الحربُ والسلامُ بينَ ضفّتي مضيقِ هرمز

د. مظهر محمد صالح

2026-03-10 03:07

(تأمل في النفط والحرب من تولستوي إلى زمننا) حين قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل ساعات إن إنتاج النفط المرتبط بمضيق هرمز قد يتوقف بالكامل، لم يكن ذلك مجرد تصريح في سياق أزمة عابرة، بل كان أشبه بإشارة ثقيلة على رقعة الشطرنج الدولية. فالكلمات التي تُقال عند بوابات الطاقة العالمية ليست كلمات عابرة، بل إشارات إلى تحولات قد تعيد رسم خرائط الاقتصاد والسياسة معاً. 

وعند هذه النقطة تحديداً، يقفز إلى الذهن صوتٌ بعيد من القرن التاسع عشر، صوت الروائي الروسي الكبير ليو تولستوي في روايته الخالدة الحرب والسلام. فقد كتب تلك الرواية وهو يتأمل مأساة الحرب التي اندلعت عندما قاد نابليون بونابرت جيشه لغزو روسيا في العام 1812 في ما يعرف بـ الغزو الفرنسي لروسيا. لم يكن تولستوي يكتب رواية عن معركة فحسب، بل كان يكتب عن معنى التاريخ نفسه. كان يريد أن يقول إن التاريخ لا تصنعه إرادة القادة وحدهم، بل تصنعه حركة الشعوب، وتوازن القوى، وتقلبات الاقتصاد، وأحياناً حتى المصادفات الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد. 

وهنا تكمن المفارقة الكبرى بين رواية كُتبت في القرن التاسع عشر وبين واقع الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين. فالمنطقة التي تمتد من الخليج إلى المتوسط ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي واحدة من أهم أحزمة الطاقة في العالم. 

وفي قلب هذا الحزام يقف مضيق هرمز، ذلك الممر البحري الضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية. ومن الطبيعي أن يصبح هذا المضيق، كما كانت سهول روسيا في زمن نابليون، مسرحاً لصراع الإرادات الكبرى. غير أن ما أدركه تولستوي قبل أكثر من قرن ونصف هو أن الحروب لا تخضع دائماً لمنطق العقل، بل إنها كثيراً ما تتحول إلى ظاهرة عبثية، فوضوية، تتجاوز قدرة القادة على التحكم بها. القادة يخططون، لكن الواقع يسير في مسارات أخرى تصنعها الجغرافيا والاقتصاد والمجتمعات. 

وهذا ما يجعل التوترات الراهنة في الشرق الأوسط أشبه بسلسلة تفاعلات معقدة، تتداخل فيها مصالح قوى متعددة: قوى إقليمية وقوى دولية. وكل طرف يرى في الطاقة طريقاً إلى النفوذ، وفي الجغرافيا أداةً لإعادة ترتيب ميزان القوة. لكن وسط هذه الخرائط الكبيرة يقف أي بلد مثل بلادنا أمام مفارقة لا تخلو من القسوة، ففي منتصف المائدة العراقية وُضع رغيف ضخم من الذهب الأسود. كلما ارتفع سعر النفط بدا هذا الرغيف أكبر وأكثر لمعاناً. 

غير أن الرغيف مهما كان كبيراً، لا يكفي وحده لإطعام أمة. فالاقتصاد الذي يعتمد على طبق واحد يشبه المائدة الفقيرة التي تنتظرها الأيدي الكثيرة. وإذا تعطل الفرن الذي يخبز هذا الرغيف، أو إذا تعطلت الطرق التي تنقله عبر البحار والأنابيب، يصبح العوز أكثر قسوة مما كان عليه من قبل. لهذا، فإن النفط رغم أهميته ليس أكثر من عنصر واحد في مائدة الوطن. 

فالمائدة الحقيقية لبلادنا تمتد من حقول القمح في الشمال إلى بساتين النخيل في الجنوب، ومن سهول الزراعة في الوسط إلى موارد الماء والعمل والعلم التي تصنع اقتصاداً متوازناً في البلاد كلها. وعند هذه النقطة يعود صوت تولستوي من جديد، ليذكرنا بأن المجد العسكري ليس هو المعنى الحقيقي للحياة. فالحروب، مهما بدت عظيمة في كتب التاريخ، تترك خلفها دائماً سؤالاً إنسانياً بسيطاً: كيف يمكن للناس أن يعيشوا بسلام؟ 

إن الدرس الذي يربط بين تأملات تولستوي في القرن التاسع عشر وبين أزمات الطاقة في القرن الحادي والعشرين هو أن العالم لا يستطيع أن يعيش طويلاً تحت منطق الصراع الدائم. فالحرب قد تغيّر خرائط النفوذ، لكنها لا تبني استقراراً مستداماً. 

ولهذا فإن المستقبل الحقيقي للمنطقة لا يكمن في سباق التسلح أو في صراعات الممرات البحرية، بل في ما يمكن تسميته بالاقتصاد السياسي للسلام، أي تحويل الطاقة من سببٍ للصراع إلى أساسٍ للتعاون والتنمية على أطراف ممرات هرمز والخليج. وعندها فقط يمكن أن يتحول النفط من وقود للحروب إلى طاقة للحياة.

ذات صلة

في محراب الكوفة: معرفة الله من البداية حتى النهايةالبعد الأخلاقي والرسالي لموقف أمير المؤمنين عليه السلام عند الاستشهادهل من معتبر؟هل من معتبر؟الحرب الثانية على إيران وحدود القوةالعدوان على إيران وتأثيراته الكارثية على العراق