ضبط الانفعالات عند الإمام الحسن العسكري