البرلمان العراقي: انشغال خارجي وتقصير داخلي
مصطفى ملا هذال
2026-03-25 04:01
في وقت يمر فيه العراق بمرحلة حساسة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، يبرز سؤال جوهري يتعلق بدور مجلس النواب العراقي: هل يمارس البرلمان دوره الحقيقي في التشريع والرقابة، أم أن الاهتمام المفرط بالأحداث الدولية بات يزاحم القضايا الداخلية التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر؟
المرحلة الحالية ربما من أكثر المراحل حاجة الى قيام السلطة التشريعية بدورها الحقيقي الذي جاءت من اجله، اذ تتطلب قدرا كبيرا من الجدية والمسؤولية، لا سيما في ظل تراكم الكثير من القوانين وترحيل بعضها من الدورات السابقة، ولا يزال الشارع بحاجة اليها لتنظيم الحياة العامة وتحسين حالة المواطنين.
البرلمان في أي نظام ديمقراطي يمثل السلطة التي يقع على عاتقها سن القوانين التي تنظم حياة المجتمع وتدفع عجلة التنمية، غير أن الواقع العراقي يكشف عن فجوة واضحة بين حجم التحديات التي يواجهها البلد وبين مستوى الإنجاز التشريعي المطلوب.
سن تشريعات جديدة او النظر بالتشريعات السابقة ومحاولة تعديلها، أصبحت ضرورة تنموية ملحة، فعلى سبيل المثال، لا يزال العراق بحاجة إلى قوانين أكثر تطورا لتنظيم الاستثمار وتشجيع القطاع الخاص، في ظل اعتماد الاقتصاد العراقي بشكل شبه كامل على الإيرادات النفطية، كما أن إصلاح النظام الإداري يتطلب تعديلات تشريعية واسعة تعالج الترهل الوظيفي وتعزز الكفاءة في مؤسسات الدولة.
إلى جانب ما تقدم تبرز الحاجة إلى تشريعات تتعلق بالخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والبنية التحتية والنقل، وهي ملفات يعاني منها المواطن العراقي يوميا، مما يتطلب نقاشا عميقا وتشريعات مدروسة، لكن الواقع يشير إلى أن الاهتمام البرلماني لا يوازي حجم هذه التحديات.
ومن يتابع الشأن السياسي العراقي يلاحظ أن جزءا كبيرا من الخطاب البرلماني والسياسي بات منصرفا إلى متابعة الأزمات الدولية والتفاعل معها سياسيا وإعلاميا، وهذا لا يمنع فهم التحولات الدولية وتأثيراتها على المنطقة، إلا أن تحويل هذه الملفات إلى محور أساسي للنقاش البرلماني قد يساهم في إبعاد الأنظار عن الأولويات الداخلية التي تحتاج إلى معالجة عاجلة.
من المسلمات ان العراق ليس بمعزل عن محيطه الإقليمي والدولي، لكن البرلمان العراقي ليس مؤسسة معنية بإدارة السياسة الخارجية بقدر ما هو مسؤول عن بناء الإطار التشريعي الذي يحمي الدولة والمجتمع ويضمن استقرار المؤسسات، لذلك فإن المبالغة في الانشغال بالأحداث الدولية قد تتحول إلى نوع من تشتيت الجهود عن المهام الأساسية التي ينتظرها المواطن.
كما أن تأخير التشريعات ينعكس سلبا على عمل الحكومة نفسها، فالكثير من الخطط الحكومية تحتاج إلى غطاء قانوني واضح لكي يتم تنفيذها بشكل فعال، وعندما تتأخر القوانين، فإن ذلك يؤدي إلى بطء في تنفيذ المشاريع أو تعطيلها بالكامل، الأمر الذي يفاقم من مشكلات الخدمات والاقتصاد.
ولا يمكن إغفال جانب الرقابة البرلمانية، التي تعد أحد أهم أدوار مجلس النواب، فالمرحلة الحالية تتطلب رقابة حقيقية على أداء المؤسسات الحكومية، خاصة في ملفات الإنفاق العام ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات، لكن الرقابة الفاعلة لا يمكن أن تتحقق دون عمل تشريعي منظم يحدد آليات المساءلة ويعزز الشفافية.
ومن المهم أيضا أن يدرك أعضاء البرلمان أن الرأي العام العراقي أصبح أكثر وعيا ومتابعة للأداء السياسي، المواطن اليوم أصبح يقيس نجاح المؤسسة التشريعية بمدى قدرتها على تقديم حلول واقعية لمشكلاته اليومية، وليس فقط عبر الخطابات السياسية أو المواقف الإعلامية.
وفي نهاية المطاف، يبقى نجاح البرلمان العراقي مرهونا بقدرته على الانتقال من دائرة الجدل السياسي إلى دائرة الإنجاز التشريعي، في ظل استمرار الحاجة الى قوانين إصلاحية ورقابة فعالة، ورؤية تشريعية واضحة تعالج المشكلات المتراكمة منذ سنوات.