الطريقة التي يترسخ بها المجتمع في الثقافة
عند بيير بورديو وعملية التدريب على الذوق الرفيع
د. زهير الخويلدي
2026-01-20 04:04
مقدمة
في سياق الدراسات الاجتماعية والثقافية، يُعد مفهوم "الذوق الرفيع" أداة تحليلية قوية لفهم كيفية ترسيخ الهيكل الاجتماعي داخل الثقافة. هذه العملية ليست عفوية أو طبيعية، بل هي نتاج تدريب منهجي ومستمر يتم من خلاله نقل وتعزيز الفروقات الطبقية عبر الأجيال. تركز هذا الدراسة على النظرية الاجتماعية لبيير بورديو (1930-2002)، الذي طور في كتابه الشهير التمييز: نقد اجتماعي لحكم الذوق (1979/1984) نموذجاً يفسر كيف يصبح الذوق أداة للتمييز الاجتماعي، وكيف يساهم في ترسيخ المجتمع داخل الثقافة من خلال الرأسمال الثقافي والهابيتوس (habitus).
يُعرف بورديو الذوق بأنه ليس مجرد تفضيل شخصي، بل هو نظام تصنيف يعكس موقع الفرد في الفضاء الاجتماعي. هذا الذوق يتم تدريبه من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية، التعليم، والاستهلاك الثقافي، مما يجعل الثقافة حقل معركة رمزية حيث يتم الحفاظ على الهيمنة الطبقية. الدراسة الحالية ستستعرض هذه العملية بشكل موسع، معتمدة على تحليل نظري وأمثلة تطبيقية، لتكشف كيف يصبح الذوق الرفيع آلية لإعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية. سنقسم الدراسة إلى أقسام رئيسية: شرح المفاهيم الأساسية، عملية التدريب على الذوق، آليات الترسيخ الاجتماعي، والنقد والتطبيقات المعاصرة. فكيف تتشكل الثقافة كذوق رفيع في البناء الاجتماعي؟
المفاهيم الأساسية في نظرية بورديو:
الرأسمال الثقافي، الهابيتوس، والذوق كأداة نقد اجتماعي
يبني بورديو نظريته على فكرة أن الثقافة ليست محايدة، بل هي مجال للصراعات الرمزية حيث يتم ترسيخ الهيكل الاجتماعي. الرأسمال الثقافي هو أحد الأشكال الرئيسية لهذا الترسيخ، وهو يتكون من ثلاثة أشكال: المجسد (مثل المعارف والمهارات الشخصية)، الموضوعي (مثل الكتب أو الأعمال الفنية)، والمؤسساتي (مثل الشهادات التعليمية). هذا الرأسمال يُكتسب عبر الزمن ويُحول إلى أداة للتمييز، حيث يسمح للطبقات المهيمنة بالحفاظ على مكانتها من خلال تفضيلات تبدو "طبيعية". الهابيتوس، بدوره، هو نظام من الاستعدادات الدائمة التي تُكتسب عبر التنشئة الاجتماعية والتي توجه السلوكيات والأحكام دون وعي كامل. إنه "مبدأ مولد للممارسات المنظمة"، يجعل الذوق يعمل كـ"حاسة اجتماعية" توجه الفرد نحو ما يناسبه في الفضاء الاجتماعي. يقول بورديو: "الهابيتوس هو ضرورة داخلية تحولت إلى استعداد يولد ممارسات ذات معنى وإدراكات تمنح معنى". هكذا، يصبح الذوق ليس مجرد تفضيل، بل "نقد اجتماعي لحكم الذوق"، حيث يصنف الذوق المصنف نفسه، مكشفاً عن موقعه الطبقي. في هذا السياق، الذوق الرفيع هو نتاج تدريب يجعل الثقافة تبدو كـ"هبة طبيعية"، بينما هي في الواقع منتج للشروط الاجتماعية. يرتبط هذا بالفروقات بين الطبقات: الطبقات العليا تفضل الفنون المجردة (مثل كاندينسكي أو موسيقى باخ)، بينما الطبقات الدنيا تفضل الواقعية أو الوظيفية (مثل لوحات المناظر الطبيعية أو موسيقى شعبية).
عملية التدريب على الذوق الرفيع: الطرق والآليات
يتم تدريب الذوق الرفيع عبر عمليات متعددة، تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والمجتمع.
في الأسرة (النمط المنزلي للاكتساب)، يحدث التدريب بشكل غير مباشر ومبكر، من خلال الغمر اليومي في الممارسات الثقافية مثل زيارة المتاحف أو الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية. هذا يمنح "الإرث الثقافي" شعوراً بالألفة والسهولة، يُعرف بـ"اللمسة الطبيعية"، مما يجعل الذوق يبدو فطرياً. يوضح بورديو: "الطريقة التي تم اكتساب الثقافة بها تعيش في الطريقة التي يتم استخدامها بها".
أما في المدرسة (النمط المدرسي)، فيكون التدريب أكثر تنظيماً، من خلال المناهج التي تفرض تصنيفات ثقافية (مثل التمييز بين الكلاسيكي والرومانتيكي). الشهادات تعزز هذا، مما يمنح "تأثير الاعتماد" الذي يوسع الكفاءات الثقافية. ومع ذلك، يختلف الاكتساب: المنزلي يمنح الثقة، بينما المدرسي قد يؤدي إلى "التعلم الكتابي" أو الادعاء. يمتد التدريب إلى المجتمع عبر "الأسواق الثقافية"، مثل الحفلات أو النوادي، حيث يتم تقييم الكفاءات.
أمثلة تطبيقية: في الطعام، تدرب الطبقات العليا على "الذوق الرفيع" بالتركيز على الشكل والجودة (الخضروات الطازجة، الأسماك)، بينما الطبقات الدنيا على الكمية والقوة (اللحوم الدسمة). في الرياضة، الطبقات العليا تفضل الرياضات الطقسية مثل الغولف، المكتسبة مبكراً، مقابل الرياضات الشعبية مثل الملاكمة. هذه التدريبات تعزز التمييز، حيث يصبح الذوق "حاجزاً أقوى بين الطبقات".
آليات ترسيخ المجتمع في الثقافة عبر الذوق الرفيع
يترسخ المجتمع في الثقافة من خلال الذوق الرفيع كآلية لإعادة الإنتاج الاجتماعي. أولاً، من خلال "التماثل" بين الفضاء الاجتماعي وأنماط الحياة: الرأسمال الاقتصادي يعاكس الثقافي، مما يجعل التفضيلات تعكس المواقع الطبقية. ثانياً، عبر "الصراعات الرمزية"، حيث يصبح الذوق ساحة للتنافس على الشرعية (مثل تفضيل الفنون الجديدة للطبقات الصاعدة). ثالثاً، من خلال "الإنكار"، حيث يُنظر إلى الذوق كهبة طبيعية، مخفياً عن اللامساواة. في السياقات المعاصرة، يظهر هذا في الاستهلاك: الطبقات العليا تستهلك الثقافة "المجردة" لتعزيز الهيمنة، بينما الطبقات الوسطى تقلد بـ"الإرادة الثقافية"، مما يؤدي إلى "الألودوكسيا" (الخطأ في التصنيف). يقول بورديو: "الذوق هو تأكيد عملي لفرق حتمي". هذا الترسيخ يمتد إلى السياسة، حيث يشكل الذوق الآراء (النخب تفوض للكفء).
مفهوم الرأسمال الثقافي
في سياق النظرية الاجتماعية لبيير بورديو، يُعد الرأسمال الثقافي مفهوماً مركزياً لفهم كيفية ترسيخ الهيكل الاجتماعي داخل الثقافة. هذا المفهوم، الذي طوره بورديو في أعماله الرئيسية مثل التمايز (1979) وإعادة الإنتاج (1970/1977)، يشير إلى الموارد غير المادية التي يمتلكها الأفراد أو الجماعات، والتي تمنحهم ميزة في الفضاء الاجتماعي. الرأسمال الثقافي ليس مجرد معرفة أو مهارات، بل هو أداة للتمييز الطبقي، يُكتسب عبر عمليات التنشئة الاجتماعية ويُحول إلى رأسمال اقتصادي أو اجتماعي. توجد أشكال ثلاثة للرأسمال الثقافي. يصنف بورديو الرأسمال الثقافي إلى ثلاثة أشكال رئيسية، كل منها يعكس طريقة مختلفة للتراكم والاستخدام:
الرأسمال الثقافي المجسد : هذا الشكل يتجسد في الجسم والعقل، مثل المهارات اللغوية، الذوق الفني، أو القدرة على التصرف في المواقف الاجتماعية. إنه "الحالة المجسدة" التي تتطلب وقتاً طويلاً للاكتساب، وتكون مرتبطة بالهابيتوس، أي نظام الاستعدادات الدائمة. على سبيل المثال، القدرة على تقدير لوحة فنية مجردة أو إجراء حوار أدبي يعكس هذا الرأسمال، الذي يبدو "طبيعياً" لكنه في الواقع نتاج تنشئة اجتماعية. يؤكد بورديو أن هذا الشكل غير قابل للنقل المباشر، بل يُورث عبر "الاستثمار الزمني" في الأسرة أو المجتمع.
الرأسمال الثقافي الموضوعي: يتمثل في الأشياء المادية التي تحمل قيمة ثقافية، مثل الكتب، الأعمال الفنية، أو الآلات الموسيقية. هذا الشكل قابل للشراء أو البيع، لكنه يتطلب رأسمالاً مجسداً لاستخدامه بشكل فعال. على سبيل المثال، امتلاك مجموعة من اللوحات الكلاسيكية لا يمنح قيمة إلا إذا كان الشخص قادراً على تفسيرها أو عرضها بطريقة تعكس ذوقاً رفيعاً. هنا، يصبح الرأسمال الموضوعي أداة للعرض الاجتماعي، حيث يعزز التمييز الطبقي من خلال "الاستهلاك الثقافي".
الرأسمال الثقافي المؤسساتي: يتمثل في الاعتراف الرسمي، مثل الشهادات التعليمية أو الجوائز. هذا الشكل يمنح "ضماناً" اجتماعياً، حيث تحول المؤسسات (مثل الجامعات) الرأسمال المجسد إلى رأسمال معترف به. على سبيل المثال، درجة الدكتوراه في الأدب تمنح شرعية ثقافية، مما يسهل الوصول إلى مناصب نخبوية. ينتقد بورديو هذا الشكل كآلية لإخفاء اللامساواة، إذ يبدو النجاح "مبنياً على الجدارة" بينما هو مرتبط بالخلفية الاجتماعية.
هذه الأشكال مترابطة، حيث يعزز كل منها الآخر، مما يجعل الرأسمال الثقافي نظاماً ديناميكياً للحفاظ على الهيمنة. فماهي آليات اكتساب الرأسمال الثقافي والعمليات الاجتماعية والتعليمية المستعملة في ذلك؟
يُكتسب الرأسمال الثقافي عبر مسارات متعددة، تبدأ من التنشئة الأسرية وتمتد إلى النظام التعليمي والممارسات الاجتماعية:
الاكتساب الأسري: في الأسر النخبوية، يحدث الاكتساب بشكل غير مباشر من خلال "الغمر الثقافي"، مثل قراءة الكتب الكلاسيكية أو حضور العروض المسرحية. هذا يمنح "الألفة الطبيعية"، التي تجعل الرأسمال يبدو فطرياً. دراسات بورديو في فرنسا تظهر أن أبناء الطبقات العليا يمتلكون رأسمالاً ثقافياً أعلى، مما يعزز فرصهم في التعليم.
الاكتساب التعليمي: المدرسة تعمل كـ"سوق للرأسمال الثقافي"، حيث تكافئ الطلاب ذوي الخلفيات الثقافية الغنية. على سبيل المثال، المناهج التي تركز على الأدب الكلاسيكي تفضل الطلاب الذين يعرفون بالفعل هذه النصوص. يصف بورديو هذا بـ"العنف الرمزي"، حيث يُنكر النظام التعليمي دوره في إعادة الإنتاج الطبقي.
الاكتساب الاجتماعي: عبر الشبكات الاجتماعية، مثل النوادي أو الفعاليات الثقافية، يتم تبادل الرأسمال. في السياقات المعاصرة، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، يصبح مشاركة المحتوى الثقافي (مثل اقتباسات من كتب فلسفية) طريقة لعرض الرأسمال.
أمثلة تطبيقية: في المجتمعات العربية، مثل تونس، يظهر الرأسمال الثقافي في إتقان اللغة الفرنسية أو معرفة الأدب الفرنسي، الذي ورث من الاستعمار كأداة للتمييز الطبقي. دراسات حديثة تظهر أن الطبقات الوسطى في الدول العربية تسعى للاكتساب من خلال التعليم الخاص، مما يعزز اللامساواة.
فماهو دور الرأسمال الثقافي في إعادة الإنتاج الاجتماعي والترسيخ الطبقي؟
يُعد الرأسمال الثقافي أداة رئيسية لإعادة الإنتاج الاجتماعي، حيث يحول الثقافة إلى مجال للصراعات الرمزية:
التمييز والإنكار: يسمح الرأسمال بـ"التمييز"، حيث يصنف الأفراد بناءً على ذوقهم، مخفياً اللامساواة تحت غطاء "الذوق الطبيعي". هذا "الإنكار" يجعل الهيمنة تبدو مشروعة.
التحويل إلى رأسمال آخر: يمكن تحويل الرأسمال الثقافي إلى اقتصادي (مثل وظائف في الإعلام) أو اجتماعي (شبكات نخبوية). في الاقتصاد الرأسمالي، يصبح "الثقافي" سلعة، كما في صناعة الترفيه.
مع العولمة، يتوسع الرأسمال الثقافي ليشمل الثقافات الرقمية، مثل المهارات في البرمجة أو التصميم الرقمي. ومع ذلك، يظل مرتبطاً بالطبقات، حيث يمتلك الأغنياء وصولاً أفضل إلى التعليم الرقمي. لكن بعض الدارسين، مثل ريتشارد بيترسون، يتحدثون عن "الذوق الشامل"، حيث تختلط الثقافات العليا والشعبية، مما يقلل من دور الرأسمال كأداة تمييز. لكن بورديو يرى هذا كتكيف للهيمنة. في العصر الرقمي، يظهر الرأسمال الثقافي في المنصات مثل إنستغرام، حيث يعرض الأفراد "أنماط حياة" ثقافية لتعزيز مكانتهم. في الدول النامية، يرتبط بالاكتساب الغربي، مما يعزز "الاستعمار الثقافي"، على سبيل المثال، يلعب الرأسمال الثقافي دوراً في التنقل الاجتماعي بعد الثورة، حيث يساعد التعليم في تشكيل نخب جديدة. النظرية متهمة بالتركيز الغربي، لكن تطبيقات في آسيا وأفريقيا تظهر صلاحيتها، مع تعديلات للثقافات المحلية. فالرأسمال الثقافي، كمفهوم متعدد الأبعاد، يكشف كيف تترسخ اللامساواة داخل الثقافة. من خلال أشكاله واكتسابه، يعمل كآلية لإعادة الإنتاج الاجتماعي، محفزاً على سياسات تعليمية متساوية لتقليل الفجوات.
هذا التوسع يدعو إلى بحوث إضافية في السياقات غير الغربية لفهم ديناميكياته العالمية. رغم قوتها، تواجه نظرية بورديو نقداً: بعض الباحثين يرونها جامدة، غير قادرة على تفسير التغيرات مثل "الذوق الشامل"، حيث تختلط الثقافات العليا والشعبية. كما أنها تركز على السياق الفرنسي، مما يتطلب تكييفاً للثقافات الأخرى، مثل في تركيا حيث يلعب الرأسمال الثقافي دوراً في تشكيل الطبقات منذ القرن التاسع عشر. توسعات حديثة تربطها بالتعليم، حيث يصبح الذوق أداة للتنقل الاجتماعي، أو بالاستهلاك الرقمي، حيث يعيد الذوق الرفيع تشكيل الهويات عبر المنصات.
خاتمة
الطريقة التي يترسخ بها المجتمع في الثقافة هي عملية التدريب على الذوق الرفيع، كما يفسرها بورديو، حيث يصبح الذوق آلية لإعادة إنتاج اللامساواة. هذا التدريب، من خلال الرأسمال الثقافي والهابيتوس، يجعل الثقافة ليست مجرد تعبير، بل أداة هيمنة. يدعو هذا إلى نقد اجتماعي يفضح "الأيديولوجيا الخواريزمية" للذوق، محفزاً على سياسات تعليمية تعزز الوصول المتساوي إلى الثقافة، لتقليل الترسيخ الطبقي. فكيف يتحول الراسمال الثقافي الى رأسمال رمزي يعيد انتاج الرأسمال الاجتماعي؟