ما بعد حرب الأربعين يوماً
ابراهيم العبادي
2026-04-13 08:41
في أعقاب ما بات يعرف بـ {حرب الأربعين يوماً} بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وايران من جهة مقابلة، دخلت منطقة الشرق الأوسط طوراً جديداً من إعادة تشكل المعادلات الأمنية والسياسية، حيث لم تعد المفاهيم التقليدية للأمن—القائمة على التحالفات الصلبة والقواعد العسكرية—قادرة على تفسير أو احتواء طبيعة التهديدات المتغيرة.
لقد وجدت دول مجلس التعاون الخليجي نفسها أمام اختبار استراتيجي حقيقي، إذ بدا أن الرهان طويل الأمد على المظلة الأمنية الأمريكية لم يعد كافياً لضمان الحماية. فبرغم الاستثمارات الضخمة في شراء السلاح، واستضافة القواعد العسكرية الأجنبية، لم تنجح هذه السياسات في منع تعرض بعض هذه الدول إلى تهديدات وضربات مباشرة أو غير مباشرة. بل على العكس، تحولت تلك القواعد في بعض الأحيان إلى مصادر تهديد، بعدما اعتبرتها إيران نقاط انطلاق محتملة لأي عمل عسكري يستهدفها، ما جعلها أهدافاً مشروعة لها ضمن منطق الردع المتبادل، ونتج عنها آثارا نفسية ومادية كبيرة.
هذا التحول يكشف عن مفارقة أساسية: أن أدوات الردع التقليدية قد تنتج عكس غاياتها، وتُدخل الدول في دوامة “أمننة” متبادلة، حيث يُنظر إلى إجراءات الحماية بوصفها تهديداً من قبل الآخر. وفي هذا السياق، لا يمكن فهم التحديات الأمنية بمعزل عن التصدعات داخل المنظومة الخليجية نفسها. فالأزمة بين السعودية وقطر عام 2017، وما تلاها من تباينات في الرؤى بين الإمارات العربية المتحدة والسعودية في 2025، تعكس هشاشة التوافقات الاستراتيجية حتى بين الدول المتقاربة جدا في رؤيتها لمصالحها المنفردة، وتؤكد أن التهديدات ليست خارجية فقط، بل كامنة أيضاً في تضارب الأدوار والطموحات.
ولا تقف هذه التوترات عند حدود الخليج، بل تمتد إلى علاقات إقليمية أوسع، كما في حالات التشنج المتكررة بين الأردن ومصر وبعض دول الخليج، أو في حالة العراق، الذي وجد نفسه ساحة لتقاطعات الصراع، وتعرض لضربات من قبل إيران على خلفية وجود قوات حلف شمال الأطلسي والقوات الأمريكية ضمن إطار التحالف الدولي على أراضيه.
لقد كشفت تجربة التحالف الدولي ضد “داعش” (تشكل عام 2014) عن حقيقة مهمة، وهي أن مواجهة التهديدات الأمنية المعقدة، تتطلب أنماطاً جديدة من التعاون، تتجاوز ثنائية “الداخلي/الخارجي”، وتؤسس لشراكات متعددة المستويات، يكون فيها الفاعل الإقليمي شريكاً لا مجرد تابع.
من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم “التهديد الأمني” نفسه. فهل يكمن التهديد في صراع النفوذ والأدوار والزعامة؟ أم في إدراكات الخوف المتبادلة التي تضخم النوايا العدائية؟ أم في هشاشة البنى الاقتصادية، خصوصاً مع تعرض ممرات الطاقة والتجارة إلى التهديد؟ أم أن جزءاً من الأزمة يعود إلى سوء تقدير القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لمخاطر المغامرة بأمن الحلفاء واستقرارهم؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تفتح الباب أمام مراجعة أعمق لمفهوم الأمن الشامل في المنطقة. فالأمن لم يعد عسكرياً صرفاً، بل بات مركباً يشمل الأبعاد السياسية والاقتصادية والمجتمعية، وهو ما يتقاطع مع أطروحات مدرسة كوبنهاجن، خاصة لدى باري بوزان، التي تؤكد على أن التهديدات تُبنى اجتماعياً ونفسيا بقدر ما هي مادية.
اذا نجحت مفاوضات اسلام اباد بين ايران والولايات المتحدة في ابرام اتفاق وتفاهم طويل الامد نسبيا، فانه يعني اعترافا بنفوذ اقليمي لايران يعيد تعريف أولويات ايران الداخلية والخارجية ما يجعلها تفكر (بالتخفف) من سياسة الاعتماد على الفواعل غير الدولتية في المنطقة لضمان امنها، وقد لا تكون الحاجة إلى (وكلاء ) محليين مجدية كثيرا مع تزايد الكلف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذا النمط وبلوغه مرحلة النهاية، كذلك فان شراكة سلطنة عمان في تأمين مضيق هرمز وتزايد دورها الامني والاقتصادي سيزيد من ثقلها السياسي اقليميا ويعزز نموذج (الحكمة السياسية) الذي انتهجته طويلا، ليغدو إنموذجا جاذبا وعمليا وكفوءا يدفع الاخرين لاحتذائه بدل الانموذج التقليدي القائم على الاندفاع نحو التسلح وبناء القواعد العسكرية والاستثمار في الازمات والمشكلات للتموضع وصياغة ادوار اقليمية وعالمية بكلفة كبيرة وعائد قليل .
الخلاصة أن المنطقة بحاجة إلى مقاربات أمنية جديدة، تقوم على مستويين متكاملين:
الأول داخلي، عبر تعزيز التماسك الإقليمي، وتقليل فجوات الثقة، وإدارة الخلافات ضمن أطر مؤسسية مستقرة.
والثاني خارجي، عبر إعادة صياغة العلاقة مع القوى الدولية بما يحقق توازناً بين الاستقلال الاستراتيجي ومتطلبات الشراكة.
كما أن الحاجة باتت ملحّة لبناء تفاهمات إقليمية عميقة تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية، وتؤسس لنمط من “الأمن التعاوني” أو “الأمن الجماعي”، قائم على الاعتراف المتبادل بأدوار الأنظمة السياسية وحقها في تأمين مصالحها، مع تجنب السياسات الاستفزازية، والحد من سباقات التسلح التي تستنزف الموارد وتزيد من احتمالات الصدام.
إن ما بعد “حرب الأربعين يوماً” ليس مجرد مرحلة عابرة، بل لحظة كاشفة قد تعيد رسم خرائط الأمن في الشرق الأوسط، وتفرض على دوله—فرادى وجماعات—إعادة التفكير في سؤال بسيط ومعقد في آن واحد: كيف نصنع الأمن دون أن ننتج التهديد؟.