تظاهر واهداف معاكسة
مصطفى ملا هذال
2026-01-12 05:16
في المشهد السياسي العراقي تتقاطع صورتان متناقضتان للمسؤول العام، تكشفان بوضوح عن طبيعة العلاقة الملتبسة بين السلطة والشارع.
الأولى توضح مدى تمسك الجمهور بنائب في مجلس النواب وتطالبه البقاء بالمجيء لإدارة اعلى منصب في المحافظة، اذ يأتي ذلك بعد تجارب عملية مع هذا النائب، واحساس شعبي بضرورة تسنمه المنصب في المرحلة القادمة، وكما يقال ان اهل مكة أدري بشعابها، فأن اهل بابل قادرين على معرفة من الاصلح لإدارة المدينة.
اما الصورة الأخرى فهي لمسؤول يجلس حاليا على كرسي الحكم في مدينة من المدن، لكنه لم ير الا الاعتراض على كل خطوة او اجراء يقوم فيه وان كان يصب شكليا في مصلحة أبناء المدينة، فتظهر هذه الاعتراضات على هيئة منشورات في مواقع التواصل الاجتماعي بعد ان عرفت الجماهير ما ستتعرض له اذما ارادت النزول الى الشارع.
في الحالة الأولى التي يخرج فيها الجمهور للمطالبة بهذا النائب، هو دليل على نمو الوعي الجماهيري ومعرفة كبيرة بنوعية المسؤول المناسب للمناخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي السائد في العراق، في الوقت الذي يوجد من يراهن على عدم الوعي وتغييب الإرادة الجماهيرية كما في السنوات الماضية.
وقد يرى بعض المراقبين ان ما شهدته محافظة بابل من حراك جماهيري، نابع من التعاطف الجماهيري مع هذا النائب الذي تبنى كشف الكثير من ملفات الفساد التي شهدتها مفاصل الدولة، وربما يُنظر اليه على انه الملجأ او الدعامة الأساسية التي يحتمي فيها الشعب من آفة الفساد الذي اخذ يلاحق اغلب المشروعات والمجالات الخدمية والتنموية.
هذا النوع من الاحتجاج يرتكز على الامل، لذا من الصعب الوصول الى نتيجة مرضية بعيدا عن المحاصصة السياسية التي جرت العادة عليها في تقسيم المناسب العليا في الحكومة المركزية والمحافظات، لكن بالمجمل فهنالك تحول واضح في طريقة التفكير الشعبي.
وقد يتكرر هذا المشهد في بقية المحافظات العراقية، ما يشكل مفارقة غير مسبوقة في العقدين الماضيين، فقد تعودت الجماهير الخروج من اجل المطالبة في الإصلاحات المادية والإدارية، مستثمرين الخيبة الكبرى من القائمين على الإدارة المحلية في الحكومات المحلية.
في المقابل يقف المسؤول الذي تتظاهر عليه الجماهير في موقع الدفاع، محاصرا بوقائع الأداء لا بوعود الاحتمال، والشارع هنا لا يطالب بفرصة جديدة، بل بإنهاء ولاية قائمة، وهنا الهتافات لا تتحدث عن المستقبل، بل تستحضر الحاضر المثقل بالإخفاقات، خدمات متعثرة، وقرارات غامضة، وغياب للمساءلة.
وفي مثل هذه الحالة، يتحول المنصب من أداة إدارة إلى عبء سياسي، وتغدو السلطة عنوانا للأزمة لا لحلها.
الفارق الجوهري بين الصورتين لا يكمن في الأشخاص بقدر ما يكمن في العلاقة مع الزمن السياسي، النائب الطامح يعيش في زمن الوعد، حيث يمكن للكلمات أن تسبق الأفعال، بينما المسؤول المرفوض يعيش في زمن المحاسبة، حيث تُقاس الشرعية بما تحقق فعليا.
ما يحتاجه المشهد العراقي ليس نائبا يطلب فرصة عبر الشارع، ولا شارعا لا يجد سوى التظاهر لإزاحة المسؤول، بل منظومة واضحة تسبق الفرص بالمحاسبة، وتربط المناصب ببرامج قابلة للقياس، عندها فقط سيتحول الشارع من أداة ضغط مؤقتة إلى شريك دائم في بناء إدارة تستحق الثقة.