هل يجوز تحريك الشكوى الجزائية ضد القوات الأجنبية
التي اعتدت على القوات العراقية والمدنيين العراقيين
القاضي سالم روضان الموسوي
2026-03-11 05:01
طالعتنا الاخبار بخبر يتعلق بنشاط السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى والذي تضمن ما دار بينه وبين وزير الخارجية، وجاء في الخبر (بحث الاجراءات القضائية والقانونية بحق مرتكبي الجرائم الارهابية المتمثلة بالاعتداء على البعثات الدبلوماسية والمؤسسات والمواطنين في العراق)، وهذا الخبر يبعث على الاطمئنان لدى المواطن بان القضاء ليس ببعيد عن همومه وما يعانيه، وهو خبر يثلج الصدر لأنه سوف يؤدي الى محاكمة من يرتكب الأفعال التي جرمها القانون.
ومطلق التوصيف الوارد في الخبر، يتيح لنا ان نطرح السؤال الاتي (هل يجوز تحريك الشكوى الجزائية ضد القوات الأجنبية التي اعتدت على القوات العراقية والمدنيين العراقيين)، حيث نسمع ونرى بشكل يومي حوادث اعتداء على منتسبي القوات الأمنية وكان النصيب الأكبر لمنتسبي قوات الحشد الشعبي، وهي قوات رسمية خاضعة لقيادة القائد العام للقوات المسلحة وليس تشكيلات او عصابات غير منظمة وفق القانون، وعلى وفق احكام المادة (1/اولاً) من قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016 التي جاء فيها (تكون هيأة الحشد الشعبي المعاد تشكيلها بموجب الامر الديواني المرقم (٩١) في ٢٤-١٢-٢٠١٦ تشكيلاً يتمتع بالشخصية المعنوية ويعد جزء من القوات المسلحة العراقية ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة)، حيث ارتقى العديد منهم شهداء، والمشهد يكاد يتكرر بشكل يومي، منذ اندلاع الحرب بين الجارة ايران والقوة الغاشمة الامريكية والصهيونية، بل حتى قبل ذلك التاريخ، وتعلن الإدارة الامريكية والكيان الصهيوني عن مسؤوليتها بشكل علني وواضح وعبر مواقعهم الإلكترونية وبإعلانات رسمية.
وهذه الجرائم قد تمت في الأراضي العراقي، والمجنى عليهم من العراقيين، وهذا يعني ان تلك الأفعال تخضع للقانون العراقي على وفق احكام المادة (6 و9) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، مع التنويه الى ان تلك القوات المعتدية لا تخضع لاي اتفاقية تمنحهم الحصانة، وعلى وجه الخصوص الكيان الصهيوني، مع التنويه الى ان اتفاقية الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2008 منحت القضاء العراقي الولاية القضائية على افراد القوات الامريكية اذا ما ارتكبوا احدى الجرائم المعاقب عليها بموجب القانون العراقي خارج منشئات تلك القوات، ويقصد بها القواعد العسكرية، وعلى وفق احكام المادة (الثانية عشر /1) من الاتفاقية، كذلك لا يجوز اجراء أي عمل عسكري الا بالاتفاق مع الحكومة العراقية وعلى وفق احكام المادة (رابعاً/2) من الاتفاقية.
وبما ان جميع الأفعال الجريمة قد حدثت خارج تلك القواعد وعلى الأرض العراقية وفي مقرات القوات العراقية، فان هؤلاء لا يتمتعون باي حصانة قضائية، ويخضعون لولاية القضاء العراقي، لذلك فان الأفعال التي أدت الى قتل عدد من افراد القوات العرقية بما فيهم منتسبي الحشد الشعبي والمواطنين وممتلكاتهم من جراء ذلك يجب ان تخضع للولاية القضائية العراقية.
كما لابد من التنويه الى ان العراق ليس في حالة حرب مع أي طرف من اطراف النزاع بين الجارة ايران والقوات الامريكية والصهيونية، حتى يدفع بان تلك الأفعال تخضع لقواعد واتفاقيات الحروب بين الدول المتحاربة، وانما تعد أفعال عدوانية تشكل جرائم قتل واتلاف ممتلكات عامة وخاصة.
وهذه لا حاجة لتحريكها من المجني عليه او من ذويه وانما يلزم الادعاء العام وكل من لحق علمه بوقوع هذه الجرائم بطلب تحريك الشكوى امام القضاء وأسماء المتسبب والامر بتلك الأفعال معلومة من خلال البيانات التي صدرت عن تلك الدول المعتدية بما فيهم رؤساء حكومات تلك الدول ومنهم الرئيس الأمريكي ورئيس وزراء الكيان الصهيوني.
ونامل ان يبادر القضاء العراقي الى تفعيل تحريك الشكوى تطبيقاً لما صدر عن الاجتماع الذي تم بين السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى ووزير الخارجية بضرورة اتخاذ الاجراءات القضائية والقانونية بحق مرتكبي الجرائم الارهابية المتمثلة بالاعتداء على البعثات الدبلوماسية والمؤسسات والمواطنين في العراق، وكان لقضائنا شاهد نعتز به عندما اصدر امر القبض بحق رئيس الولايات المتحدة في حادثة استشهاد الشهيد أبو مهدي المهندس وقاسم سليماني، وما زالت الاعين ترنو الى القضاء لإصدار الحكم النهائي بمحاكمة المتهمين بهذا الفعل ومنهم الرئيس الأمريكي وادانتهم انصافا للضحايا وتجسيدا وتعزيزا للسيادة العراقية التي يعد القضاء من اهم أوجه السيادة.
وفي خاتمة القول فان الجواز القانوني متاح لترحيك الشكوى بل يكون واجبا وملزما على وفق احكام المادة (48) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل التي جاء فيها (كل مكلف بخدمة عامة علم اثناء تأدية عمله او بسبب تأديته بوقوع جريمة او اشبته في وقوع جريمة تحرك الدعوى فيها بلا شكوى وكل من قدم مساعدة بحكم مهنته الطبية في حالة يشتبه معها بوقوع جريمة وكل شخص كان حاضرا ارتكاب جناية عليهم ان يخبروا فورا احدا ممن ذكروا في المادة ٤٧.).
كذلك يكون الاختصاص القضائي منعقد للقضاء المدني العراقي لان المعتدي ليس من منتسبي القوات المسلحة العراقية حتى وان كان المجنى عليهم من منتسبي القوات المسلحة، كما يتوفر فيها جانب مدني وهو خرق السيادة والأجواء العراقية وممتلكات خاصة بالمواطنين، فضلا عن اختصاص القضاء العسكري بالعسكريين الذين يخضعون لقانون العقوبات العسكري وكذلك اسرى الحرب وعلى وفق احكام المادة (1) من قانون أصول المحاكمات العسكري رقم 22 لسنة 2016، وهؤلاء المعتدين ليسوا من منتسبي القوات المسلحة العراقية ولا من اسرى الحرب، وهم أيضا لا يعدون من العسكريين في بلدانهم وانما عناصر مدنية بموجب دستور الولايات المتحدة والنظام القانوني للكيان الصهيوني.