أنابيب نفط جديدة: معضلة سلطة عراقية هجينة
مازن صاحب
2026-04-15 03:26
يشهد النظام العالمي للطاقة تحولاً بنيوياً متسارعاً في الانتقال من نموذج “الممر الجغرافي الواحد” إلى نموذج “الشبكات متعددة المسارات”، بهدف تقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالممرات البحرية الحساسة، وفي مقدمتها مضيق هرمز. يعيد هذا التحول رسم خرائط تدفقات النفط والغاز باتجاه بحر العرب والبحر الأحمر والبحر المتوسط، بما يؤدي إلى تفكيك الاعتماد على عقدة جغرافية واحدة، وإعادة توزيع مراكز النفوذ في سوق الطاقة العالمي... ولعل مقالة ماهر الشميتلي في موقع بلومبرغ كانت الأوضح دلالة على كل ذلك.
في هذا السياق، يواجه العراق مفارقة استراتيجية حادة: فهو من جهة يمتلك احتياطيات نفطية كبيرة، لكنه من جهة أخرى لا يزال يعمل ضمن نموذج تصدير أحادي يعتمد بشكل شبه كامل على المسار الجنوبي عبر الخليج ثم مضيق هرمز، ما يجعله خارج ديناميكية إعادة تشكيل ممرات الطاقة.
أولاً: تعتمد منظومة تصدير النفط العراقي على منفذ جنوبي رئيسي يمر عبر الخليج وصولاً إلى مضيق هرمز، وهو ما يجعل الاقتصاد العراقي مرتبطاً مباشرة بأي اضطراب في أمن الملاحة الدولية. هذا النموذج يخلق ثلاث طبقات من الهشاشة؛ أولها جغرافية مرتبطة بممر ضيق عالي الحساسية، وثانيها هشاشة سياسية ناتجة عن التداخل الإقليمي، خصوصاً مع إيران، وثالثها اقتصادية تتمثل في تقلب كلف التأمين والنقل والإيرادات. في المقابل، تبقى البدائل محدودة وغير مستقرة، وعلى رأسها خط كركوك-جيهان، الذي لا يعمل ضمن منظومة تصدير استراتيجية متكاملة.
ثانياً: تشير الاتجاهات الدولية إلى ثلاث تحولات رئيسية في تفكيك الاعتماد على الممرات البحرية الضيقة عبر تطوير خطوط أنابيب بديلة، ثم إعادة توجيه التدفقات النفطية نحو بحر العرب والبحر الأحمر والبحر المتوسط، ومن بعد ذلك تحويل أمن الطاقة إلى نظام شبكي بدلاً من عقدة جغرافية واحدة. هذا التحول يعني عملياً تقليص قدرة أي طرف على استخدام الممرات البحرية كأداة ضغط جيوسياسي، وإعادة توزيع مراكز التأثير في سوق الطاقة العالمي.
ثالثاً: رغم كون العراق أحد أكبر منتجي النفط في المنطقة، لا يزال يعتمد على مسار تصدير أحادي ويفتقر إلى شبكة أنابيب متعددة الاتجاهات، وما زال غير مندمج في مشاريع إعادة توزيع الطاقة الإقليمية. وبالتالي، فإن العراق لا يشارك في إعادة تشكيل ممرات الطاقة، بل يتعرض لتداعياتها دون أن يكون فاعلاً فيها، ويظل خط كركوك-جيهان منفذاً ثانوياً محدود الاستقرار السياسي والتشغيلي.
رابعاً: تطرح مقالة موقع بلومبرغ بقلم ماهر الشميتلي تلك الفرص الاستراتيجية بقيمة 39 مليار دولار، وإعادة التموضع المرجحة التي تتضمن التحولات الجارية كفرص محتملة للعراق في حال إعادة تعريف موقعه داخل منظومة الطاقة الإقليمية، أبرزها تنويع مسارات التصدير عبر تركيا والأردن والبحر المتوسط، وتقليل الاعتماد على المسار الجنوبي المرتبط بمضيق هرمز، فضلاً عن إدماج قطاع الطاقة ضمن مشروع طريق التنمية العراقي. في هذا الإطار، يمكن أن يتحول طريق التنمية إلى منصة لوجستية–طاقوية متعددة العقد، تربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر شبكة نقل متكاملة تشمل النفط والغاز والبنى التحتية، كما أن هذا المسار يفتح المجال أمام إعادة تموضع العراق ضمن شراكات استراتيجية مع الولايات المتحدة والشركات الأوروبية ودول الخليج، بما يعزز التمويل ويقلل المخاطر... لاسيما أن تكون لجغرافية العراق وطريق التنمية أكثر من منصة لنقل نفوط وغاز الخليج العربي نحو البحر المتوسط.
خامساً: تصطدم هذه الفرص بعدة قيود جوهرية تتمثل في نموذج السلطة الهجينة العراقية وتعدد مراكز القرار وغياب السياسة الطاقوية الموحدة بسبب تداخل أجندات أحزاب متضاربة في مفاسد المحاصصة تحت عنوان عريض لمحور المقاومة الإسلامية في إدارة ملف الطاقة، نتيجة البيئة الإقليمية الحساسة المرتبطة بدور إيران وأمنها الاستراتيجي في مضيق هرمز، فيما تميل الشركات النفطية الكبرى إلى العمل ضمن بيئات تشغيل مستقرة منخفضة المخاطر، دون الدخول في مشاريع تتطلب إعادة هندسة سياسية داخلية.
التقدير الاستراتيجي الممكن: يقف العراق أمام مفارقة بنيوية واضحة؛ فبينما يتجه النظام الإقليمي إلى تفكيك مركزية مضيق هرمز وبناء شبكات طاقة متعددة المسارات، يبقى العراق محكوماً بنموذج تصدير خطي أحادي، وبنية قرار سياسية غير قادرة على إنتاج استراتيجية طاقة موحدة. وعليه، فإن الفجوة الحقيقية ليست بين الفرص والمخاطر، بل بين نظام طاقة عالمي شبكي متسارع ودولة نفطية تعمل بمنطق خطي هش!! كل ذلك يفرز مجموعة من السيناريوهات المستقبلية:
1. السيناريو الأول: الاندماج التدريجي: للعراق في إعادة تفعيل مشاريع التصدير عبر تركيا والأردن، وربط النفط بطريق التنمية العراقي، مع بقاء جزئي على هرمز. يؤدي هذا إلى تحسين محدود في المرونة دون تغيير بنيوي في الدولة، من خلال موافقة الحكومة المقبلة على الاشتراك في مشاريع أنابيب النفط والغاز عبر طريق التنمية من دون موافقة الفصائل الحزبية المسلحة في محور المقاومة الإسلامية!!
2. السيناريو الثاني: الجمود البنيوي: استمرار الوضع الحالي مع إصلاحات شكلية، وبقاء السلطة الهجينة دون قدرة على إنتاج قرار طاقوي موحد. وستكون للشركات النفطية لاسيما الأمريكية مواقف أخرى مع الحكومة العراقية المقبلة لوضع النقاط على حروف احتواء تهديدات محور المقاومة الإسلامية والفصائل الحزبية المسلحة لهذا المشروع على أرض الواقع. وكلا السيناريوهين يحتمان بروز مواقف حكومية للاتفاق مع فصائل محور المقاومة!!
3. السيناريو الثالث: الصدمة الجيوسياسية: عبر تصعيد إقليمي يؤدي إلى اضطراب في الملاحة عبر مضيق هرمز، ينعكس مباشرة على الإيرادات العراقية.
4. السيناريو الرابع: إعادة تموضع إقليمي عميق: في نجاح مشاريع التفاف إقليمية شاملة، واندماج العراق في شبكة تصدير متعددة العقد، بما يحول موقعه من هامش طاقوي إلى مركز لوجستي–طاقوي... وهذا يعني تغييب مواقف محور المقاومة الإسلامية كلياً من خلال الاحتواء أو الضم أو الاتفاق!!
خلاصة الكلام: لا تعكس أزمة العراق نقصاً في الموارد أو الموقع الجغرافي، بل تعكس خللاً في تحويل الإمكانات إلى سياسة طاقوية سيادية. وفي الوقت الذي يُعاد فيه رسم خرائط الطاقة العالمية لتجاوز عقدة هرمز، يبقى العراق عالقاً في نموذج داخلي يعيد إنتاج هشاشته.. وبذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في بناء خطوط تصدير جديدة، بل في بناء دولة قادرة على اتخاذ قرار استراتيجي موحد حولها... ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!!!