مخاطبات المحكمة الاتحادية

هل تملك حجية القرارات التفسيرية والاحكام القضائية او تلغيها وتعدلها؟

القاضي سالم روضان الموسوي

2025-11-30 03:04

ان بعض القرارات التفسيرية للمحكمة الاتحادية العليا تكون محل اهتمام لدى السلطات ولدى الباحثين والمختصين في القانون العام والخاص على حد السواء، واحيانا تثير الجدل، وذلك بسبب طبيعة الاستفسار ومناسبته والظروف التي تحيط به، ولا يقف الامر عند هذا الحد بل أيضاً الى قيام بعض الجهات بطلب طلب التوضيح عن بعض قراراتها.

 ومن هذه القرارات القرار التفسيري الأكثر جدلا لغاية الان هو قرار المحكمة الاتحادية العليا العدد 25/اتحادية/2010 في 25/3/20210 الذي قضى بتفسير المادة (76) من الدستور، ثم صدرت قرارات تفسيرية أخرى لاحقة في مواضيع مختلفة، وكانت محل نظر واختلاف لدى الجهات المختصة بالتطبيق او التنفيذ، وبعد صدورها طلبت العديد من تلك الجهات توضيح لتلك القرارات.

الا ان المحكمة الاتحادية العليا في السابق كانت ترفض التوضيح لأحكامها ومنها ما جاء في قرارها العدد 62/اتحادية/2014 في 2/6/2014 الذي قضت فيه برفض طلب الأمانة العامة لمجلس النواب بتوضيح الفقرة الحكمية الواردة في قرارها العدد 86/اتحادية/2013 في 23/10/2013 واستندت الى ان اختصاصها لا ينعقد في توضيح احكامها التي تصدرها ولقرار باتفاق الأعضاء جميعاً، لكن بعد ذلك لوحظ ان المحكمة الاتحادية العليا قد تحولت الى توضيح احكامها وقرارتها التفسيرية بناءً على طلبات التوضيح الصادرة من الجهات ذات العلاقة.

لكن ما يلفت النظر ان تلك التوضيحات لم تكن بقرارات تفسيرية او احكام قضائية، بمعنى لم تصدر بناء على مداولة وانعقاد للمحكمة بتشكيلتها القانونية، وانما بكتاب يصدر من مكتب السيد رئيس المحكمة ومذيل بتوقيعه فقط، ولم ترد فيه أي إشارة الى انه صدر عن الهيئة القضائية للمحكمة بعد الانعقاد والتشكيل والمداولة، وانما يصدر عن المحكمة مذيل بتوقيع رئيسها بوصفة الإداري وليس القضائي.

ومن الأمثلة على ذلك التوضيح الوارد في كتابها المؤرخ في 9/3/2023 الموجه الى الهيئة الوطنية للمساءلة والعدالة الذي وضحت فيه ما يتعلق بقرار الحكم الصادر عنها بالعدد 220/اتحادية/2020، وكذلك كتابها المؤرخ في 10/2/2015 الذي وضحت فيه مضمون قرارها المتعلق برواتب موظفي إقليم كردستان، واخرها كتابها الموجه الى رئاسة الجمهورية المؤرخ في 17/5/2025 الذي أوضحت فيه المقصود بحكومة تصريف الاعمال، واخرها كتابها المؤرخ في 25/11/2025 الموجه الى الأمانة العامة لمجلس النواب، والذي تداولته مواقع الاعلام الالكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي، والذي جاء فيه توضيح لقرارها التفسيري العدد 213/اتحادية/2025 في 17/11/2025 الذي يتعلق بإنهاء دورة مجلس النواب قبل اوانها.

ولخصوصية موضع التوضيح في كتابها الأخير حول انهاء دورة مجلس النواب قبل اوانه، بموجب قرارها التفسيري للمادة (56) من الدستور، لأنه جاء بعد قرارين تفسيرين لذات المادة في قرارها الأول العدد 29/اتحادية/2009 في 30/1/2010 الذي قضت فيه بان عمر الدورة الانتخابية اربع سنوات تقويمية والسنة التقويمية هي (365) يوم، ثم كررت هذا القول واكدته في قرارها العدد 24/اتحادية/2010 في 14/3/2010، وجاء في نص القرار بان مدة عمر الدورة الانتخابية اربع سنوات تقويمية والسنة هي (365) يوم، وأشارت الى قراراها الأسبق العدد 29/اتحادية،2009 في 30/1/2010، وكلا القرارين ملزمين وباتين، ولم يصدر أي قرار يلغي أي منهما.

وبعد ذلك أصدرت قرارها التفسيري العدد 213/اتحادية/2025 في 17/11/2025 الذي جاء على خلاف ما كان عليه القرارين التفسيرين الملمع عنهما، والقرارات الثلاث جميعها نافذة وجميعها ملزمة للسلطات كافة، وجميع تلك القرارات مذيلة بعبارة (باتة وملزمة للسلطات كافة)، ولا توجد جهة مختصة بترجيح أي من تلك القرارات في حال تعارضها مثلما عليه الحال في تعارض احكام القضاء الاعتيادي، كما لا تسري عليهما قاعدة اللاحق ينسخ السابق، لان هذه القاعدة التفسيرية هي حصراً في تفسير النصوص القانونية وليس الاحكام والقرارات القضائية.

وكان لنا رأي ان جميع القرارات الثلاث ملزمة وباتة بحكم المادة (94) من الدستور وحجية هذه القرارات مصدرها الدستور وهو اعلى وثيقة تشريعية في العراق، ولها السمو على كل التشريعات الأخرى وعلى وفق ما ورد في المادة (13/اولاً) من الدستور التي جاء فيها (يُعدُ هذا الدستور القانون الاسمى والاعلى في العراق، ويكون ملزماً في انحائه كافة وبدون استثناء).

لكن لوحظ ان المحكمة الاتحادية العليا ذهبت بواسطة رئيسها الى توضيح تلك القرارات بكتاب مذيل بتوقيع الرئيس فقط وليس عبارة عن قرار قضائي صادر عن الهيئة القضائية، مثلما كانت تعمل به ومنها ماو رد في قراها السابق العدد 62/اتحادية/2014 في 2/6/2014، حيث صدر عن مداولة وانعقاد المحكمة بتشكيلتها الكاملة.

وفي كتابها الأخير المؤرخ في 25/11/2025 قد اشارت الى ان قرارها الأخير العدد 213/ اتحادية/2025 في 17/11/2025 هو الملزم والقرارين السابقين ليس لهما أي حجة.

ومن خلال ما تقدم ينهض السؤال عنوان هذه المادة، هل يجوز ان تلغى حجية قرار تفسيري اكتسب حجيته بنص الدستور، بواسطة كتاب اداري يصدر عن مكتب السيد رئيس المحكمة وليس بقرار قضائي؟، 

مع ان الدستور لم يرد فيها أي نص يمنح رئيس المحكمة حق اصدار كتاب يوضح الحكم او القرار التفسيري او يلغي أي قرار تفسيري او حكم صادر عن المحكمة، او يجعل قرار اسمى من قرار، لان ليس له أي صلاحية، اما القيمة القانونية لهذا الكتاب هي حجية السند الرسمي في الاثبات عند الانكار فقط وعلى وفق احكام المادة (22) من قانون الاثبات رقم 107 لسنة 1979 المعدل، بمعنى ان ليس له أي حجة سوى انه محرر رسمي، بينما القرار التفسيري له الحجة الدستورية الواردة في المادة (94) من الدستور.

كما لوحظ ان المحكمة في قرارها التفسيري الأخير لم يرد فيه العدول عن قراراتها السابقة، وكما لم ترد أي إشارة الى الغاء اثارهما، او اهدار حجيتهما، وهذا اثار اللبس عند التطبيق.

وحيث لا يوجد نص في الدستور او في قانون المحكمة الاتحادية يمنح رئيس المحكمة صلاحية توضيح الاحكام، كما ان القواعد العامة الواردة في قانون المرافعات ترفع يد المحكمة عن الدعوى عند صدور الحكم فيها، مع ان بعض الفقه أشار الى وجود الولاية التكميلية، وفي الحقيقة انها ليست ولاية إضافية او ان المحكمة بإمكانها ان تعيد النظر في قرارتها، وانما فقط في باب إعادة النظر في الدعوى بموجب طرق الطعن المقررة في القانون، بينما قرارات المحكمة الاتحادية لا تقبل الطعن لإنها باتة على وفق احكام المادة (94) من الدستور.

لكن وجد نص في المادة (10) من قانون التنفيذ رقم 45 لسنة 1980 المعدل يجيز للمنفذ العدل حصراً ان يستوضح من المحكمة التي أصدرت قرار الحكم عن الغموض فيه وعلى وفق النص الاتي (للمنفذ العدل، ان يستوضح من المحكمة التي اصدرت الحكم عما ورد فيه من غموض، واذا اقتضى الامر صدور قرار منها افهم ذوو العلاقة بمراجعتها دون الاخلال بتنفيذ ما هو واضح من الحكم الواجب التنفيذ).

لكن في الحالة محل البحث فان طلب الاستيضاح لم يكن من المنفذ العدل، وانما من جهة تشريعية بحكم واقعها الإداري وليس التشريعي، فضلاً عن ذلك لا تملك المحكمة المختصة أي صلاحية لتوضيح احكامها، ومع ذلك فان الكتاب الصادر عن مكتب السيد رئيس المحكمة لا يرقى الى قوة وحجية القرارات التفسيرية الثلاث، وتبقى على قيمتها التنفيذية الملزمة، ولا يشفع قول السيد رئيس المحكمة المحترم بان القرار الأخير هو النافذ ويؤكد على تنفيذه، ويبقى اجتهاد فردي لا يوازي القوة التنفيذية للقرارات أعلاه، ولا يرقى الى حجيتها.

وبعد العرض أعلاه أرى ان الكتاب أعلاه او أي كتاب اخر لربما يصدر بناء على طلب من جهات أخرى غير مجلس النواب، لا يؤثر على القوة التنفيذية الملزمة للقرارات الثلاث أعلاه، وجميعها تملك القوة التنفيذية الملزمة، ولا يمكن وضع اعتبار لنظرية أشار اليها احد الأساتذة الافاضل بوجود مبدأ التناسخ، حيث لا يوجد مثل هذا المبدأ في جميع النصوص القانونية، وإلغاء الحجة المقضي بها للقرار القضائي من النظام العام ولا يجوز الاجتهاد خلافه الا بنص قانوني، ولم نجد في التطبيق القضائي سواء في السابق او الحاضر في العراق وفي غيره، بان صدور حكمين متناقضين يكون للقرار اللاحق الافضلية بناء على مبدأ التناسخ، وانما على العكس يكون للحكم السابق حجة الامر المقضي به والذي لا يجوز نقض حجيته، والقرار اللاحق يلحقه العوار اذا كان صادر من محكمة واحدة او من محكمتين بدرجة واحدة من درجات التقاضي، وانما الذهاب الى ما يسمى بترجيح الاحكام الوارد في المادة (217) من قانون المرافعات رقم 83 لسنة 1969 المعدل، واصبح الاختصاص في الترجيح الى الهيئة الموسعة المدنية في محكمة التمييز الاتحادية وعلى وفق احكام المادة (13/ثانياً/1) من قانون التنظيم القانوني رقم 160 لسنة 1979 المعدل، وفي تطبيقات محكمة التمييز الاتحادية كانت قد رجحت القرار السابق على اللاحق ومنها قرارها العدد ١٠/هيئة موسعة مدنية/٢٠٢٤ في 17/1/2024.

وخلاصة الرأي ان القرارات التفسيرية تبقى حجة على السلطات كافة وملزمة لها وعليها ان تراعي الذي يتماشى ورح النص الدستوري عند اختيار القرار الذي ينظم اعمالها، ولا يكفي الكتاب الصادر عن السيد رئيس المحكمة الاتحادية العليا لإلغاء حجية أي من تلك القرارات، وانهاء قوتها التنفيذية الملزمة بحكم النص الدستوري الواردة في المادة (94) من الدستور.

* قاضٍ متقاعد

ذات صلة

سوء الظن.. أسبابه وآثاره وسبل علاجهالاقتصاد العراقي بعد الانتخابات.. على مفترق طرقماذا بعد الانتخابات العراقية؟احتلال (عن بُعد) في جنوب لبنانفي العلاقات الزوجية: لماذا ينبغي إخفاء الخلافات عن الأبناء؟