حكومة تصريف الاعمال: جرأة إصلاحية ام إثارة قصدية؟

مصطفى ملا هذال

2026-01-25 04:08

في توقيت سياسي بالغ الحساسية، وفي ظل حكومة يفترض أنها معنية بتسيير الأعمال اليومية لا أكثر، صدرت في العراق سلسلة قرارات أثارت غضبا واسعا في الشارع، واستياء عميقا لدى النخب الأكاديمية والوظيفية، كان آخرها المساس بمكتسبات شرائح يفترض أنها تمثل العمود الفقري للدولة، كالأساتذة الجامعيين والموظفين والمهنيين. 

هذه القرارات التي صدرت عن المجلس الوزاري للاقتصاد أعادت طرح سؤال جوهري: لماذا تتخذ حكومة تصريف أعمال قرارات صادمة الآن؟ وما الغاية السياسية الكامنة وراءها؟

من حيث المبدأ الدستوري، فإن حكومة تصريف الأعمال تُقيد صلاحياتها بإدارة الشؤون اليومية، وتُمنع من اتخاذ قرارات استراتيجية أو مؤثرة على المدى المتوسط والبعيد، لكن يبدو ان الواقع العراقي كما جرت العادة، يقدم نموذجا مغايرا، إذ تتحول مرحلة تصريف الأعمال إلى مساحة رمادية تُمرر فيها قرارات لم يكن بالإمكان تمريرها في ظروف سياسية مستقرة.

وفق المؤشرات الموجودة على ارض الواقع، يمكن القول إن هذه الحكومة تتعمد استفزاز الشارع، ليس بدافع المواجهة المباشرة، بل من أجل خلق حالة فوضى سياسية واجتماعية تُبرر إطالة أمد بقائها، فكلما زادت التوترات، وتعقد المشهد، وتعذر التوافق على حكومة جديدة، أصبحت الحكومة الحالية أمرا واقعا لا بديل عنه، وبطبيعة الحال فان هذا الأسلوب، يندرج ضمن منطق إدارة الأزمات لا حلها، واستخدام الغضب الشعبي كورقة ضغط سياسية.

في المقابل يمكن الذهاب إلى أن حكومة تصريف الاعمال تحاول الظهور بمظهر الحازم الذي يريد قطع الطريق على الفساد، عبر إجراءات تقشفية أو قرارات تُسوق على أنها إصلاحية، حتى لو جاءت على حساب الفئات المنتجة علميا ومهنيا، ولو اعتبرنا ان هذا تبرير منطقي، الا انه يواجه إشكاليات جوهرية أهمها، لماذا تُستهدف الشرائح الأقل نفوذا، بينما تبقى ملفات الهدر الكبرى والامتيازات السياسية العالية بمنأى عن أي مساس حقيقي؟

السؤال الأكثر إلحاحا يتمثل في: لماذا لم تُتخذ هذه القرارات قبل الانتخابات؟ لماذا لم تظهر هذه الجرأة الإصلاحية عندما كانت الحكومة تتمتع بشرعية سياسية أوسع، وتتحمل مسؤولية مباشرة أمام الناخبين؟ الإجابة هنا تكشف بوضوح البعد السياسي للموضوع.

اذ إن اتخاذ قرارات غير شعبية قبل الانتخابات كان سيكلف القوى الداعمة للحكومة ثمنا انتخابيا باهظا، لذا جرى تأجيلها إلى ما بعد الاستحقاق الانتخابي، حين يصبح الغضب الشعبي أقل تأثيرا على موازين السلطة.

هذا السلوك يعكس أزمة عميقة في فلسفة الحكم، حيث تُقدم الحسابات السياسية الضيقة على مبدأ الشفافية والعدالة، فالقرارات المؤلمة إن كانت ضرورية فعلا، يجب أن تُتخذ ضمن رؤية شاملة، وبمصارحة للرأي العام، لا أن تُمرر في لحظة فراغ سياسي، وبلا نقاش مجتمعي أو حوار مع الجهات المتأثرة.

أما النخب الأكاديمية، التي وجدت نفسها في مرمى هذه السياسات، فهي تدرك أن استهدافها لا يقتصر على البعد المالي فقط، بل يحمل رسالة رمزية خطيرة مفادها أن العلم والمعرفة ليسا أولوية في سلم قرارات الدولة، وهذا ما يهدد بتآكل الثقة بين الدولة ومؤسساتها العلمية، ويدفع المزيد من الكفاءات إلى الهجرة أو الانكفاء.

إذا كانت حكومة تصريف الأعمال تسعى إلى تأجيج الشارع لضمان بقائها، أو تحاول تسجيل نقاط سياسية عبر قرارات تُقدم كإصلاحية، فإن النتيجة واحدة، وهي تآكل الشرعية، وتصاعد الغضب، وتوسيع الفجوة بين الدولة والمجتمع، الإصلاح الحقيقي لا يُبنى على المفاجأة ولا على استهداف الفئات الأسهل، بل على رؤية عادلة وتوقيت مسؤول، وشجاعة سياسية تتحمل تبعات قراراتها أمام الشعب، لا بعد انقضاء الاستحقاقات.

ذات صلة

الحرية في الفكر والسلوك الإسلاميمركز المستقبل ناقش إشكاليات النظام السياسي في العراق والتراث العلويالإمام زين العابدين (عليه السلام): ولادة الأمل في زمن الانكسارمقترحات لمواجهة الأزمة المالية الحاليةروسيا، وإيران، والصين.. البجعات السوداء في 2026؟