هل نبحث عن الحقيقة فعلاً؟

موقع الامام الشيرازي

2026-04-04 04:55

بين الحقيقة والهوى.. ماذا نختار؟

ليس أخطر ما يواجه الإنسان أن يجهل الحقيقة، بل أن يظن أنه يمتلكها.

هنا تبدأ المأساة؛ حيث يتحول الإدراك من أداة للبحث عن الواقع الى مرآة تعكس ما نريد أن نراه.

يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "إنما بدءُ وقوع الفتن أهواءٌ تُتّبع، وأحكام تُبتدع، يُخالَفُ فيها كتابُ الله، ويتولّى عليها رجالٌ رجالاً، على غير دين الله" (نهج البلاغة: الخطبة 50)؛ وهي كلمات سامقة لا تُقرأ اليوم بوصفها حكمة أخلاقية فحسب، بل هي تشخيص مبكر لخلل عميق في بنية التفكير الإنساني يظهر حين يتقدّم الهوى على الحقيقة، ويتراجع العقل إلى موقع التبرير.

في علم النفس الحديث، يُعْرَف هذا الخلل بـ"الانحياز المعرفي"، وهو ليس خطأ عابراً، بل نمط تفكير متجذر، يجعل الإنسان يميل، من حيث لا يشعر، إلى تصديق ما يوافق قناعاته، ورفض ما يناقضها. لقد بيّن العالِمان العالِمين "دانيال كانيمان" و"عاموس تفيرسكي" أن العقل البشري لا يعمل دائماً وفق منطق صارم، بل يلجأ إلى اختصارات ذهنية تُسَهِّل عليه الفهم، لكنها، في المقابل، تشوّه إدراكه للواقع.

غير أن المشكلة لا تكمن في وجود هذه الانحيازات بحد ذاتها، بل في جهلنا بها، أو إنكارنا لتأثيرها. فالإنسان لا ينحاز لأنه لا يعرف الحقيقة فقط، بل لأنه -في كثير من الأحيان- لا يريد أن يعرفها إن كانت ستكلّفه مراجعة ذاته، أو تهدّد انتماءه، أو تربك صورته عن العالم.

وهنا تتجلى المفارقة الخطيرة؛ وهي الانحياز المعرفي لا يمنع الإنسان من رؤية الحقيقة فحسب، بل يمنحه شعوراً زائفاً باليقين، فيدافع عن الخطأ بثقة، ويخاصم الحقيقة بطمأنينة.

في هذا السياق، لا يعود الانقسام في المجتمعات مجرد اختلاف في الآراء، بل اختلاف في "الوقائع" نفسها. فكل طرف يرى العالم من خلال عدسة تصفي المعلومات، وتعيد ترتيبها، وتضخم ما يؤيد موقفه، وتهمِّش ما سواه. ومع تصاعد دور الإعلام الموجه، لم تعد الأخبار تصاغ لنقل الحقيقة، بل لتعزيز هذه الانحيازات، حتى غدا المتلقي أسيراً لما يؤكد قناعاته، لا باحثاً عما يصحّحها.

من هنا، يصبح الانحياز المعرفي أحد أخطر معوّقات التفاهم الإنساني، لأنه لا يخلق اختلافاً في الرأي فقط، بل يقوض إمكانية الحوار أصلاً. إذ كيف يمكن أن يتحاور طرفان، إذا كان كل منهما يرى واقعاً مختلفاً؟

وربما لهذا جاء توجيه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "لا تنظر إلى مَنْ قال، وانظر إلى ما قال" (نهج البلاغة)؛ بوصفه قاعدة معرفية قبل أن يكون موعظة أخلاقية. كلام أمير المؤمنين هنا هو في الحقيقة دعوة لتحرير العقل من سطوة الهوية، ومن ضغط الجماعة، ومن غواية/هوس/غوغائية الانتماء؛ أي تحرير العقل من كل ما يمكن أن يحوِّل الحقيقة إلى مسألة ولاء، لا مسألة برهان.

بالتالي؛ فإن الوعي بالانحياز المعرفي لا يعني التخلّص منه كلياً -فذلك أقرب إلى المستحيل- لكنه يفتح الباب أمام مقاومته عبر التحقق من المصادر، والاستماع إلى الآراء المخالفة، ومساءلة المسلّمات، والتمييز بين ما نعتقده وما نعرفه.

في النهاية، ليست المعركة بين الصواب والخطأ فحسب، بل بين هوى (وهم) يطمئننا، وحقيقة (عقل) تقلقنا. فمَن ينتصر لهواه، قد يكسب راحته، لكنه يخسر بصيرته واحترامه لعقله ونفسه؛ أما مَن يواجه.

...................................

(*) السعي وراء الحقيقة لا ينحصر في أروقة السياسة والدين والثقافة، بل هو ضرورة وجودية تبدأ من صدقنا في تقييم ذواتنا ومعتقداتنا؛ فبدون هذا التجرد، لا يستقيم ميزان التعامل اليومي سواء في حزم المدير مع موظفيه، أو في احتواء الأم لأسرتها، أو في مروءة الجار مع جيرانه. بكلمة أخرى؛ حاجتنا إلى الحقيقة بمثابة بوصلة يومية نحتاجها في نقد أفكارنا وفهم أعماقنا؛ فهي الأساس الذي يبني علاقات سوية ومستقرة، من طاولة الاجتماعات في العمل إلى دفء الترابط الأسري وحقوق الجوار.

ذات صلة

الدين العام العراقي.. أداة تمويل أم عبء مؤجل على الأجيال القادمة؟الدور الانساني للعراق وسط نيران الحربالإلتزام بالدستور مسؤوليةأمنٌ يتشكل تحت النارانتقادات حضارية في الفكر العربي والإسلامي المعاصر للفلسفة الغربية