على هامش التفوق التكنولوجي والاستخباري: من سباق الصواريخ التقليدي إلى سباق المعرفة

محمد عبد الجبار الشبوط

2026-03-23 01:58

لم يعد ميزان القوة في العالم المعاصر يُقاس بعدد الصواريخ ولا بمدى الدمار الذي يمكن أن تُحدثه الجيوش، بل أصبح يُقاس بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة وتوظيفها وتحويلها إلى تفوق تكنولوجي واستخباري يسبق السلاح ويحدد فعاليته وحدوده. فالصاروخ لم يعد هو مركز القوة، بل العقل الذي يصممه، والنظام الذي يوجهه، والخوارزمية التي تقرر متى وأين وكيف يُستخدم.

تكشف الحروب الحديثة، وفي مقدمتها المواجهات المركبة في الشرق الأوسط، عن حقيقة صادمة مفادها أن التفوق الحاسم لم يعد في امتلاك أدوات القتال، بل في امتلاك “نظام المعرفة” الذي يدير هذه الأدوات. فالدول التي تمتلك الأقمار الصناعية المتقدمة، وأنظمة الاستشعار، وتحليل البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، تستطيع أن ترى قبل أن يُرى، وتضرب قبل أن تُضرب، وتُحبط الهجوم قبل أن يبدأ، حتى لو كان الطرف الآخر يمتلك ترسانة صاروخية كبيرة.

لقد دخل العالم فعلياً في مرحلة ما بعد “سباق التسلح التقليدي”، دون أن تدرك كثير من الدول ذلك، فاستمرت في الاستثمار في الصواريخ والطائرات والدبابات، بينما كان الخصم ينتقل بهدوء إلى مستوى آخر من الصراع، مستوى تتحول فيه الحرب إلى منظومة معلومات، ويصبح فيه التفوق في الخوارزميات يعادل التفوق في الجيوش، بل يتفوق عليه.

إن الاستمرار في سباق الصواريخ التقليدي في ظل هذا التحول لا يعني سوى شيء واحد: استنزاف الموارد في معركة لم تعد تُحسم بهذا النوع من الأدوات. فالصاروخ الذي لا يمتلك منظومة توجيه ذكية، ولا شبكة معلومات دقيقة، ولا غطاءً استخبارياً متقدماً، يتحول إلى أداة مكلفة محدودة التأثير، بل قد يصبح عبئاً استراتيجياً بدلاً من أن يكون مصدر قوة.

من هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم نملك من الصواريخ؟ بل: كم نملك من المعرفة التي تجعل هذه الصواريخ ذات معنى؟

وهذا التحول في السؤال يفتح الباب أمام تحول أعمق في التفكير الاستراتيجي للدول، إذ لم يعد ممكناً بناء قوة مستدامة دون الاستثمار المنهجي في العلم، والتعليم، والبحث العلمي، والصناعات التكنولوجية، والبنية الرقمية، وكل ما يشكل ما يمكن تسميته بـ”القاعدة المعرفية للقوة”.

إن الدول التي أدركت هذا التحول لم تتخلَّ عن السلاح، لكنها أعادت تعريفه، فانتقلت من السلاح بوصفه “معدناً” إلى السلاح بوصفه “نظاماً معرفياً”، ومن القوة بوصفها “كمية” إلى القوة بوصفها “نوعية”، ومن الردع بوصفه “تهديداً” إلى الردع بوصفه “تفوقاً غير مرئي” يعمل في الخلفية ويمنع الحرب قبل وقوعها.

في المقابل، ما تزال دول كثيرة في منطقتنا أسيرة نموذج قديم للقوة، نموذج يقوم على التراكم الكمي للسلاح دون إدراك أن هذا التراكم لم يعد كافياً، وأن التفوق الحقيقي انتقل إلى مستوى آخر لا يُرى بالعين المجردة، بل يُقاس بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة وتوظيفها.

إن الانتقال من سباق الصواريخ إلى سباق المعرفة ليس خياراً فكرياً ولا ترفاً نظرياً، بل هو شرط بقاء في عالم يتغير بسرعة، فالدولة التي لا تدخل هذا السباق ستجد نفسها، عاجلاً أو آجلاً، خارج معادلة القوة، مهما امتلكت من ترسانات تقليدية.

وهنا تلتقي هذه الرؤية مع الفلسفة الحضارية التي تجعل من “العلم” أحد عناصر المركب الحضاري الأساسية، لأن العلم ليس مجرد قطاع من قطاعات الدولة، بل هو البنية التي تقوم عليها بقية القطاعات، وهو الأداة التي تحول الإنسان إلى منتج، والزمن إلى فرصة، والعمل إلى قيمة مضافة.

إن القرار الجريء الذي تحتاجه دول المنطقة اليوم ليس إطلاق مزيد من الصواريخ، بل إطلاق مشروع معرفي شامل يعيد بناء القوة من جذورها، مشروع يبدأ من المدرسة ولا ينتهي في المختبر، ويمر بالجامعة والصناعة والاقتصاد، ويحوّل الدولة من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج لها.

ففي عالم اليوم، لا تُربح الحروب في ساحات القتال فقط، بل تُربح أولاً في العقول التي تُخطط لها، وفي المختبرات التي تُصمم أدواتها، وفي الخوارزميات التي تُدير إيقاعها.

ومن لا يشارك في سباق المعرفة، سيبقى، مهما امتلك من سلاح، يقاتل في معركة الماضي بينما تُحسم معارك المستقبل في مكان آخر.

ذات صلة

الكتابة وبناء العقل الموسوعيالإمام الشيرازي.. خمسة وعشرون عاماً على الرحيلفلسفة السلم والسلام عند المجدد الشيرازيالفشل الحكومي المستديم في ادارة الازمات الماليةطهارة اللسان في بناء الشخصية المؤمنة