المأزق
محمد عبد الجبار الشبوط
2026-02-14 04:41
المأزق الذي يتكرر في كل دورة سياسية عراقية عند اختيار رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ليس حادثة عابرة ولا أزمة أشخاص ولا سوء تفاهم بين كتل، بل هو نتيجة بنيوية مباشرة لنظام المحاصصة الذي تحوّل من إجراء مؤقت بعد 2003 إلى قاعدة حاكمة غير مكتوبة للنظام السياسي، إذ جرى تثبيت عرف سياسي يقضي بأن يكون منصب رئاسة الجمهورية حكراً على مكوّن قومي معين، ورئاسة مجلس الوزراء حكراً على مكوّن طائفي معين، ورئاسة مجلس النواب لمكوّن آخر، ثم تمدد المنطق نفسه إلى الوزارات والهيئات المستقلة والدرجات الخاصة، فتحوّلت الدولة من كيان سياسي-قانوني واحد إلى حصص موزعة سلفاً، وصار الصراع الحقيقي يدور داخل كل حصة لا بينها، أي داخل البيت الطائفي أو القومي أو الحزبي حول من يستحوذ على المقعد المخصص سلفاً، لا حول أي برنامج أصلح للدولة وأي قيادة أقدر على إدارة الشأن العام.
بهذا المعنى لم تعد الانتخابات البرلمانية آلية لاختيار اتجاهات الحكم أو سياساته الكبرى، بل صارت محطة لإعادة توزيع الأوزان داخل كل مكوّن، بينما تبقى المناصب العليا مقفلة ضمن سقوف هوياتية مسبقة، وهو ما أفرغ العملية الانتخابية من جوهرها الديمقراطي وحوّلها إلى سباق داخل الأقفاص لا بينها، فالمواطن، أياً كان صوته، لا يستطيع أن يؤثر فعلياً في السؤال الأخطر: من يحكم الدولة وعلى أي أساس، لأنه يصوّت في إطار قائمة أو حزب يعرف مسبقاً أن أقصى ما يمكن أن يبلغه هو التنافس داخل الحصة المخصصة لمكوّنه، لا كسر منطق الحصص نفسه، وهنا يحصل الإقصاء الهادئ للشعب من مركز القرار، إذ تبقى السيادة الاسمية له، بينما السيادة الفعلية تنتقل إلى تفاهمات النخب المتقاسمة للحصص.
هذا الوضع يفسر الانسدادات المتكررة عند تشكيل الحكومات، فحين يكون المنصب حقاً دستورياً للمؤسسة وحقاً سياسياً للأغلبية البرلمانية وفق المنطق الديمقراطي، لكنه في الواقع العملي حقاً حصرياً لمكوّن معين، ينشأ توتر دائم بين النص والواقع، وبين منطق الدولة ومنطق الجماعة، ويتحول اختيار رئيس الوزراء مثلاً إلى مسألة توازنات داخل الطائفة المعنية أكثر من كونه قراراً وطنياً يتعلق بأكفأ من يدير السلطة التنفيذية، كما يصبح منصب رئيس الجمهورية رهينة صراعات داخل الإطار القومي الخاص به، وتُستدعى الاعتبارات الهووية والحزبية قبل الكفاءة والبرنامج، فتضعف شرعية المؤسسات ويترسخ الانطباع بأن الدولة غنيمة موزعة لا مسؤولية مشتركة.
الأخطر أن هذا النظام يعيد إنتاج الانقسام اجتماعياً وثقافياً، لأنه يرسل رسالة مستمرة للمجتمع مفادها أن الانتماء الأول الذي يحدد الموقع السياسي هو الانتماء الطائفي أو القومي أو الحزبي، لا المواطنة ولا الكفاءة، وبذلك تتآكل فكرة الشعب الواحد بوصفه وحدة سياسية، لتحل محلها جماعات تتفاوض عبر ممثليها على حصص السلطة، وهو منطق أقرب إلى إدارة هدنة بين مكوّنات خائفة من بعضها، لا إلى بناء دولة حديثة تستند إلى عقد سياسي جامع.
إذا استُحضرت الديمقراطية في معناها الإجرائي كما صاغها جوزيف شومبيتر بوصفها «ترتيباً مؤسسياً لاتخاذ القرارات السياسية يكتسب فيه الأفراد سلطة القرار عبر صراع تنافسي على أصوات الشعب»، يتضح أن جوهرها هو التنافس المفتوح على القيادة أمام عموم الناخبين، من دون حصص مسبقة ولا مواقع مغلقة على أساس الهوية، بينما نظام المحاصصة يقلب المعادلة، فيجعل القيادة موزعة سلفاً ثم يترك التنافس يجري داخل الإطار المرسوم، أي أنه يحتفظ بالقشرة الانتخابية ويعطّل المضمون التنافسي الحر، فتتحول الديمقراطية من آلية اختيار إلى طقس دوري لإعادة تدوير النخب نفسها ضمن حدود الهوية.
من هنا فإن الإصلاح الجزئي أو الترقيعي لا يكفي، لأن المشكلة ليست في شخص رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، ولا في قانون انتخاب واحد أو آخر، بل في القاعدة غير المكتوبة التي تحكم توزيع السلطة، والحل يمر عبر ما يمكن تسميته «ثورة ناعمة» لا بمعنى الفوضى أو كسر الدولة، بل بمعنى تحول عميق وسلمي في الوعي السياسي وفي قواعد اللعبة، يقوم على تفكيك شرعية المحاصصة تدريجياً وإعادة تأسيس الشرعية على المواطنة والبرنامج والكفاءة.
هذه الثورة الناعمة تبدأ من إعادة تعريف المناصب العليا بوصفها مناصب دولة لا مناصب مكوّن، أي ترسيخ مبدأ أن أي عراقي تتوافر فيه الشروط الدستورية والسياسية يمكن أن يترشح لأي موقع، وأن معيار الاختيار هو القدرة على إدارة الدولة وخدمة الصالح العام، لا الانتماء الهوياتي، ويترافق ذلك مع إصلاح النظام الحزبي بحيث تنتقل الأحزاب من تمثيل جماعات مغلقة إلى التنافس على قواعد اجتماعية أوسع وبرامج وطنية عابرة للطوائف والقوميات، ومع تعزيز استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية حتى لا تبقى أسيرة التوازنات الحزبية.
كما تتطلب هذه العملية إعادة الاعتبار للبرلمان بوصفه ساحة لصراع سياسي-برنامجي حقيقي، لا مجلساً لتثبيت اتفاقات ما قبل الجلسات، وإعادة بناء الثقافة السياسية عبر الإعلام والتعليم والخطاب العام لتكريس فكرة أن الخلاف السياسي مشروع ومطلوب، لكن على أساس رؤى لإدارة الاقتصاد والخدمات والسياسة الخارجية، لا على أساس من يمثل هذه الطائفة أو تلك القومية.
بهذا المسار تستعاد السيادة الشعبية فعلياً، لأن المواطن حينها يصوّت وهو يعلم أن صوته يمكن أن يغيّر القيادة فعلاً لا شكلاً، وأن منصب رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية ليس محجوزاً سلفاً بل مفتوح للتنافس، فتعود الديمقراطية إلى معناها الإجرائي الحقيقي، وتتحول الدولة من ساحة قسمة إلى إطار جامع، ومن نظام حصص إلى نظام مؤسسات، وهو تحول جذري في الآليات لا في الوجوه، لكنه الطريق الضروري للخروج من دوامة الانسدادات وبناء نظام سياسي قابل للاستقرار والتطور.