أوروبا والحماية الأميركيَّة
حسين علي الحمداني
2026-01-24 05:06
هل تعيش أوروبا حالة قلق ومخاوف حقيقية جراء تخلي واشنطن عن حمايتها؟ لعل هذا السؤال طرح أكثر من مرة من قبل الكثير من الدول الأوروبية لا سيما تلك التي ترتبط مع واشنطن بحلف الناتو، الذي لم يعد يثير اهتمام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ويجد إن أميركا لا يمكن أن تقدم حماية مجانية لأوروبا.
المتابع لطبيعة العلاقة الأوروبية – الأميركية منذ عودة ترمب للبيت الأبيض يجد إنها بدأت برفع التعريفة الجمركية على البضائع الواردة لأميركا من مختلف دول العالم، وفي مقدمتها بالتأكيد الدول الأوروبية، ما أدى لحصول الخزينة الأميركية على أكثر من 240 مليار دولار وبالمقابل أضر كثيراً باقتصاد الدول الأوروبية التي تعاني من مسألة أكبر تتمثل بدعم أوكرانيا ضد روسيا مادياً وسياسياً من جهة.
ومن جهة ثانية مطالبة أيضا بزيادة الإنفاق العسكري لمواجهة الخطر الروسي المتنامي والذي بات يقلق الكثير من الدول في أوروبا التي باتت تشعر إن حلف الناتو لم يعد مظلة حماية لها في ظل تصرف إدارة ترمب لوحدها في قضايا تخص أوروبا برمتها ودائما ما تكون النتائج لصالح واشنطن على حساب باقي الدول الأعضاء في حلف الناتو.
أبرز هذه الملفات بالتأكيد محاولة أو إصرار ترمب على الاستيلاء على غرينلاند، التي تعد جزءا من الدنمارك العضو في حلف الناتو الذي تقوده أميركا منذ تأسيسه وحتى يومنا هذا، وبالتالي فإن مشروع ترمب الحالي لا يفرق بين الحلفاء والأعداء.
وبالتالي تجد أوروبا نفسها اليوم بين كماشتي موسكو وواشنطن، فكلاهما يشكل خطرا على أمن القارة العجوز التي ظلت تحتمي بمظلة الناتو لعقود طويلة وتجد نفسها اليوم مكشوفة أمام تحديات جديدة برزت مع وصول ترمب للبيت ألأبيض للمرة الثانية.
وبالتالي فإنها تجد نفسها أمام منعطف خطير يتمثل بحالة من التوافق بين ترمب وبوتين تتجاوز أوكرانيا لتصل إلى دول أخرى في مقدمتها لاتفيا وأستونيا وليتوانيا وربما يشمل ذلك دولا أخرى، خاصة وإن هنالك صمتا روسيا يشبه القبول من تمدد واشنطن الحقيقي في أميركا الجنوبية، وأحداث فنزويلا المحسوب نظامها السياسي كأحد حلفاء موسكو وتهديد كولومبيا وصولاً لكوبا، التي تعد آخر قلاع الشيوعية في هذه البقعة من الأرض، والتي ربما تجد نفسها تلاقي نفس مصير فنزويلا وفق تفاهمات جديدة بين موسكو وواشنطن.
وما يمكن استنتاجه للمتابع إن أوروبا لم تعد قطعة الحلوى الشهية لأميركا، بل ربما تشكل عبئا عليها، خاصة وإن هنالك مرحلة جديدة دخلتها أميركا عنوانها (أمريكا أولاً)، وهذا بحد ذاته يعني إن مصلحة واشنطن فوق كل شيء وبالتالي تراجعت مكانة أوروبا في العقلية السياسية الاميركية الحالية مقابل اهتمام أكبر بأميركا الجنوبية والوسطى الغنية بالموارد الثمينة، التي من الممكن أن تحصل عليها واشنطن بثمن بخس.
من هنا نجد أن على أوروبا التفكير ببناء استراتيجية أوروبية بعيدة عن رعاية أميركا وهذا ما فكرت به فرنسا بوقت مبكر بعد فوز ماكرون في انتخابات 2017 ولم تجد هذه الدعوة من يهتم بها سوى ألمانيا التي قاسمت فرنسا قلقها. لهذا فإن مخاوف أوروبا اليوم تجعلها تفكر مرات عديدة في حماية أمنها ووحدتها وسيادة دولها، التي تشعر بأن المخاطر تحيط بها من جميع الجهات.