نهاية مادورو: ماذا حدث في فنزويلا؟

رياض محمد

2026-01-10 04:54

بدأت حكاية فنزويلا مع الولايات المتحدة باعلان مبدأ مونرو في 1823 الذي بموجبه قررت الولايات المتحدة اقصاء القوى الاوروبية المستعمرة سابقا عن امريكا اللاتينية ودعم الدول المستقلة حديثا فيها وضمان الهيمنة الامريكية على نصف العالم الغربي.

اعترفت الولايات المتحدة بدولة كولومبيا الكبرى في عام 1822 التي ضمت عدة دول حالية منها فنزويلا ثم اعترفت في عام 1835 باستقلال فنزويلا بعد انفصالها عن كولومبيا. 

في عام 1903 تدخل الرئيس ثيودور روزفلت لانهاء الحصار البحري الذي فرضته بريطانيا والمانيا وايطاليا على فنزويلا بحجة عدم دفع ديونها واضرار لحقت بمواطني هذه الدول خلال الحرب الاهلية الفنزويلية. في مقابل ذلك طلب روزفلت من بلدان امريكا اللاتينية ضمان الامن للسكان وللمقيمين الاجانب. كان ذلك اول تطبيق لسياسة العصا الغليظة الامريكية.

بعد اكتشاف النفط بين عامي 1914 و 1922 في فنزويلا بما في ذلك اكبر احتياطي في العالم, طورت شركات البترول الامريكية - وشركة رويال داتش الهولندية البريطانية- صناعة النفط الفنزويلية ووصفت البلاد ب "سعودية امريكا اللاتينية". وصل انتاج النفط فيها في عام 1974 الى حوالي 3 ملايين برميل يوميا - نصفها تقريبا تباع للولايات المتحدة - في حين كان مجموع ديون البلاد الاجنبية حوالي مليار دولار.

لكن هذه الثروة لم يتمتع بها سكان البلاد بشكل عادل وظلت نسبة الفقر مرتفعة نسبيا - حوالي 33% في عام 1974. وهذا ما حفز تصاعد شعبية اليسار والشيوعيين الذين تعرضوا لقمع وحشي خلال حقبة الديكتاتور العقيد ماركوس خيمينيز بين عامي 1953 و 1958.

في عام 1943, شرعت قوانين فرضت على شركات النفط الاجنبية تقاسم الارباح مناصفة مع الجكومة الفمزويلية. وفي عام 1976 اممت فنزويلا النفط وكان المتضرر الاكبر شركات النفط الامريكية التي استثمرت حينها 5 مليارت دولار بارقام السبعينات.

عادت بعض شركات النفط الامريكية والاجنبية الاخرى للعمل في فنزويلا في التسعينات ووصل انتاج النفط لحوالي 3 ملايين ونصف البرميل يوميا. لكن مشكلة توزيع الثروة تفاقمت حتى وصلت نسبة الفقر لما لايقل عن نصف السكان في عام 1998 - فيما تفيد دراسات اكاديمية بانها حوالي 70% - وارتفعت ديون البلاد الاجنبية لحوالي 33 مليار دولار.

في نفس السنة فاز هوغو شافير بالانتخابات الرئاسية. كان شافير القادم من الريف ضابط يساريا برتبة مقدم متأثرا بزعماء امريكا اللاتينية الاشتراكيين وعلى رأسهم كاسترو الذي كان صديقا له. وكان قد قضى سنوات في اسفار بين هذه لبلدان. واثناء خدمته في الجيش, اسس عددا من التنظيمات اليسارية مع ضباط اخرين. 

في عام 1992, نظم مع اخرين في الجيش انقلابا عسكريا فاشلا اضطر الى انهائه بنفسه وعلى الهواء عبر التلفزيون. لكنه ايضا اثار اعجاب الفنزويليين لانه وعدهم بان امالهم ستتحقق يوما ما رغم فشل الانقلاب حينها.

اعتقل شافيز لسنتين ثم افرج عنه عندما تولت حكومة اقل عداءا لليسار السلطة. قرر شافيز الانخراط في الحياة السياسية ورشح نفسه في انتخابات 1998 موحدا انصار اليسار من الفقراء خلفه.

مع تولي شافيز السلطة, دخلت فنزويلا في تحولات عميقة نحو اليسار عبر دستور جديد وسع صلاحيات الرئيس وحوله الى اشبه بالدكتاتور كما شرع شافيز بحملة لتقليل الفقر والامية والمرض والمساكن العشوائية بين الفنزويليين وسيطر على شركة التفط الوطنية مقيلا كوادرها الخبيرة ليحل محلهم موالون له.

كان شافيز ماهرا في التعامل مع الاعلام وفي الدعاية وأسس برنامجا اذاعيا وتلفزيونيا يظهر فيه ويجيب على اسئلة الناس بنفسه بالاضافة الى صحف ومجلة وقناة تلفزيونية. 

كما اصدر قانونا جديدا للنفط طبق في عام 2007 اجبر شركات النفط الاجنبية على ان تكون الشريك الاصغر - بنسبة 49% - مع شركة النفط الوطنية. رفضت شركات النفط الامريكية ذلك ورد شافيز بمصادرة اصولها في البلاد. ودخلت الشركات الامريكية في معارك قانونية مع حكومة شافيز امام المحاكم ويقدر انها ربحت 12 مليار دولار كتعويضات لم تدفعها فنزويلا حتى الان.

حاول شافيز ايضا عزل مجلس ادارة شركة النفط الوطنية وادخل اصلاحات تعليمية تملآ عقول التلاميذ بشعارات اليسار.

ادى كل ذلك الى انتظام المعارضة ضده التي اصبحت تضم الطبقة الوسطى ورجال الاعمال والكنيسة وبعض ضباط الجيش وحتى نقابات العمال. وشهدت البلاد احتجاجات مستمرة ثم توجت بمحاولة انقلاب في عام 2002 نجحت في الاطاحة به ليتولى زعيم المعارضة السلطة ليومين قبل ان تعيد احتجاجات شعبية يسارية شافيز الى السلطة!

تلا ذلك اضراب عمال وموظفي شركة النفط الوطنية الذي شل البلاد وانتهى باقالة نصفهم واستبدالهم بكوادر جديدة غير مدربة!

وعلى عكس ما هو شائع فان العلاقة بين شافيز والولايات المتحدة لم تكن دائما سيئة. ورغم اتهام شافيز للولايات المتحدة بالوقوف خلف عدة محاولات لاغتياله, اوضحت وثائق امريكية سرية مسربة ان السفارة الامريكية حذرته من بعضها.

لكن المؤكد ان علاقة فنزويلا توطدت مع كوبا التي امدها بنفط رخيص وبدعم وصل لعدة مليارات من الدولارات سنويا مقابل ارسال عشرات الالاف من الكوادر الطبية والتعليمية الكوبية لفنزويلا. كما اصبحت البلاد ايضا اقرب للصين وروسيا وايران والعراق ونيكاراغوا والاكوادور وبوليفيا - الدول الثلاث الاخيرة كان يحكمها حينها قادة يساريون.

بحلول عام 2012, كانت سياسات شافيز الاشتراكية قد تمكنت من خفض نسبة الفقر الى حوالي 25% واستمر انتاج النفط بمعدل 3 ملايين برميل في حين ارتفعت الديون الخارجية لتصل الى 104 مليار دولار.

توفي شافيز عام 2013 ليخلفه نائب الرئيس نيكولاس مادورو. كان الاخير قد بدأ حياته كسائق حافلة ثم اصبح زعيما نقابيا وعضوا في البرلمان ثم رئيسا للبرلمان ووزيرا للخارجية واخيرا نائبا لشافيز وخليفته المعين. 

مع بدء رئاسة مادورو, ضرب انهيار اسعار النفط الاقتصاد الفنزويلي الريعي في مقتل. وصل التضخم وانهيار العملة لمستويات فلكية وارتفعت معدلات الجريمة لتصبح فنزويلا وكاراكاس اخطر المدن في العالم. ومع ذلك ايضا, هجر 8 ملايين فنزويلي بلادهم الى كولومبيا ودول اخرى في امريكا اللاتينية ليصل حوالي 700 الف منهم الولايات المتحدة بنهاية 2024. 

ادى كل ذلك لنمو الاحتجاجات ضد مادورو وازدياد شعبية المعارضة. قوبل كل ذلك بقمع وحشي وترسيخ لديكتاتورية مادورو التي عزلت بعضا من اهم حلفائه مثل وزير النفط والعدل والامن. واتهمت وزيرة عدله نظامه باعدام ما لايقل عن 8000 معارض!

في عام 2015 فازت المعارضة بالانتخابات البرلمانية, لكن نظام مادورو نزع صلاحيات البرلمان. وفي عام 2018 نظم مادورو انتخابات رفضها العالم باعتبارها غير عادلة وغير حرة وفاز بولاية رئاسية ثانية. رفضت المعارضة وكثير من دول العالم النتائج واعلنت اعترافها بزعيم المعارضة ورئيس البرلمان الذي حله نظام مادورو رئيسا شرعيا للبلاد - كان هذا الزعيم ضيف شرف لترامب اثناء خطابه امام الكونغرس في ولايته الاولى.

ومع تولي ترامب السلطة في عام 2017, فرضت ادارته بتوصية من مستشار امنه القومي جون بولتون - المحسوب على صقور المحافظين الجدد - عقوبات اقتصادية على فنزويلا بما في ذلك مبيعات النفط مما فاقم من تدهور اقتصاد البلاد. وفي عام 2020, وجهت محكمة امريكية الاتهام لمادور بالاتجار بالمخدرات واعلنت الحكومة الامريكية عن مكأفاة ب 15 مليون دولار من اجل اعتقاله. وفي نفس السنة, نظم زعيم المعارضة خوان غوايدو بالتعاون مع شركة امنية امريكية خاصة محاولة انقلاب ضد مادورو عبر ارسال قاربين من كولومبيا يحملان 60 من القوات الخاصة المعارضة. لكن المحاولة فشلت واعتقل او قتل او هرب منفذوها.

ومع وصول بايدن للبيت الابيض في عام 2021 والغزو الروسي لاوكرانيا في عام 2022 وارتفاع اسعار النفط, بدأت ادارة بايدن حوارا مع نظام مادورو من اجل زيادة انتاج النفط الفنزويلي لتخفيض الاسعار على ان يشمل ذلك ايضا الغاء تجميد بعض الاصول الفنزويلية في الولايات المتحدة والسماح بتمثيل اكبر للمعارضة داخل فنزويلا. كما منح نصف مليون مهاجر فنزويلي تراخيص عمل طارئة في الولايات المتحدة في عهد بايدن - منح ترامب في ولايته الاولى الحماية القانونية ل 200 الف مهاجر فنزويلي ايضا.

في عام 2024, اعلن مادورو فوزه بولاية رئاسية ثالثة في انتخابات لم يعترف بشرعيتها العالم. اجبرت زعيمة المعارضة على التخفي ثم فرت من البلاد كما غادر ايضا مرشحها للرئاسة - بعد ان منع نظام مادورا زعيمة المعارضة من الترشح. 

مع بدء ولاية ترامب الثانية في عام 2025, وبروز ماركو روبيو - ذوي الاصول الكوبية والمتشدد ضد نظامي كوبا وفنزويلا - كوزير خارجية ومستشار امن قومي, بدأت حملة امريكية جديدة ضد نظام مادورو. رفعت الجائزة الموضوعة على رأسه الى 50 مليون دولار وصنفت عصابات المخدرات بما فيها الفنزويلية بالارهاب. كما بدأت البحرية الامريكية بقصف ما تصفه انها قوارب تحمل المخدرات - دون دليل على ذلك (اغلب المخدرات التي تهرب للولايات المتحدة قادمة من المكسيك وكولومبيا) - ثم فرضت حصارا بحريا على صادرات النفط الفنزويلية. كما شنت حملة مشددة لابعاد المهاجرين الفنزويليين من الولايات المتحدة.

وبعد حوالي اسبوع من ضربة شنتها المخابرات المركزية في كاراكاس, وفي مطلع 2026 وفي ذكرى يوم مقتل الحاج قاسم في بغداد عام 2020 واستسلام ديكتاتور بنما الاسبق مانويل نورييغا للبحرية الامريكية في عام 1990, شنت 150 طائرة حربية مختلفة بالتعاون مع قوات العمليات الخاصة غارات على قواعد جوية ومطار وميناء في كاراكاس واقتحمت المجمع الذي يقيم فيه مادورو واعتقلته وزوجته ونقلته لسفينة امريكية بحرية ثم الى سجن فدرالي امريكي في نيويورك.

وبحسب النيويورك تايمز فان تحركات مادورو قد تم رصدها لاسابيع عبر تجنيد وكالة المخابرات المركزية لضابط فنزويلي مطلع عليها - فشلت محاولة سابقة لاغراء طيار مادورو لتسليمه كما فشلت محادثات هاتفية مباشرة بين ترامب ومادورو باقناعه بالتنحي.

اعلن ترامب ان الولايات المتحدة ستدير فنزويلا بما في ذلك نفطها الذي تحتاج اليه - يتوقع الخبراء ازديادا مهما في الحاجة الى النفط بسبب الاستخدام الكثيف للذكاء الصناعي وبناء مراكز البيانات المرتبطة به حول العالم. واضاف وزير خارجيته روبيو بان بلاده لا تعترف بمادورو كرئيس وعليه فان اعتقاله تم على اساس ذلك.

بنهاية حكم مادورو, وصلت نسبة الفقر الى اكثر من 80%! كما انخفض انتاج النفط الى حوالي 750 الف برميل فقط وارتفعت الديون الخارجية ل 160 مليار دولار كما استمر ارتفاع معدلات الجريمة لتتصدر دول العالم واصبحت موجة النزوح الفنزويلية - 8 ملايين مهاجر لدول الجوار - اسوأ ازمة انسانية في تاريخ امريكا اللاتينية...

ذات صلة

طرق هامة عملية لتحقيق أحلامك وأهدافك المستقبليةمونرو والنظام الدولي والإقليمي.. مع الاشارة الى منطقة الشرق الاوسط والعراقالرئاسة في ميزان العبث: استهزاء بالمنصب أم اعتراف بالفشل؟النزاع السعودي الإماراتي يتجاوز نطاق اليمنعودة الغول الأمريكي