تشكيل الحكومة العراقية.. سباق التحالفات وصراع الارادات
محمد حسن الساعدي
2026-02-02 04:19
دائما ً ما يمر تشكيل الحكومة العراقية بمراحل معقدة تتسم بالخلافات السياسية، والتي تتسق مع الضغوط الاقتصادية، والتجاذبات بين القوى المختلفة، ما يجعل عملية التوافق على حكومة جديدة بطيئة وصعبة إذ تمر عملية تشكيل أي حكومة بعد كل انتخابات برلمانية عملية شائكة، إذ تتداخل فيها الحسابات السياسية مع التوازنات الطائفية والقومية، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والأمنية، ومع دخول العراق عام 2026، برزت تحديات جديدة جعلت من تشكيل الحكومة مسألة أكثر تعقيداً من السابق، حيث تتنافس الكتل الكبرى على النفوذ وسط أزمات مالية وسياسية خانقة.
بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، حصلت كتلة "الإعمار والتنمية" بزعامة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني على أكبر عدد من المقاعد، تلتها كتلتا "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي و"تقدم" بزعامة محمد الحلبوسي، إضافة إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني وتحالف "صادقون"، "وائتلاف إدارة الدولة “، وهذا التوزيع جعل من الصعب تشكيل أغلبية واضحة، وأدى إلى دخول البلاد في سلسلة من المفاوضات والطعون القانونية التي عطلت المسار الطبيعي لتشكيل الحكومة.
ان أحد أبرز مظاهر الأزمة هو حالة الانقسام المستمر داخل "الإطار التنسيقي"، الذي يضم قوى شيعية رئيسية، والذي تفشل الاجتماعات غالباً في التوصل إلى توافق حول المناصب القيادية في البرلمان أو حتى المواقع التنفيذية، الامر الذي يعكس عمق الخلافات حول توزيع النفوذ، وهو ما ينعكس مباشرة على مسار تشكيل الحكومات المتعاقبة، وهذه الانقسامات لا تقتصر على القوى الشيعية، بل تمتد إلى القوى السنية والكردية، حيث يسعى كل طرف إلى تعزيز موقعه في المعادلة السياسية المقبلة.
الوضع الاقتصادي القى بظلاله على المشهد السياسي، وإلى جانب التعقيدات السياسية، يواجه العراق أزمة اقتصادية خانقة، أبرزها تأخر دفع رواتب نحو 8 ملايين موظف ومتقاعد وهذه الأزمة المالية تضغط على القوى السياسية للإسراع في تشكيل حكومة قادرة على معالجة الوضع الاقتصادي، لكنها في الوقت نفسه تزيد من حدة الخلافات، إذ يسعى كل طرف إلى ضمان السيطرة على الوزارات الاقتصادية والمالية الحيوية.
بالإضافة الى التحديات الاقتصادية تبرز التحديات الأمنية والاجتماعية إذ لا يمكن فصل عملية تشكيل الحكومة عن التحديات الأمنية والاجتماعية، فتبرز الى العلن المطالب بضرورة حصر السلاح بيد الدولة، فوجود السلاح خارج إطار الدولة، إضافة إلى المطالب الشعبية بتحسين الخدمات ومكافحة الفساد، يضع الحكومة المقبلة أمام اختبار صعب، بالإضافة الى بروز المطالبات والجدل المتجدد حول تحويل محافظة البصرة إلى إقليم يعكس حجم التوترات الداخلية التي قد تؤثر على استقرار الحكومة الجديدة.
إن تطورات تشكيل الحكومة العراقية في عام 2026 تكشف عن مشهد سياسي معقد، حيث تتداخل الانقسامات الداخلية مع الأزمات الاقتصادية والأمنية. ورغم أن العملية قد تبدو بطيئة ومليئة بالعقبات، إلا أن التوافق يبقى الخيار الوحيد أمام القوى السياسية لتجنب فراغ حكومي يفاقم الأزمات. إن نجاح هذه العملية يتوقف على قدرة الأطراف المختلفة على تقديم تنازلات حقيقية، ووضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الضيقة، وهو ما سيحدد مستقبل العراق في المرحلة المقبلة.
بغض النظر عمن سيكون رئيساً للحكومة القادمة ولكن ستكون هناك عقبات مهمة وخطيرة تنتظره والتي أهمها معالجة الوضع الاقتصادي وتحسين الدينار مقابل الدولار بالإضافة الى إكمال المشاريع المتبقية من حكومة السيد السوداني، وضرورة إيجاد آلية واضحة في التعامل مع المجتمع الدولي عموماً وواشنطن خصوصاً، في ظل التحديات الخطيرة التي توجه المنطقة والتي العراق يقع في قلبها، وإبعاد العراق عن أي صراع يمكن أن يحولها الى ظلاماً دامس.