احتجاجات إيران: المآلات والمخاطر

ابراهيم العبادي

2026-01-19 03:08

شغلت تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران، واقترابه من شنّ هجوم عسكري عليها، العالم بأسره. فقد شعر الجميع بالقلق من التهور الأميركي، ومن احتمال انزلاق الأمن الهش في الشرق الأوسط نحو فوضى واسعة الأشكال ومتعددة المستويات. ولم يكن محبو إيران وحلفاؤها وحدهم من أقلقتهم هذه التهديدات التي بدت جدية ووشيكة، بل إن خصوم إيران ومنافسيها، وحتى الشامتين بها، هالهم ما قد يترتب على ضربة عسكرية أميركية

ربما تكون أكبر من ضربة حزيران في “حرب الاثني عشر يوماً”. إيران الجريحة أو القلقة أو المفككة، ستكون مصدراً لاضطراب إقليمي يتجاوز حدودها وحدود جيرانها المباشرين. فإيران، ومنذ ما يقرب من نصف قرن، لم تكن دولة عادية في محيطها، بل كانت محركاً وصانعاً ومؤثراً في بنية السياسات والأفكار والأحداث في الإقليم. لذلك لم يكن مستغرباً أن تتخذ باكستان وتركيا والدول العربية الخليجية موقفاً رافضاً للتصعيد الأميركي، لا فقط لأن واشنطن تخرق القانون الدولي وتمارس قدراً من الغطرسة يفوق أسوأ التوقعات، ولا لأن شخصية مثل ترامب، غير القابلة للتنبؤ، عادت لتقود السياسات الأميركية، بل لأن أي تدخل عسكري أميركي في صراع داخلي إيراني يفتقر إلى المبررات، حتى وفق ما يسمى بالقانون الدولي الإنساني، فضلاً عن أن تجارب التدخل العسكري الأميركي كانت، في الغالب، سيئة النتائج ومفتوحة على احتمالات تهدد الأمن الإقليمي والعالمي.

اللافت أن سياسيين وخبراء وإعلاميين من بلدان الخليج اعتبروا ما يحدث في إيران مقدمة لتشكل “حزام فوضى” يمتد من أفغانستان إلى لبنان، في حال تحقق السيناريو الأسوأ بضربة أميركية لإيران، أو حتى من دونها. وهنا يبرز سؤال مشروع: كيف غاب هذا التقدير عن خبراء الأمن القومي الأميركي؟ الأرجح أنه لم يغب، لكن ترامب كان يستعجل ضربة سريعة تحقق له نصراً استعراضياً كبيراً، قبل أن يتراجع حين أحجم الخبراء عن تقديم ضمانات أكيدة بأن الضربة ستكون كافية لإضعاف النظام تمهيداً لإسقاطه لاحقاً بأدوات أخرى، وحين لم يتقدم أحد بضمانات حول مستوى وسعة الرد الإيراني المتوقع، فضلاً عن احتمال استدامة الحرب لفترة طويلة تتطلب تفهماً داخلياً وموافقة ودعماً من الكونغرس، وهي أمور غير مضمونة وتتعارض مع شعارات ترامب المعلنة بأنه لا يريد الحروب ولا يريد لأميركا أن تخسر في صراعات “بلا جدوى”.

الحرب على إيران ستكون من هذا الصنف تحديداً: حروبا كلفتها عالية وأرباحها السياسية محدودة. لذلك أذعن ترامب في نهاية المطاف لنداء التأجيل، تحت ذريعة “وقف القتل” في إيران وامتناع السلطات عن تنفيذ أحكام الإعدام بحق متظاهرين مسلحين أُلقي القبض عليهم.

ستبقى إيران معضلة للسياسة الخارجية الأميركية ما لم يتهيأ بديل معارض يمكن الاستثمار السياسي فيه بشكل مربح، وما لم تظهر على النظام علامات ضعف أو انكسار أو تصدعات حقيقية في بنيته الأمنية والسياسية. فالمشكلة الإيرانية في جوهرها داخلية وليست خارجية. ومع اندلاع الاحتجاجات الحالية ذات الطابع الاقتصادي، واتساعها جغرافياً وارتفاع سقف شعاراتها إلى حد المطالبة بإسقاط النظام، تكون هذه المعضلة قد بلغت طريقاً مسدوداً يصعب الرجوع عنه.

فمعالجة الأزمة الاقتصادية لم تعد في متناول النظام السياسي، بعد أن استُهلكت الأصول وتراجعت القدرة على إنعاش الاقتصاد بمعايير دولية تقنع المواطنين بجدوى الصبر وتحمّل الكلف. الاقتصاد الإيراني معزول بفعل العقوبات، ولا يستطيع التغلب على الحصار بشعار “الاقتصاد المقاوم”، كما لم تعد الطبقات الفقيرة والمتوسطة قادرة على إقناع نفسها بوجود أمل حقيقي في تجاوز الصعوبات، لأن أصل الأزمة سياسيا وليس مالياً. فقد تراكمت المشكلات نتيجة خروج الاقتصاد عن السوق العالمية وجفاف الاستثمارات والتراجع الكبير في الناتج القومي، بما بات يجرح وعي الجمهور حين يقارن نفسه بدول الجوار، قياساً بما تمتلكه إيران من إمكانات بشرية وطبيعية.

تغلّبت السياسة والأمن على الاقتصاد، وصارت أولويات النظام لا تتعلق بالتنمية، بل بالسياسات الأمنية والدفاعية، من برامج نووية وصاروخية ونفوذ إقليمي. وانبنى الخطاب العام وسردية الثورة على هذا النموذج التوليفي بين السياسة والأيديولوجيا والرؤية الأمنية، ليُطلب من الاقتصاد أن ينهض بكل هذه الأكلاف دون قدرة حقيقية على موازنة الضغوط الخارجية أو الاستجابة للاستحقاقات الداخلية.

ويذكر خبراء في إيران أن إعادة بناء قطاعات النفط والغاز والكهرباء تحتاج إلى استثمارات تقارب 450 مليار دولار، فيما تشير التقديرات إلى أن إيران خسرت نحو 1500 مليار دولار منذ تشديد العقوبات الأميركية والأممية. وقد انعكست هذه الخسائر على بنية المالية العامة، وقلّصت قدرة الحكومات المتعاقبة على توظيف رساميل جديدة في قطاعات حيوية، أو توفير فرص عمل، أو مواجهة الطلب المتزايد على الدولار في ظل العجز عن اجتذاب استثمارات خارجية.

ولا تبدو معالجة الوضع الاقتصادي ممكنة من دون الانخراط في السوق العالمية ورفع العقوبات وانفتاح أسواق المال واستعادة الثقة بقدرة الاقتصاد على العمل بكفاءة. وهي شروط لن تتوفر من دون تعديل جوهري في السياسة والخطاب والسردية الثورية التي تحولت إلى لازمة وجودية للنظام. وقد طُرحت، في مراحل سابقة، تصورات لإخراج النظام من حالة الانغلاق، استلهاماً لنماذج إصلاحية لأنظمة أيديولوجية أخرى، مثل النموذج الصيني في عهد دنغ شياو بنغ، الذي أبقى على انغلاق النظام السياسي مع انفتاح اقتصادي عميق، أو نموذج الإصلاح السوفييتي الذي أطلقه ميخائيل غورباتشوف عبر “البروسترويكا”. لكن كلا النموذجين ظل بعيداً عن الجدل السياسي الإيراني الحقيقي.

اقتصرت دعوات الإصلاح على صراع داخلي بين جبهتين تداولتا المواقع الحكومية منذ عام 1989، مع الرئاسة الأولى للراحل هاشمي رفسنجاني، وحتى مجيء مسعود بزشكيان صيف 2024، من دون أن تمس جوهر السياسات أو تعدل الخطاب والسردية. ومع مرور الوقت، تعرض النظام لتآكل متزايد في الثقة الداخلية، مع ضعف الاقتصاد والإخفاق في إقناع الأجيال الجديدة بجدوى الخطاب الثوري وكلفه العالية على الحريات والمشاركة السياسية.

ومع تراجع قدرة النظام على امتصاص الصدمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، اعتاد الشارع على التحرك مع كل بادرة اعتراض. فقد شهدت السنوات الخمس عشرة الماضية موجات متكررة من الاحتجاج والغضب، ظل النظام يعتقد أنه قادر على احتوائها، إلى أن وقعت الانكسارات الكبرى في “جبهة المقاومة” ومحورها، وباتت الرموز نفسها عرضة للنقد والمساءلة، لا عبر القنوات القانونية المغلقة، بل عبر الشارع، وهو ما كان خصوم إيران يتوقعونه ويتهيؤون لاستثماره بوصفه امتداداً لحرب الاثني عشر يوماً.

وتشير معلومات استخبارية ودبلوماسية إلى أن ولي العهد السعودي كان من أوائل المطلعين على التوجه الأميركي نحو السعي لتغيير النظام في إيران، خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، حيث كان يعتزم التوسط بين طهران وواشنطن، قبل أن يُفاجأ بقناعة أميركية تميل إلى خيار التغيير، وهو ما يفسر شعور السعودية بأن الزمن بات قصيراً ومحدوداً للتوقي من تداعيات هذا المسار.

إن تراجع ترامب عن توجيه ضربة لإيران لا يلغي احتمال لجوئه إليها في المستقبل القريب إذا وجد أن نتائجها قد تصب في صالح مشروع التغيير. أما المبررات فستكون جاهزة، تحت عنوان “حماية المحتجين” أو “منع القتل”. وفي المقابل، فإن الدولة الإيرانية، إن أرادت السيطرة على الشارع وتجريد الاحتجاج من مبرراته، لن يكون أمامها سوى المراجعة والإصلاح الحقيقيين، لإعادة الثقة بالفئات الغاضبة وفصلها عن القوى المسلحة المستعدة للتعاون مع الخارج. 

إيران اليوم تقف عند مفترق طرق شديد الوعورة. وقاعدة النظام وكتلته الصلبة، مهما بلغت درجة تماسكها، لا تشكل ضمانة كافية لحمايته من دون مقبولية أوسع لدى الكتلة الرمادية، التي بات موقفها هو العامل الحاسم في مآلات الأزمة.

ذات صلة

مردودات العمل بالعلم وإقصاء الجهلما بعد الشرعية الانتخابيةإطار نظري للإصلاح السياسي في الدول عالية الإستنزاف الخارجيالبرلمان العراقي بين الطموح الديمقراطي والانقسام السياسيهل يجوز قطع مدة الاستئناف ضمن المدة القانونية، ومن ثم تقديم الأسباب لاحقاً؟