هشاشة الدولة والهيمنة الخارجية: كيف تتحول الانقسامات الداخلية إلى مدخل للتدخل الدولي

أنور مؤيد الجبوري

2026-01-05 04:35

حين تصبح الهيمنة مصنوعة من الداخل، يتحول أي تدخل خارجي إلى انعكاس مباشر لهشاشة سياسية وقانونية تراكمت عبر سنوات طويلة. ما يسقط الدول ليس القوة العسكرية وحدها، بل انهيار الثقة بين السلطة والشعب، وتحول النخب الحاكمة إلى منظومة مغلقة تستغل الدولة لمصالح محدودة، واستغلال بعض النخب المعارضة لأهداف خارجية، ما يجعل التدخل الخارجي يبدو حلاً لمشكلة داخلية وليس عدوانًا منفصلًا عن الواقع.

في بنما، تجلت هذه الظاهرة بوضوح من خلال حادثة اعتقال مانويل نورييغا. التدخل الأمريكي لم يكن مجرد عملية عسكرية دقيقة، بل نتيجة سنوات من تآكل الدولة، وتحول السلطة إلى أداة قمعية، وتفكيك المؤسسات القانونية، وغياب القدرة على حماية السيادة. هذه البيئة الداخلية المفرغة من الشرعية جعلت التدخل الخارجي متوقعًا وواقعيًا، إذ استُغلت الفراغات القائمة بدلًا من خلقها بالقوة، لتتضح أن هشاشة الدولة الداخلية هي الممر الأول لأي اختراق استراتيجي خارجي.

في فنزويلا، لم تُصنع الأزمة من العقوبات وحدها، بل من إغلاق المجال السياسي أمام المعارضة، وتحويلها إلى مظلة يمكن إعادة تعريفها دوليًا كبديل شرعي للحكم القائم. يوضح هذا أن انهيار الداخل يسمح بتفكيك الدولة من الداخل قبل أي تدخل خارجي، ويبرز أن الشرعية الداخلية هي خط الدفاع الأهم لأي دولة ضد الهيمنة الأجنبية.

أما العراق، فهو حالة أكثر تعقيدًا. فاحتلال الدولة لم يكن مجرد فعل عسكري، بل نتيجة ضعف الدولة القانونية وتآكل مفهوم الشرعية، وتحويل الحكم إلى منظومة مغلقة تعتمد الإقصاء والسيطرة. هذا مكّن الخارج من إعادة تشكيل الدولة وفق مصالحه، والسيطرة على الفضاء السياسي دون مقاومة فعلية من الداخل، ما يؤكد أن الهزيمة ليست مجرد نتيجة قوة عسكرية، بل انعكاس مباشر لانهيار مؤسسات الدولة وتحولها إلى أداة ضعف.

في المقابل، تُظهر إيران قدرة الداخل على مقاومة الهيمنة المباشرة، لكنها لم تمنع استغلال الفراغ الداخلي والتصدعات السياسية لتعريض الدولة لضغوط مستمرة. لم يكن التدخل العسكري المباشر الخيار، بل تم توظيف أدوات قانونية ودبلوماسية واستراتيجية طويلة الأمد، من عقوبات اقتصادية وضغوط سياسية إلى استغلال بعض النخب المعارضة لتعليق سلطة الدولة نسبيًا وإضعاف أدواتها في السياسة الداخلية والخارجية. يُظهر هذا نموذجًا متقدمًا على كيفية تفعيل الهيمنة دون اجتياح مباشر، ويؤكد أن القوة الكبرى لا تحتاج دائمًا إلى اختراق عسكري مباشر، بل يمكنها استثمار ضعف الداخل وهشاشة القانون لتحقيق أهداف استراتيجية.

فهم هذه الوقائع يتطلب إعادة تعريف الخيانة السياسية. فهي ليست مجرد فعل جنائي أو أخلاقي، بل أداة بنيوية لتعليق الشرعية وتحويل السلطة إلى أداة قمع بدل تمثيل، واستبدال مشروع الإصلاح الوطني بمشروع دعم خارجي. التواطؤ بين السلطة والنخب المعارضة يفتح الثغرات التي تستطيع القوة الخارجية استغلالها. حين تُحاصر الدولة من الداخل ويُقمع الشعب، يصبح التدخل الخارجي نتيجة طبيعية، لا حدثًا استثنائيًا.

القانون الدولي، رغم وضوح مبادئه في حماية السيادة وعدم التدخل، لا يُلغى، لكنه يُعلق عمليًا من خلال آليات مثل الاعتراف الانتقائي بالمعارضة، فرض العقوبات العابرة للحدود، وإعادة تعريف الأمن القومي لحماية مصالح القوة الكبرى على حساب الدولة المستهدفة. هذه الآليات تظهر أن القوة لا تعمل خارج القانون، بل تعيد صياغته وفق الوقائع، مستفيدة من هشاشة الداخل وتواطؤ النخب وصمت المجتمع الدولي حين تتقاطع المصالح.

الأحداث الأخيرة في فنزويلا تؤكد هذا الواقع، فقد كشف ما حدث للرئيس وزوجته أن القانون الدولي يمكن أن يتوقف عمليًا حين تتقاطع مصالح القوة الكبرى مع هشاشة الدولة المستهدفة. التاريخ الطويل للتدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية، منذ فرض مبدأ مونرو مرورًا بعشرات العمليات المباشرة وغير المباشرة لتغيير الأنظمة المناوئة، يوضح أن الهيمنة لا تحتاج دائمًا إلى اجتياح عسكري مباشر، بل يمكن استغلال الفراغ الداخلي واستهداف الهياكل القانونية والسياسية الهشة لتعليق سلطة الدولة لصالح المصالح الاستراتيجية.

التحليل السياسي لهذه الوقائع يؤكد أن القوة الحقيقية ليست فقط في الاختراق العسكري أو الاستخباري، بل في القدرة على استغلال الثغرات الداخلية، وتحويل السلطة إلى مصدر ضعف، وتشكيل معارضة خارجية يمكن تسويقها شرعيًا، وتعليق القانون الدولي على واقع جديد يتيح النفوذ دون استخدام القوة المفتوحة.

الهزيمة لا تأتي دائمًا بالرصاص أو القنابل… أحيانًا تُسلم الدولة سيادتها بنفسها قبل أن تُهاجم. تجارب بنما وفنزويلا والعراق تثبت أن انهيار الدولة القانونية، فقدان الشرعية، تحول السلطة إلى آلة قمع، وتصديعات النخب، تجعل الدولة فريسة سهلة لأي تدخل خارجي.

الدولة تُهزم ليس حين تُهاجم فقط، بل حين تُغلق قنواتها الشرعية للتغيير، وتصبح منظومة تغذي نفسها بالإقصاء، بينما تُوظف النخب المتواطئة الطريق للهيمنة الخارجية.

غياب القنوات الشرعية، تصاعد الإقصاء السياسي، ضعف الرقابة الداخلية، وغياب الضوابط الدولية، يمنح القوى الكبرى القدرة على فرض إرادتها دون مواجهة عسكرية مباشرة. الأمثلة التاريخية تؤكد أن الهيمنة ليست مفاجأة، بل نتيجة منطقية لاستغلال ضعف الداخل.

الهزيمة البنيوية إذن ليست حادثًا عابرًا، بل نتاج تآكل القيم المؤسساتية وفقدان قنوات التغيير، مما يجعل الدولة فريسة سهلة للهيمنة الخارجية. السؤال المركزي يبقى: هل الدولة تُهزم بسبب القوة الخارجية أم بسبب ضعفها الداخلي؟

من هذا المنظور، أي تحليل استراتيجي لدولة تواجه تدخلًا خارجيًا لا يمكن أن يقتصر على القوة العسكرية فقط، بل يجب أن يشمل دراسة أعمق لهشاشة المؤسسات الداخلية، ضعف الشرعية، تصدعات النخب والمجتمع المدني، واستراتيجيات القوة الكبرى في إعادة صياغة القانون الدولي وفق مصالحها. الدول التي لا تحمي مؤسساتها القانونية ولا تتيح قنوات شرعية للتغيير تصبح عرضة للاستغلال المباشر وغير المباشر. هشاشة الداخل تتحول إلى أرض خصبة للهيمنة الاستراتيجية التي تبدو للمتابع مجرد نتيجة قوة خارجية، بينما هي في الواقع حصيلة تراكمية للخلل البنيوي الداخلي.

أي استراتيجية وطنية حديثة يجب أن تبدأ بتعزيز المؤسسات القانونية، حماية الشرعية، توسيع المساحة السياسية، وإغلاق الثغرات التي يمكن استغلالها. وإلا فإن أي تدخل خارجي سيجد الأرض خصبة للنفوذ، وسيستمر القانون الدولي في التعليق العملي لصالح مصالح القوة الكبرى، دون أي آلية فعالة لردعها. من هنا، تصبح السيادة الوطنية في بعض الحالات مجرد اسم شكلي لا يعكس القدرة الحقيقية على الصمود أو إدارة الدولة.

فهم هذا الواقع يفرض على الباحثين وصناع القرار والمحللين السياسيين والقانونيين إعادة النظر في آليات حماية الدولة الداخلية، وتأصيل استراتيجية وطنية تحمي مؤسساتها وتمنع تسليم السيادة للآخر. أي هيمنة خارجية ليست وليدة قوة عسكرية فقط، بل نتيجة تراكمية لهشاشة الداخل، انهيار الشرعية، تآكل القانون، وتصاعد تصدعات النخب والمجتمع المدني. الهشاشة الداخلية إذن هي المفتاح الاستراتيجي للسيطرة والهيمنة العالمية.

ذات صلة

مركز آدم ناقش.. مستقبل حرية التعبير بين تغول السلطات والنصوص الدستوريةاحترام الوقت أم حرق المراحل؟رأس المال الاجتماعي: الإطار النظري والمعنى السياسي للتنميةالتوحش الإمبراطوري وانهيار القيم العالمية وصورة العالم المتحضرالحياد في زمن الفتنة