هل يستطيع النظام السياسي في العراق الاستمرار من دون إصلاح جذري؟

محمد عبد الجبار الشبوط

2026-02-10 03:43

لا تُقاس قابلية الأنظمة السياسية على البقاء بطول عمرها الزمني، بل بقدرتها المستمرة على تجديد شرعيتها ووظيفتها وكفاءتها في إدارة المجتمع والاقتصاد. وعندما يعجز نظامٌ ما عن الإصلاح، ويتحول الفساد فيه من ظاهرة إلى بنية، ويظل اقتصاده أسير الريع، فإنه يدخل – وفق منطق التاريخ السياسي – في مسار التآكل البنيوي الذي ينتهي إما بالانهيار أو بالتحول القسري. وهذه ليست نبوءة ولا موقفاً انفعالياً، بل خلاصة خبرة تاريخية متكررة.

الحالة العراقية اليوم تُقرأ ضمن هذا الإطار العام لعلم الدول، لا بوصفها استثناءً منه. فهناك ثلاثة شروط إذا اجتمعت في أي نظام سياسي، يصبح استمراره على صورته القائمة أمراً بالغ الصعوبة.

أول هذه الشروط هو الانسداد السياسي. النظام الذي يعجز عن إنتاج تداول سلطة واضح ومستقر، أو لا يستطيع تكوين أغلبية حاكمة متماسكة، يتحول إلى منظومة لإدارة الأزمات لا لحلها. تأخر تشكيل الحكومات، تكرار نفس القوى والنخب، وتحوّل العملية السياسية إلى مساومات مفتوحة بلا أفق استراتيجي، كلها مؤشرات على نظام يستهلك وقته في البقاء لا في البناء. في هذه الحالة تتآكل الفاعلية، حتى لو استمر الشكل الدستوري قائماً.

الشرط الثاني هو الفساد البنيوي. تقارير مؤسسات دولية مثل البنك الدولي ومنظمة الشفافية الدولية تضع العراق ضمن الدول ذات مستويات الفساد المرتفعة، لكن الأهم من التصنيف هو الأثر. حين تتحول الوظيفة العامة إلى ريع، والمشاريع إلى قنوات تسريب، والعقود إلى شبكات محاصصة، تفقد الدولة قدرتها التنفيذية، أي قدرتها على تحويل القرار إلى إنجاز. هنا تبقى الدولة اسماً ومؤسساتٍ شكلية، لكنها تفقد مضمونها الوظيفي، وهو أخطر أنواع التآكل.

أما الشرط الثالث فهو الاقتصاد الريعي غير المنتج. اعتماد الدولة على النفط كمصدر شبه وحيد للإيرادات يجعلها رهينة لتقلبات الأسعار، ويجعل الاستقرار المالي مرتبطاً بعامل خارجي. في مثل هذه البنى، لا تتكون قاعدة إنتاج حقيقية، ولا قطاع خاص مولِّد للوظائف، فتتراكم بطالة الشباب ويزداد الاعتماد على التوظيف الحكومي. الدول الريعية قد تبدو مستقرة لسنوات، لكنها حين تتعرض لصدمة مالية، يظهر ضعفها دفعة واحدة، لأن شبكة الأمان كانت قائمة على التوزيع لا على الإنتاج.

عندما تجتمع هذه العناصر الثلاثة، تتكوّن معادلة ضغط مركبة: ضغط اجتماعي ناتج عن البطالة وضعف الخدمات، وضغط سياسي سببه انسداد النظام، وضغط اقتصادي مصدره هشاشة الموارد. التاريخ يبيّن أن تزامن هذه الضغوط يقود غالباً إلى أحد ثلاثة مسارات: انهيار فوضوي، تدخلات خارجية عميقة، أو تحول قسري في بنية النظام.

الأمثلة العالمية كثيرة؛ فقد انهار الاتحاد السوفيتي لا بسبب الفقر وحده، بل بسبب عجز نظامه عن الإصلاح البنيوي، وتآكل شرعيته الاقتصادية والسياسية. وفي دول أخرى من أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، لم يكن السقوط نتيجة حدث مفاجئ، بل نتيجة تراكم طويل من الشلل والفساد وفقدان الثقة.

المؤشرات داخل العراق نفسها تعكس هذا الإجهاد البنيوي: احتجاجات اجتماعية واسعة في السنوات الماضية، تراجع الثقة بالمؤسسات، ضعف المشاركة الانتخابية، تصاعد الرغبة في الهجرة لدى الشباب، وتدهور الخدمات رغم الموارد النفطية. هذه ليست أحداثاً منفصلة، بل أعراض جسد سياسي يعاني من ضغط مزمن.

مع ذلك، لا يعني هذا أن الانهيار حتمي. الأنظمة لا تسقط بسبب الفساد فقط، بل حين تعجز عن تصحيح مسارها. إذا تحققت إصلاحات سياسية حقيقية تنتج حكومة أغلبية مستقرة، وتحوّل جاد من اقتصاد الريع إلى اقتصاد منتج، ومكافحة مؤسسية للفساد تتجاوز الشعارات، يمكن للمسار أن ينقلب من التآكل إلى التعافي. أما استمرار تدوير النخب، وإدارة الأزمات بدل حلها، وشراء السلم الاجتماعي بوظائف شكلية، فيعني دخول مرحلة ما يمكن تسميته “الدولة المؤجلة الانهيار”، حيث يستمر الشكل، لكن المضمون يتآكل حتى نقطة الانكسار.

الخلاصة أن بقاء النظام السياسي في العراق على صورته الحالية من دون إصلاح سياسي واقتصادي جذري، ومن دون تفكيك بنية الفساد، مسار شديد الهشاشة تاريخياً. وقد لا يكون السقوط فجائياً، بل تآكلاً تدريجياً يفضي في لحظة ما إلى تحوّل قسري. الفرق بين الانهيار وبين الانتقال إلى طور دولة أكثر رسوخاً ليس الزمن، بل قرار الإصلاح وعمقه وسرعته.

ذات صلة

مركز آدم ناقش.. التوازن ما بين مقتضيات التدخل الإنساني وسيادة الدولمنطق القطيعة ومنطق التواصلالصراع الإيراني–الأمريكي من منطق الفوضى الدولية إلى سياسات الاحتواءغبار باراك ومتاهة الإقطاع السياسيذكاء السوق: كيف يحوّل التخطيط التسويقي المعلومات إلى قوة صناعية؟ حوار مع الباحثة رغد الملاح