لافروف والسباقُ النوويُّ بالشرقِ الأوسط
مازن صاحب
2026-03-05 04:21
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، جاء تحذير وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من احتمال انزلاق الشرق الأوسط إلى سباق نووي جديد إذا ما وصلت قيادة إيرانية جديدة إلى السلطة... توافق على امتلاك القنبلة النووية!! لم يكن التصريح عابراً، ولا يمكن قراءته باعتباره جملة دبلوماسية تقليدية في مؤتمر صحفي. إنه أقرب إلى إشارة إنذار مبكر بشأن مرحلة قد تعيد تشكيل معادلة الأمن الإقليمي برمتها.
تعيش المنطقة بالفعل حالة ردع غير مستقر... المواجهة بين إيران وإسرائيل لم تعد تدار فقط عبر الحروب بالوكالة، بل أخذت شكلاً مباشراً ومتدرجاً، فيما تتزايد الضغوط الغربية على البرنامج النووي الإيراني، وتتسارع التحولات داخل هرم السلطة في طهران.
في مثل هذا السياق، يصبح السؤال النووي أكثر من مجرد ملف تقني، بل خياراً استراتيجياً يتعلق ببقاء النظام وتوازن القوى. يفتح تحذير لافروف باباً لتحليل أعمق: هل يمكن أن تدفع مرحلة ما بعد السيد الخامنئي القيادة الإيرانية المقبلة إلى إعادة النظر في الموقف التقليدي المعلن بشأن تحريم إنتاج السلاح النووي؟ وإذا حدث ذلك، فهل نحن أمام تحول عقائدي أم حسابات ردع بحتة؟ تفترض المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية أن الدول، حين تشعر بتهديد وجودي، تعيد تعريف أدوات أمنها.
ما جرى خلال المواجهات الأخيرة، من استهداف واسع للبنية العسكرية الإيرانية، قد يدفع بعض دوائر القرار في طهران إلى استخلاص نتيجة مفادها أن الردع التقليدي لم يعد كافياً. في هذه الحالة، قد يغدو السلاح النووي خياراً لضمان منع تغيير النظام أو فرض تسوية بالقوة.
غير أن التحول إلى ردع نووي معلن لا يعني فقط امتلاك قنبلة، بل يعني إدخال المنطقة في معضلة أمن متصاعدة. فمجرد إعلان إيران امتلاك قدرة نووية عسكرية سيدفع قوى إقليمية كالسعودية وتركيا إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية.
وقد نكون أمام سباق تسلح متعدد الأطراف، تتآكل معه منظومة منع الانتشار التي شكلت لعقود أحد أعمدة الاستقرار الدولي. في المقابل، قد تختار طهران مساراً أقل صدامية، عبر تبني نموذج الردع الغامض، أي امتلاك قدرة كامنة دون إعلان رسمي.
هذا نموذج يمنحها ورقة ضغط استراتيجية، ويعزز قدرتها التفاوضية، دون أن يفرض عليها كلفة سياسية فورية بحجم الإعلان الصريح. غير أن الغموض ذاته يخلق توتراً دائماً، ويزيد احتمالات سوء التقدير، خصوصاً في ظل غياب قنوات ثقة متبادلة مع إسرائيل.
أما السيناريو الأخطر، فيتمثل في ضربة استباقية واسعة تقودها إسرائيل بدعم أمريكي مباشر أو غير مباشر لمنع تحول إيران إلى دولة نووية. مثل هذا الخيار، إن حدث، لن يبقى محدوداً، بل قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية شاملة، تتداخل فيها الجبهات من الخليج إلى شرق المتوسط، وتتعرض فيها أسواق الطاقة العالمية لهزات عنيفة.
في خضم هذه الاحتمالات، يبرز السؤال الأمريكي. هل تستطيع الحشود العسكرية المنتشرة في المنطقة تغيير النظام الإيراني أو احتواء مسار نووي متسارع؟ وهل تملك واشنطن استراتيجية واضحة تتجاوز سياسة إدارة الأزمة إلى بناء استقرار طويل الأمد؟
التجارب السابقة تشير إلى أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لفرض تحولات سياسية داخلية في دول ذات بنية أيديولوجية صلبة. أما روسيا، فإن تحذير لافروف قد يعكس أكثر من قراءة تحليلية. قد يكون رسالة ضغط إلى واشنطن، أو تحذيراً لدول الخليج، أو تموضعاً استباقياً يهدف إلى تقديم موسكو وسيطاً محتملاً في مرحلة انتقالية.
في كل الأحوال، تدرك موسكو أن سباقاً نووياً في الشرق الأوسط سيضعف الهيمنة الأمريكية التقليدية، لكنه في الوقت ذاته قد يفتح الباب لفوضى استراتيجية يصعب التحكم بها. يمكن أن تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها أمام خيارات معقدة.
الاحتماء الكامل بالمظلة الأمريكية، أو السعي إلى شراكات ردعية مستقلة، أو محاولة بناء تفاهمات مباشرة مع طهران. كل خيار يحمل كلفة سياسية وأمنية عالية، ويعكس حجم التحول الذي قد تفرضه لحظة نووية إيرانية معلنة. المتغير الحاسم في كل ذلك يبقى طبيعة القيادة الإيرانية المقبلة. هل ستقرأ البيئة الاستراتيجية باعتبارها فرصة لإعادة التموضع عبر امتلاك الردع النووي، أم ستختار احتواء التصعيد وتجنب الدخول في معادلة صفرية مع إسرائيل والغرب؟
القرار، إن اتخذ، لن يكون تقنياً بل وجودياً. يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مفترق طرق دقيق. إما إعادة إنتاج توازن ردع مستقر، مهما كانت هشاشته، أو الدخول في أول سباق نووي متعدد الأطراف في تاريخ المنطقة. وبين هذين المسارين، تبقى تصريحات لافروف أقرب إلى جرس إنذار سياسي، يذكر بأن لحظة انتقال القيادة في طهران قد لا تكون حدثاً داخلياً فحسب، بل نقطة تحول في بنية الأمن الإقليمي بأكمله. حتى تتضح ملامح تلك اللحظة، ستظل المنطقة تعيش على إيقاع الاحتمالات المفتوحة، حيث يتقدم منطق الردع خطوة، وتتراجع مساحات اليقين خطوة أخرى... ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!!!