الحرية في الفكر والسلوك الإسلامي
صباح الصافي
2026-01-25 04:17
الحرية في الإسلام هي قيمة أصيلة تقوم على وعي الإنسان وإدراكه لمسؤوليته أمام الله (تعالى) وأمام الآخرين. فهي توازن بين حقِّ الفرد وحقِّ المجتمع، وتحرِّر الإنسان من الظُّلم والقهر، من دون أن تتحوَّل إلى انفلات أو فوضى. وقد جاءت الرِّسالات الإلهيَّة لتضع الإنسان في فضاء اختيار واعٍ، وتبيِّن له حدود حريته، من خلال حفظ كرامته ورعاية حقوق الآخرين، بما يجعل الحرية مرتبطة دائمًا بالمسؤوليَّة والأخلاق. وفي هذا الإطار، يظهر الإسلام بوصفه دينًا يضمن للإنسان حرية الفكر، وحرية القول، وحرية التَّصرف ضمن ضوابط تحفظ النِّظام الأمثل والأكمل، وتفتح أمامه آفاق التَّقدُّم والسَّعادة الحقيقيَّة.
المحور الأوَّل: الحرية وعي لا فوضى.
جعل الله (تعالى) الحرية مبدأً أصيلًا وغايةً سامية من غايات الرِّسالات الإلهيَّة، التي بعث بها أنبياءه ورسله (عليهم السلام) لكرامة الإنسان وسعادته، وتقوم هذه الرِّسالات على تحرير الإنسان من كلِّ أشكال القهر والاستعباد، وربطه بالله (سبحانه) وحده. ومن هذا المنطلق جاء الخطاب القرآني مؤكِّدًا وحدة البشر وأخوَّتهم، وداعيًا إلى إصلاح العلاقات بينهم على أساس التَّقوى والرَّحمة، كما في قوله (عزَّ وجلَّ): (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (1).
وفي إطار هذا التَّصور، فتح الإسلام أمام الإنسان آفاقًا واسعة للحركة والاختيار، فلم يضيِّق عليه إلَّا في حدود الواجبات التي تحفظ النَّظام، والمحرَّمات التي تصون كرامته وكرامة غيره. وما عدا ذلك، فإنَّ مساحة الحياة متروكة لإرادة الإنسان وسعيه، دون أن يحقَّ لفرد أو جهة أن تصادر حريته أو تفرض عليه قيودًا لم يأذن بها الله (تبارك وتعالى)، سواء في شؤونه الاقتصاديَّة، أو الاجتماعيَّة، أو الفكريَّة، أو في نمط معيشته واختياراته المشروعة.
وإذا ما نُظر إلى مفهوم الحرية في الإسلام نظرةً شموليَّةً، تبيَّن أنَّه نموذج متفرِّد لا نظير له، يوازن بدقَّة بين حرية الفرد وحقوق المجتمع، ويكفل للإنسان –مسلمًا كان أو غير مسلمٍ– حرية كاملة ما دامت لا تتحوَّل إلى اعتداء على الآخرين.
"لقد كفلَ الإسلام للإنسان حرية الفكر، وحرية القول، وحرية العمل، بوصفها مقوِّمات محوريَّة لكرامته الإنسانيَّة، غير أنَّه أحاط هذه الحريات بإطار يضمن عدم انحرافها إلى الإضرار بالنَّفس أو بالآخرين. فالحرية في الرُّؤية الإسلاميَّة التزامٌ واعٍ محكومٌ بالضَّوابط، يحفظ الانسجام بين حقِّ الفرد وحقِّ الجماعة.
ولذلك، فإنَّ كلَّ تصرف يفضي إلى ضرر بالغ بالنَّفس لا يكون مشروعًا، حتَّى في الأمور التي هي في أصلها مباحة؛ فالأكل أو الشُّرب إذا بلغا حدَّ الإضرار الجسيم بالصِّحة خرجا عن دائرة الجواز؛ لأنَّ الإنسان مؤتمن على نفسه، وليس حرًّا في إهلاكها. وكذلك حرية القول، فهي مقيَّدة بعدم الاعتداء اللفظي، فلا يُباح السُّباب ولا الإيذاء ولا الضَّرب؛ لأنَّ ذلك اعتداء صريح على كرامة الآخرين وحقوقهم.
ويمتد هذا المبدأ ليشمل التَّعامل مع نعم الحياة ومواردها؛ إذ لا يجيز الإسلام الاستهلاك المفرط أو الاستفادة غير المنضبطة من خيراتها، لما في ذلك من إضرار بحقوق الأجيال القادمة، ومصادرة لحقِّها في العيش الكريم. فالحرية هنا تتحوَّل إلى أمانة تاريخيَّة، لا إلى متعة آنية.
وقد لخَّص رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) هذا الميزان الدَّقيق الذي يحكم الفكر والقول والعمل بقاعدة جامعة مانعة، حين قال: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضرَارَ فِي الإسْلَامِ) (2)" (3). وهي قاعدة تؤسِّس لفهم عميق للحرية، باعتبارها حقًا لا ينفصل عن العدل، ولا يقوم إلَّا على حفظ الإنسان لنفسه ولغيره، حاضرًا ومستقبلًا.
فالإسلام، في جوهره العميق، دينُ الحرية الواعية، لا الحرية المنفلتة؛ حرية تُنقذ الإنسان من الإكراه، وتفتح له أفق الاختيار المسؤول. وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذا المبدأ بوضوح حين قال الله (سبحانه): (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) (4). فجعل وظيفة الرِّسالة الإلهيَّة التَّذكير لا القسر، والهداية لا الإكراه.
يضاف إلى ذلك، أنَّه دين الاختيار والاحترام؛ إذ يقرِّر قاعدة كبرى في التَّعامل مع الإيمان والعقيدة بقوله (تعالى): (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (5). فالإيمان في الإسلام يولد من القناعة، ويترسَّخ بالبصيرة. ومن ثمَّ فإنَّ من يكفر بالطَّاغوت ويؤمن بالله (جلَّ جلاله) إنَّما يفعل ذلك عن وعي واختيار، فيستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، في ظلِّ علم الله (تعالى) الشَّامل بكلِّ النَّوايا والمقاصد.
ومن تجليات هذه الحرية في المنظومة الإسلاميَّة، حرية اختيار مرجع التَّقليد، ما دام هذا الاختيار منضبطًا بالميزان الشَّرعي، قائمًا على خطِّ القرآن الكريم والعترة الطَّاهرة (عليهم السلام)، ومتوفِّرًا فيه شرط الأهليَّة العلميَّة والتَّربويَّة. فالإنسان المكلَّف هو مدعوّ إلى اختيار من تتجسَّد فيه صفات المرجعية الحقَّة، وليس أسير اسمٍ أو شهرة، فالرِّواية الشَّريفة الواردة عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) رسمت معالم الفقيه الجدير بالتَّقليد:
" فأمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الفُقهاء صائِنًا لِنَفْسِهِ، حافِظًا لِدِينِهِ، مُخالِفًا عَلَى هَواهُ، مُطيعًا لِأمرِ مُولاهُ، فَلِلْعوامِ أَنْ يُقَلِّدُوهُ، وَذلِكَ لا يَكُونُ إِلَّا بَعْضُ فُقهاءِ الشيعةِ لا كُلُّهُم..." (6).
وهكذا تتجلَّى الحرية في الإسلام بوصفها حقًا مقرونًا بالوعي، واختيارًا محاطًا بالمسؤوليَّة، لا يُترك فيه الإنسان فريسة للهوى أو التَّضليل، ولا يُساق فيه قسرًا، ويُهتدى فيه إلى الحقِّ عبر العقل، والنَّص، والقدوة الصَّالحة. إنَّها حرية تحمي الدِّين، وتحفظ الإنسان، وتمنحه كرامة القرار في أخطر شؤون حياته: الإيمان، والفكر، والاتباع.
ومن هذا المنطلق، فإنَّ لكلِّ إنسانٍ حقٌّ أصيل في أن يختار المرجع الذي يُقلِّده، متى ما كان هذا المرجع جامعًا للشرائط المقرَّرة في الرَّسائل العمليَّة، في باب التَّقليد، وفق الضَّوابط الشَّرعيَّة المعتبرة. ولا يملك أحدٌ شرعًا أو أخلاقًا أن يُندِّد بهذا الاختيار، أو أن يُشكِّك في صحَّته، أو أن يطعن في مشروعيته، ما دام منضبطًا بتلك المعايير الواضحة. كما لا يحق لأيِّ جهةٍ أو شخصٍ أن يُمارس الوصاية على عقول النَّاس، أو أن يفرض رأيه بالقهر والتَّخويف، متذرِّعًا باسم دين الله (تبارك وتعالى).
إنَّ ما يُسمّى بالإرهاب الفكري، والاستبداد المغلَّف بشعارات دينيَّة، يُعدّ من أخطر ما يُهدِّد صفاء الفكر، ونضج الوعي، وسلامة التديُّن نفسه؛ لأنَّه لا يُنتج إيمانًا واعيًا، ولا يُنشئ إنسانًا حرًّا مسؤولًا، ويُكرِّس الخوف، ويُجمِّد العقل، ويشوِّه صورة الإسلام في جوهره ورسالته. وقد دلَّت الشَّواهد الكثيرة، قديمًا وحديثًا، على أنَّ هذا اللون من القمع لا يخدم الدِّين، ويسيء إليه، ولا يحفظ العقيدة، ويُضعفها.
فالإسلام الذي جاء ليبني الإنسان، ويحرِّر وعيه، ويقوده إلى السَّعادة، والسَّلام، والعدالة، والحرية، لا يمكن أن ينسجم مع فكر الإقصاء، ولا مع منطق التَّخوين، ولا مع مصادرة حقِّ الاختيار المشروع. بل إنَّ صيانة هذا الحق، واحترام تنوُّع الآراء في إطاره الشَّرعي، هو أحد مظاهر قوَّة الإسلام وحيويَّته، ودليل على أنَّه دينٌ يخاطب العقول، ويُقيم الحُجَّة، ولا يُراهن على القهر والإكراه.
ومن هنا، يقع على عاتق كلِّ واحدٍ منَّا واجب احترام آراء الآخرين، ما دامت منسجمة مع حدود القانون الإلهي؛ لأنَّ الأصل في الاختلاف هو أن يكون مجالًا للتكامل لا للتصادم. والمطلوب هو التَّنافس البنَّاء لا التَّنافر المدمِّر؛ ذلك التنافس الذي يكشف الحسن والأحسن، ويوقظ الطَّاقات الكامنة، ويبعث روح الحيويَّة في النُّفوس، ويُعدُّ عاملًا جوهريًّا في البناء والتَّقدُّم.
أمَّا مصادرة الحريَّات وكبت الآراء، فليست سوى بوَّابة للجمود، ومنبعٍ للظلم، وأداةٍ لإنتاج القهر والاضطهاد، حيث يُشلّ العقل، ويُقمع الإبداع، وتُطفأ جذوة السَّعي نحو الكمال. وإذا كان مقصدنا هو نيل رضا الله (تعالى)، فإنَّ هذا الرِّضا لا يُنال بالاستبداد ولا بفرض الوصاية على العقول؛ ولكن يتحقَّق في فضاء الحريَّة الواعية، واحترام الإنسان، وصيانة كرامته.
المحور الثَّاني: شواهد من سيرة الأولياء.
يقدِّم تاريخ الأنبياء والأولياء (عليهم السلام) التَّطبيق العملي الأصدق لمفهوم الحرية في الإسلام؛ إذ لم تبقَ مبدأً نظريًا، وتحوَّلت إلى سلوكٍ واقعيٍّ في أحلك لحظات الصِّراع والقوَّة. ومن خلال شواهد من سيرتهم، تتجسَّد الحرية بوصفها أخلاقًا وموقفًا، تُصان فيها الكرامة، ويُحترم فيها الاختيار، حتَّى مع الخصوم وأهل المخالفة.
الشَّاهد الأوَّل: في فتح مكة.
(قريش) ضغطت على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ثلاثة عشر عامًا بمختلف أنواع الضغوط: من قتل المسلمين، وتعذيبهم، وشتمهم وأهانتهم، ومقاطعتهم، وترك مناكحتهم، وترك مبايعتهم، وترك التَّكلم معهم، وتهجيرهم، وسجنهم.
(وقريش) هي التي تآمرت على قتل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حتَّى أمره الله (تعالى) بالخروج منها ليلًا، فخرج (صلَّى الله عليه وآله) منها خائفًا يرقب.
(وقريش) هي التي قادت المسيرة ضد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) طيلة عشرين سنة تقريبًا.
(وقريش) هي التي أقامت العشرات من الحروب الدَّموية الطاحنة؛ لتحطيم الإسلام والمسلمين.
وهكذا دواليك...
ثمَّ جاء دور انتصار الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله) على مكَّة، ووصل زمن وعد الله (تعالى) للرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله): (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (7).
وللمسلمين المهجرين، والمهاجرين، والمعذبين في سبيل الله: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) (8).
فدخل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) هذا البلد، ودخل معه الجيش الإسلامي.
أترى أجبر النَّبي (صلَّى الله عليه وآله) أحدًا من المشركين على الإسلام؟
كلا!. فحرية العقيدة من دستور الإسلام.
وهذا الموقف من رسول الله (صلَّى اله عليه وآله) تجاه أهل مكة فريد في تاريخ الفتوحات، والإنتصارات إلَّا اللهم في تاريخ الأنبياء والمرتبطين بالله (تعالى) من الأوصياء والأولياء...
...إنَّ أحد المسلمين أخذ راية الإسلام بيده، وجعل يدور في أسواق وسكك مكة ويصيح: (اليوم يوم الملحمة، اليوم تسبى الحرمة).
إلَّا أنَّه لما بلغ ذلك رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أمر الإمام عليًّا (عليه السلام) أن يأخذ الرَّاية بيده...
فأخذ عليٌّ (عليه السلام) راية الإسلام بيده، وجعل يصيح في طرق وشوارع مكة: (اليوم يوم المرحمة، اليوم تصان الحرمة)" (9).
والقصة في جوهرها هي إعلانٌ عمليٌّ عن مفهوم الحرية في الإسلام، حين تتحوَّل القدرة على الانتقام إلى امتحانٍ أخلاقي، وتتحوّل السلطة إلى أمانة أخلاقيَّة. فالنَّبي (صلَّى الله عليه وآله) دخل مكة وهو في ذروة القوة بعد سنوات طويلة من الاضطهاد، ومع ذلك تعامل مع أهلها بعقلية المصلح الواثق برسالته، لا بعقلية الغالب المنتشي. وهنا تظهر الحرية الإسلاميَّة بوصفها سلوكًا واقعيا؛ إذ لم يُجبر أحد على تغيير عقيدته، ولم تُفرض الهداية بالسَّيف؛ لأنَّ الإيمان في منطق الإسلام يولد في فضاء الاختيار الواعي.
إنَّ هذا الموقف يقدّم تعريفًا عميقًا للحرية: فهي ليست انفلاتًا من القيم، ولا تسلّطًا باسم الحق، هي صيانة لكرامة الإنسان حتَّى وهو في موقع الخصومة. لذلك كان تصحيح النَّبي (صلَّى الله عليه وآله) للشعار الذي رُفع في شوارع مكة لحظةً مفصليَّة في تاريخ الحرية؛ فحين تحوَّل النِّداء من (اليوم يوم الملحمة) إلى (اليوم يوم المرحمة)، انتقلت الرِّسالة من منطق الثَّأر إلى منطق الرِّسالة، ومن ثقافة الإلغاء إلى ثقافة الاحتواء.
الشَّاهد الثَّاني: عطاء الخوارج.
الخوارج حاربوا أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام). وشهروا السُّيوف عليه وعلى أصحابه. وقتلوا الألوف... والألوف من المؤمنين والمؤمنات من أصحاب عليٍّ (عليه السلام) وشيعته. وأقاموا على عليٍّ (عليه السلام) حربًا عظيمة. ومع ذلك كله حفظ التَّاريخ لأمير المؤمنين (عليه السلام): "أنَّه لم يقطع عطاء الخوارج من بيت المال" (10).
أية حرية هذه، وفي أيِّ بعد؟.
أين يوجد نظير لهذه الحرية في التَّاريخ، ما عدا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ومن كان في خطِّ الله (تعالى) وخطِّ رسل الله وأوليائه؟ (11).
ويبدو هذا الموقف استثنائيًا في سجلّ التَّاريخ السِّياسي؛ إذ نادرًا ما نجد سلطةً تواجه تمرّدًا مسلحًا ثمَّ تمتنع عن استخدام لقمة العيش أداة للانتقام أو الإخضاع. ومن هنا يصح القول: إنَّ هذا المستوى من الحرية لم يعرفه التَّاريخ إلَّا في مدرسة النُّبوة والإمامة؛ حيث يكون الحاكم خادمًا للحقِّ، لا سيدًا على النَّاس.
الشَّاهد الثَّالث: سؤال بتعنت.
عن عبد العزيز بن يحيى الجلوديّ في كِتابِ الخُطَبِ لِأَميرِ المُؤمِنينَ (صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيهِ): خَطَبَ أميرُ المُؤمِنينَ (عليه السلام)، فَقالَ: سَلوني؛ فَإِنّي لا اسأَلُ عَن شَيءٍ دونَ العَرشِ إلَّا أجَبتُ فيهِ، كَلِمَةً لا يَقولُها بَعدي إلَّاجاهِلٌ مُدَّعٍ أو كَذّابٌ مُفتَرٍ.
فَقامَ رَجُلٌ مِن جانِبِ مَسجِدِهِ في عُنُقِهِ كِتابٌ كَأَنَّهُ مُصحَفٌ - وهُوَ رَجُلٌ آدَمُ ضَربٌ، طُوالٌ، جَعدُ الشَّعرِ، كَأَنَّهُ مِن مُهَوَّدَةِ العَرَبِ- وقالَ رافِعاً صَوتَهُ: أيُّهَا المُدَّعي ما لا يَعلَمُ وَالمُقَلِّدُ ما لا يَفهَمُ! أنَا سائِلٌ فَأَجِب.
فَوَثَبَ بِهِ أصحابُ عَلِيٍّ وشِيعَتُهُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ وهَمّوا بِهِ، فَنَهاهُم (عليه السلام)، وقالَ لَهُم: دَعوهُ ولا تَعجَلوهُ؛ فَإِنَّ الطَّيشَ لا تَقومُ بِهِ حُجَجُ اللَّهِ، ولا تَظهَرُ بِهِ بَراهينُ اللَّهِ.
ثمَّ التفت (عليه السلام) إلى الرَّجل، وقال له: سل بكلِّ لسانك، وما في جوانحك فإنِّي أجيبك.
-ثم سأله الرَّجل عن مسائل فأجابه-.
قالَ: فَحَرَّكَ الرَّجُلُ رَأسَهُ وقالَ: أشهَدُ أن لا إلهَ إلَّااللَّهُ، وأَشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسولُ اللَّهِ" (12).
هذا مفهوم الحرية عند الإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام).
منطق الكلمة... لا منطق العنف.
منطق الحوار... بدل منطق الرصاص.
حرية الكلام سمحت للسائل المتعنت أن يخضع فيكون مؤمنًا مؤدَّبًا (13).
هذا المشهد يرسم واحدًا من أنصع وجوه الحرية في مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ حرية السُّؤال، حتَّى حين يأتي السُّؤال متعنتًا، مستفزًّا، جارحًا في لغته ونبرته. فالرَّجل لم يأتِ طالبَ علمٍ متأدب، وجاء متحدّيًا، متهمًا، رافع الصوت، متجاوزًا حدود اللياقة، وفي مناخٍ مشحون كان يمكن أن يُقابل فيه بالكسر أو الإقصاء. غير أنَّ الإمام (عليه السلام) لم يسمح بتحويل ساحة الكلمة إلى ساحة عنف؛ لأنَّ منطق الحقِّ لا يخشى السُّؤال، ومن يملك البرهان لا يحتاج إلى إسكات الخصم.
حين نهى الإمام (عليه السلام) أصحابه عن التَّعجل، كان يؤسِّس لقاعدة حضاريَّة عميقة: أنَّ الحجَّة لا تولد في أجواء الطيش، وأنَّ الحقيقة تثبت بالبيان لا بالضَّرب. فحرية الكلام هنا كانت هنا ثقةً مطلقة بأنَّ الكلمة الصَّادقة أقوى من السَّيف، وأنَّ العقل إذا تُرك ليواجه الدَّليل سقط تعنته من تلقاء نفسه. ولهذا فتح الإمام للرجل كلَّ أبواب السُّؤال: "سل بكل لسانك، وما في جوانحك"، وكأنَّما يعلن أن لا منطقة محرّمة على الفكر حين يكون الحاكم هو العدل والعلم.
وهكذا يثبت الإمام عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنَّ منطق الكلمة هو الطَّريق الأقصر إلى القلوب، وأنَّ الحوار حين يُدار بعلمٍ وحلم، يصنع مؤمنًا مؤدبًا، لا خصمًا مكسورًا.
الشَّاهد الرَّابع: الأخلاق مع العدو.
وذاك الشمر بن ذي الجوشن... رأس البغض على آل الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله)، يأتي بفتنة ليشق
صف معسكر الحسين (عليه السلام) كما كان يظن، فيصيح بأعلى صوته: أين بنو أختنا؟ أين العباس
وإخوته؟
وقد جاء لهم بالأمان من عبيد الله بن زياد إذا هم تركوا أخاهم الحسين (عليه السلام) وانصرفوا
عنه، وكان للشمر اللعين قرابة بعيدة من طرف الأم مع العباس وإخوته فاستغل ذلك بدافع الجاهليَّة العشائريَّة ليفصل بينهم وبين الحسين (عليه السلام) إلَّا أنَّ هؤلاء الصفوة من المؤمنين أعرضوا عن الشمر ولم يكلموه.
وهنا يظهر الخلق الحسيني على المسرح، ليعطي الفرصة لعدوه كيما يقول ما يريد،
فقال (عليه السلام) للعباس وإخوته: "أجيبوه ولو كان فاسقا".
فقالوا لشمر: ما شأنك وما تريد؟
قال: يا بني أختي أنتم آمنون، لا تقتلوا أنفسكم مع الحسين، والزموا طاعة...يزيد!
فقال العباس - وهو الذي تعلَّم الإباء والوفاء من إمامة وأخيه الحسين (عليه السلام): لعنك الله
ولعن أمانك، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له! وتأمرنا أن ندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء؟!"(14).
وهذا المشهد يفتح أفقًا بالغ الدِّقة في فهم الحرية والأخلاق في مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام)، خصوصًا في التَّعامل مع العدو. فالشمر جاء بمشروع فتنة، محمولًا على خبثٍ سياسي، ومتوشحًا بعصبيَّة جاهليَّة، يحاول أن يمزِّق الصَّف الحسيني من الدَّاخل باسم القرابة والأمان الزَّائف. ومع ذلك، لم يُقابَل بالصَّمت ولا بالإقصاء، وأُعطي حقّ الكلام، لا احترامًا له؛ بل احترامًا للمبدأ.
وحين قال الإمام الحسين (عليه السلام): "أجيبوه ولو كان فاسقًا"، كان يبيِّن قاعدةً ربَّانيَّةً عميقة؛ قوامها أنَّ الحقَّ واثقٌ من حضوره فلا يخشى أن يسمع الباطل، وأنَّ الحرِّيَّة تعني إتاحة المجال للخصم كي يكشف حقيقته بنفسه، من غير حاجةٍ إلى قمعٍ أو استبداد.
ثمَّ تأتي إجابة العبَّاس (عليه السلام) لتكمل المشهد، فتضع الحدَّ الفاصل بين الحرية والانحراف. لم يمنعه سماح الإمام (عليه السلام) بالكلام من أن يكون الجواب حاسمًا، صريحًا، مبدئيًا. فالحرية هنا تعني أن يُعطى العدو فرصة العرض، ثمَّ يُواجَه بمنطق القيم. ولذلك كان الرَّدُّ صاعقًا؛ لأنَّه صادر عن ضمير حرّ لا تُغريه أمانات الطغاة ولا تخدعه لغة السَّلامة الكاذبة.
وهكذا يعلِّمنا الإمام الحسين (عليه السلام) أنَّ الحرية أن نسمع لنختار، وأن نختار فنثبت، وأن نثبت دون أن نفقد أخلاقنا حتَّى مع أعدائنا. هذا هو الفارق بين حرية الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)، وحرية الغرائز والصراعات؛ حرية تصنع إنسانًا واقفًا، لا تابعًا آمنًا.
الشَّاهد الخامس: الرفق في الحوار حتَّى مع الملحدين.
عن المُفَضَّل بن عُمَر قالَ: "كُنتُ ذاتَ يَومٍ بَعدَ العَصرِ جالِساً فِي الرَّوضَةِ بَينَ القَبرِ وَالمِنبَرِ، وأَنَا مُفَكِّرٌ في ما خَصَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّدَنا مُحَمَّداً (صلَّى الله عليه وآله) مِنَ الشَّرَفِ وَالفَضائِلِ، وما مَنَحَهُ وأَعطاهُ وشَرَّفَهُ بِهِ وحَباهُ مِمّا لا يَعرِفُهُ الجُمهورُ مِنَ الأمَّةِ، وما جَهِلوهُ مِن فَضلِهِ وعَظيمِ مَنزِلَتِهِ وخَطَرِ مَرتَبَتِهِ، فَإِنّي لَكَذلِكَ إذ أقبَلَ ابنُ أبِي العَوجاءِ، فَجَلَسَ بِحَيثُ أسمَعُ كَلامَهُ.
فَلَمَّا استَقَرَّ بِهِ المَجلِسُ إذا رَجُلٌ مِن أصحابِهِ قَد جاءَ فَجَلَسَ إلَيهِ، فَتَكَلَّمَ ابنُ أبِي العَوجاءِ فَقالَ: لَقَد بَلَغَ صاحِبُ هذَا القَبرِ العِزَّ بِكَمالِهِ، وحازَ الشَّرَفَ بِجَميعِ خِصالِهِ، ونالَ الحُظوَةَ في كُلِّ أحوالِهِ.
فَقالَ لَهُ صاحِبُهُ: إنَّهُ كانَ فَيلَسوفاً ادَّعَى المَرتَبَةَ العُظمى وَالمَنزِلَةَ الكُبرى، وأَتى عَلى ذلِكَ بِمُعجِزاتٍ بَهَرَتِ العُقولَ، وضَلَّت فيهَا الأَحلامُ، وغاصَتِ الأَلبابُ عَلى طَلَبِ عِلمِها في بِحارِ الفِكرِ، فَرَجَعَت خاسِئاتٍ وهِيَ حَسيرٌ، فَلَمَّا استَجابَ لِدَعوَتِهِ العُقَلاءُ وَالفُصَحاءُ وَالخُطَباءُ دَخَلَ النّاسُ في دينِهِ أفواجاً؛ فَقُرِنَ اسمُهُ بِاسمِ ناموسِهِ، فَصارَ يُهتَفُ بِهِ عَلى رُؤوسِ الصَّوامِعِ - في جَميعِ البُلدانِ وَالمَواضِعِ الَّتِي انتَهَت إلَيها دَعوَتُهُ، وعَلَت بِها كَلِمَتُهُ، وظَهَرَت فيها حُجَّتُهُ، بَرّاً وبَحراً وسَهلًا وجَبَلًا - في كُلِّ يَومٍ ولَيلَةٍ خَمسَ مَرّاتٍ، مُرَدَّداً فِي الأَذانِ وَالإِقامَةِ؛ لِيَتَجَدَّدَ في كُلِّ ساعَةٍ ذِكرُهُ، لِئَلّا يَخمُلَ أمرُهُ.
فَقالَ ابنُ أبِي العَوجاءِ: دَع ذِكرَ مُحَمَّدٍ - صلَّى الله عليه وآله - فَقَد تَحَيَّرَ فيهِ عَقلي، وضَلَّ في أمرِهِ فِكري، وحَدِّثنا في ذِكرِ الأَصلِ الَّذي يَمشي بِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ ابتِداءَ الأَشياءِ، وزَعَمَ أنَّ ذلِكَ بِإِهمالٍ لا صَنعَةَ فيهِ ولا تَقديرَ، ولا صانِعَ لَهُ ولا مُدَبِّرَ؛ بَلِ الأَشياءُ تَتَكَوَّنُ مِن ذاتِها بِلا مُدَبِّرٍ، وعَلى هذا كانَتِ الدُّنيا لَم تَزَل ولا تَزالُ.
قالَ المُفَضَّلُ: فَلَم أملِك نَفسي غَضَباً وغَيظاً وحَنَقاً، فَقُلتُ: يا عَدُوَّ اللَّهِ! ألحَدتَ في دينِ اللَّهِ، وأَنكَرتَ البارِيَ - جَلَّ قُدسُهُ - الَّذي خَلَقَكَ في أحسَنِ تَقويمٍ، وصَوَّرَكَ في أتَمِّ صورَةٍ، نَقَلَكَ في أحوالِكَ حَتّى بَلَغَ بِكَ إلى حَيثُ انتَهَيتَ، فَلَو تَفَكَّرتَ في نَفسِكَ وصَدَّقَكَ لَطيفُ حِسِّكَ لَوَجَدتَ دَلائِلَ الرُّبوبِيَّةِ وآثارَ الصَّنعَةِ فيكَ قائِمَةً، وشَواهِدَهُ - جَلَّ وتَقَدَّسَ - في خَلقِكَ واضِحَةً، وبَراهينَهُ لَكَ لائِحَةً!
فَقالَ: يا هذا، إن كُنتَ مِن أهلِ الكَلامِ كَلَّمناكَ؛ فَإِن ثَبَتَ لَكَ حُجَّةٌ تَبِعناكَ، وإن لَم تَكُن مِنهُم فَلا كَلامَ لَكَ، وإن كُنتَ مِن أصحابِ جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ الصّادِقِ فَما هكَذا يُخاطِبُنا، ولا بِمِثلِ دَليلِكَ يُجادِلُنا! ولَقَد سَمِعَ مِن كَلامِنا أكثَرَ مِمّا سَمِعتَ، فَما أفحَشَ في خِطابِنا، ولا تَعَدّى في جَوابِنا. وإنَّهُ لَلحَليمُ الرَّزينُ العاقِلُ الرَّصينُ؛ لا يَعتَريهِ خُرقٌ ولا طَيشٌ ولا نُزقٌ. ويَسمَعُ كَلامَنا، ويُصغي إلَينا، ويَستَعرِفُ حُجَّتَنا، حَتَّى استَفرَغنا ما عِندَنا وظَنَنّا أنّا قَد قَطَعناهُ أدحَضَ حُجَّتَنا بِكَلامٍ يَسيرٍ وخِطابٍ قَصيرٍ، يُلزِمُنا بِهِ الحُجَّةَ، ويَقطَعُ العُذرَ، ولا نَستَطيعُ لِجَوابِهِ رَدّاً، فَإِن كُنتَ مِن أصحابِهِ فَخاطِبنا بِمِثلِ خِطابِهِ..."(15).
إنَّ هذا النَّص يضع أيدينا على واحد من أعمق تجليات الحرية في الإسلام: حرية الحوار التي لا تنفصل عن الرفق والحِلم، حتَّى مع من يقف في الضفة العقديَّة الأبعد. فالمفضل، بدافع الغيرة الصَّادقة على الدِّين، انفعل حين واجه خطاب الإلحاد، لكن ردَّ ابن أبي العوجاء جاء كاشفًا لمدرسةٍ كاملة في التَّعامل مع الخصم الفكري، مدرسة الإمام جعفر بن محمَّد الصادق (عليه السلام)؛ إذ لا يُواجَه الإنكار بالصراخ، ولا يُكسر الفكر إلَّا بالفكر.
اللافت أنَّ شهادة ابن أبي العوجاء في أسلوب الإمام الصَّادق (عليه السلام) إقرار من خصم، والاعتراف من الخصم أقوى الحجج. فهو يميز بوضوح بين منطق الكلام ومنطق الغضب، ويضع شرط الحرية العلميَّة: أن يُسمَع السؤال كاملًا، وأن تُستنفد الشبهة دون مقاطعة، ثمَّ يُجاب عنها بجواب قصير، محكم، يقطع العذر دون تجريح. وهذه استراتيجية معرفيَّة مثمرة؛ لأنَّ العقل المتحفز لا يقبل الحقَّ تحت الضَّغط، وإنَّما يخضع له حين يراه متماسكًا هادئًا.
وهكذا يتعلَّم الدُّعاة أنَّ الرِّفق شرط لفاعلية الخطاب، وأنَّ الأخلاق في الحوار من أدوات انتصار الحقِّ.
إن هذا النموذج يقدّم درسًا معاصرًا بالغ الأهمية: أن مواجهة الإلحاد لا تكون بتكميم الأفواه ولا بتخوين السَّائل؛ وإنَّما بفتح المساحة للكلمة، ثم إدارتها بعقلٍ هادئ، وقلبٍ مطمئن، وثقةٍ كاملة بأنَّ الحقَّ لا يحتاج إلى انفعال ليثبت نفسه.
الشَّاهد السَّادس: دعهم يقلِّدون من يريدون.
"نقل العلَّامة آية الله السيد محمَّد الحسيني الميلاني أنَّ جدَّه آية الله العظمى السيِّد محمَّد هادي الميلاني (رحمة الله عليه)؛ وهو المرجع الأعلى في مشهد المقدَّسة كان يرسل الخطباء إلى أنحاء محافظة خراسان مدنها وقراها، ويعطي كلَّ واحدٍ منهم مالًا ويقول له: خذ هذا المال؛ لكي تستغني من أخذ المال من النَّاس الذين تذهب إليهم للتَّبليغ، ولا تذكر اسمي لهم، ولا تدعوهم إلى تقليدي حصرًا؛ دعهم يقلِّدون من يريدون من المراجع الكرام" (16).
هذه القصة تكشف عن بعدٍ آخر من الحرية الإسلاميَّة، يرتبط بحرية الضَّمير والاختيار الشَّخصي في الدِّين، وليس فقط بحرية الكلام أو الفكر. فالمرجع الكبير، آية الله العظمى السيد محمَّد هادي الميلاني (رحمه الله) لم يربط دعوته بالمصلحة الشَّخصيَّة، ولم يفرض على أحد تقليده. وأرسل الخطباء مع مال يكفيهم، وترك للنَّاس الخيار الكامل في اختيار من يريدون تقليده من المراجع الكرام.
وهذا الموقف يعكس فهمًا راقيًا للحرية الدِّينيَّة: لا إكراه في المعتقد، ولا استغلال للسلطة العلميَّة لتحقيق الولاء الشَّخصي. والحرية هنا تعني أن يكون الإيمان اختيارًا واعيًا، والعالِم الحقيقي هو من يقدِّم العلم والخدمة دون طلب الولاء أو التَّبعيَّة.
وهكذا تنكشف حقيقة الحرية في الفكر والسُّلوك الإسلامي حقيقةً متكاملة، لا شعارًا عابرًا ولا مبدأً مجتزأً؛ حريةٌ تنبع من الإيمان، وتُدار بالعقل، وتُضبط بالأخلاق، وتُثمر إنسانًا واعيًا مسؤولًا. إنَّها حرية تُصان فيها الكرامة، ويُحترم فيها الاختيار، ويُفسَح فيها المجال للكلمة والحوار، دون أن تتحوَّل إلى فوضى أو ذريعة للاعتداء. وعبر سيرة النَّبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام)، نعرف النموذج الأسمى لحريةٍ تبني ولا تهدم، وتُصلح ولا تُقصي، وتفتح الطَّريق أمام الحقيقة لتظهر بقوَّتها الذَّاتية، لا بقهر السيوف ولا بإكراه العقول. وفي عالمٍ تتنازع فيه المفاهيم، يبقى الإسلام برسالته الأصيلة شاهدًا على أنَّ الحرية الحقيقيَّة لا تنفصل عن العدل، ولا تستقيم إلَّا في ظلِّ الوعي، وأنَّ صيانة هذا المعنى هي مسؤوليَّة كلِّ من أراد للدِّين أن يبقى نورًا هاديًا، وللإنسان أن يظلَّ كريمًا، حرًّا، ومسؤولًا أمام الله (تبارك وتعالى) والتَّاريخ.