تصدير الدولة
عبد الامير المجر
2026-02-19 05:17
تزدحم وسائل الاعلام، وبشكل يومي، بمئات الاعلانات التي تروج لبضائع مختلفة، وتنفق الشركات من اجل ذلك الكثير من المال، واغلب المواد المعلن عنها تكون حديثة الصنع، بغية ايصالها إلى المستهلكين، وحين تصبح بأيديهم أو يشتريها اكبر عدد منهم، يقررون فيما اذا كانت جيدة وتستحق ان تشترى مرة اخرى أو يتخلون عنها، وحينها لم تعد مجدية جميع الاعلانات عنها، جريا وراء العبارة الشهيرة (التجربة اكبر برهان)!.
الافكار والمشاريع السياسية كالبضائع تماما، تحتاج إلى من يعلن عنها في البداية، وحين تصبح متداولة أو تتجسد في نظام أو حركة سياسية، يصبح الفعل على الارض هو الاعلان الذي يعبّر عنها ويروج لها، فالناس اليوم، على سبيل المثال، لا تحتاج إلى اعلان عن سيارة مارسيدس أو تويوتا، لان الجميع يعرف قيمة هذه المنتجات لكن سيارة جديدة تطرح للسوق تحتاج إلى الاعلان عنها، وهكذا.
لقد كانت الاذاعات تتحدث عن تجارب الدول، عندما كان الوصول اليها ليس يسيرا كما هو اليوم، اما الآن فالناس صارت تعرف جميع الدول في العالم تقريبا، حيث البث الفضائي وسهولة السفر قياسا بالعقود الماضية، وان ما تراه في تلك البلدان هو صورتها الحقيقية وغير المتخيلة أو المصنّعة، أو الصورة التي تعكس طبيعة الحياة في ظل التجربة السياسية لكل بلد ومدى رضا الناس عنها هناك.
لقد سمع الناس باليابان المهزومة في الحرب العالمية الثانية، وسمعوا بالكوريتين (الشمالية والجنوبية) من خلال حربهما المدمرة مطلع خمسينات القرن الماضي، لكن صورة الحياة هناك ظلت شبه غائبة عنهم، وفي سبعينيات القرن الماضي صارت اليابان الدولة التي تهفو إلى رؤيتها الملايين، لأنها وصلتهم ليس من خلال شعارات أو مشاريع سياسية، وانما من خلال ما قدمه العقل الذي وقفت وراء تنظيمه دولة ناجحة، تجاوزت ألمها الكبير وهزيمتها العسكرية والنفسية وتداعياتها على واقع الحياة هناك، وبدأت تنهض بقوة لتستعيد مكانتها بين الدول، وهكذا انتصرت اليابان على نفسها أولا، لتجد نفسها وقد تجاوزت الهزيمة وحولتها إلى تجربة دفعت بها إلى ميدان العطاء المركّب، أي تفيد نفسها وغيرها، لان ما تقدمه من عطاء علمي يصب بالنتيجة في بحر البشرية الذي يتغذى من جميع روافده أو دوله وشعوبه، فبعد أن كانت اليابان عبئا على العالم ودولة استعمارية، احتلت الكثير من الدول مثل كوريا واندونيسيا وكذلك اراض في الصين وروسيا وغيرها، ووجدت نفسها فيما بعد في مواجهة عسكرية مدمرة مع العالم، اصبحت واحدة من اهم روافع الحضارة الانسانية اليوم.
ما نخلص اليه في هذه السطور هو القول، بأن لغة الشعارات لم تعد مجدية، والافكار صارت تتجاور في فضاء الثقافة الانسانية ولا تتصادم، وبالامكان الاطلاع عليها بسهولة، والحياة في غنى ثقافي مستمر، لكن المهم هو كيف تصنع الشعوب دولها بالإفادة من جميع الافكار الجيدة.. اصنع شيئا مفيدا للناس ستجد اسمك يطبع عليه وان لم تكتبه انت، لان الناس تعرف انه صادر منك وهو حقك، فلن ينافس الالمان احد على عائدية سيارة المارسيدس ولا الاميركان على عائدية سيارة فورد.. مثلما لا احد يستطيع ان يتجاوز حقيقة ان كوريا الجنوبية باتت دولة كبيرة، لانها حاضرة في ميدان الصناعة والبناء وبأكثر من بلد في العالم، فما حاجتها إلى الاعلان عن نفسها أو عن نظامها السياسي.. انه زمن (تصدير الدول) وليس الافكار والنماذج السياسية.. وهي الحقيقة التي علينا جميعا معرفتها.