تكتيك الكرة الشاملة لمعالجة الأزمات

محمد علي جواد تقي

2025-11-29 04:42

يقال قديماً إن مما اختص به المنتخب الوطني الهولندي لكرة القدم في سني السبعينات، وسارت به الأمثال في رياضة كرة القدم العالمية؛ نظريته الكروية البارعة المسمّاة "الكرة الشاملة"، أو اللامركزية في الساحة، فالجميع يفكرون بالدفاع، كما أن الجميع يفكرون بالهجوم لاختراق مرمى الخصم وتحقيق الفوز، ولو أني لست من المتابعين بجدّ لمباريات كرة القدم في خريف العمر، بيد أن هذا التكتيك الرياضي أعده درساً يمنح المؤسسات الثقافية والدينية والحكومية، وأهل الحل والعقد للتأمّل في طريقة معالجة الأزمات ثم حلّها وصولاً لأهدافنا المنشودة. 

لنأخذ مثلاً قريباً لواقعنا؛ الفساد، الذي أمتدّت أذرعه في كل مفاصل حياتنا، من التعليم في المدرسة، والمستشفيات، مروراً بالدوائر الحكومية، والمشاريع الخدمية، ومختلف مؤسسات الدولة، حتى لم تبق مشكلة في حياتنا إلا وترك هذا الاخطبوط بصماته عليها، وبما أن الساحة الأكبر لهذه الظاهرة؛ مؤسسات الدولة ورجالاتها، فان عيون المواطنين ترنو نحو الحكومة، والقضاء، والمؤسسة الأمنية لتحرك قواها وقدراتها لمطاردة هذا، ومعاقبة ذاك، و الاحتكام الى قوانين رادعة تحذر كل من تسول له نفسه التلاعب بأموال الناس.

كل هذا لا يجانب الحقيقة والواقع بشيء إطلاقاً، ولكن بالعودة الى جذور المشكلة نجد أنها تصل الى الحالات النفسية للانسان، والى الانماط التربوية المعتمدة لدى شرائح في المجتمع بما يخرج المسألة من دائرة اختصاص الدولة.

فاذا كانت النظريات المحبوكة لرسم هيكلية الدولة، و تدوين قوانين تنظم العلاقة بين الدولة والنظام الحاكم، والمجتمع، وبين المجتمع والفرد، فان الحقائق الانسانية عبر الزمن لها تأثيرها المباشر على تنظيم هذه العلاقة، فالانسان لا يحركه قانون نحو الإثراء –مثلاً-، او قرار من الدولة ليمارس عملية الاحتكار والتزوير، إنما هي دوافع نفسية وغرائز ونزعات، مثل حبّ المال، والمُلك، والنفوذ، والجاه، كل هذه او بعضها تشكل خلايا سرطانية تنمو في قلب وعقل الموظف في مؤسسات الدولة –البعض منهم بالتأكيد-، الأمر الذي يستدعي تعبئة مجتمعية عامة من علماء وخطباء وأكاديميين، ووجهاء اجتماعيين، وعموم الشريحة المثقفة ليكونوا على شكل فريق طبّي متكامل ومتعاون يستأصلون هذه الغدة السرطانية بسلام ونجاح.

خطوات تمهيدية لابد منها

ظاهرة الفساد، أو ظاهرة الفقر، أو ظاهرة تهميش الأحكام الدينية في الحياة، تسود المجتمع بشكل سلس الى درجة التطبّع مع ذات الانسان، وأن كل ما يفعله يمثل حالة طبيعية، بسبب الموقف المتفرّج لتلك الشريحة المثقفة احياناً؛ وتقوقعها في مجالها المهني والاجتماعي احياناً أخرى، وتعليل هذا الموقف يتعنون بـ "هكذا يرغب الناس"، أو "هذا مستوى استيعابهم"، وهي عناوين او مبررات تتحول بعد حين الى تبرّم من الآثار السلبية لهذه الظواهر على حياة المعلم واستاذ الجامعة وعالم الدين عندما يجد نفسه يواجه ألفاظ مشينة، في الشارع، او يتعرض لتصرف يجده دون مستواه خلال قيادته للسيارة.

مادام دخان المساوئ يعمّ الجميع، فان التحرك ينبغي ان يكون جماعياً ايضاً، او بشيء من التناغم والتنسيق والتعاون لتنفيذ التكتيك المشار اليه آنفاً، وهذا يحتاج الى خطوات منها: 

أولاً: وجود الحد الأدنى من الانسجام الفكري في بداية المشوار على أمل المزيد من التقارب في طرائق التفكير لتشكيل رؤية متجانسة إزاء الظواهر المرضية، ومن ثم التفكير في معالجتها.

فعندما نريد معالجة ظاهرة التسيّب في الأخلاق والآداب في المجتمع –مثلاً- يجب أن يكون خطاب الإصلاح عبارة عن همّ مشترك للعالم والخطيب والمعلّم، واستاذ الجامعة، فضلاً عن الأب والأم داخل الأسرة، وايضاً؛ العاملين في المؤسسات الإعلامية قاطبة من؛ محررين، ومراسلين، وكتاب، ومقدمي برامج، ومحاورين، أما اذا كانت رؤية الإعلام إزاء قرار حجب مواقع معينة تنشر الاباحية –مثلاً- بأنه تقييد للحريات الشخصية، فان من يتحدث عن أضرار التسيّب السلوكي والتحلل الخلقي سيكون منتهكاً للحريات، ومسوقاً لنموذج قديم لا يمتّ للحاضر وتطوراته بِصلة.

ثانياً: وحدة الهدف والغاية من هذا المشروع الإصلاحي، هل هو الترميز لشخصية معينة على أنها القائد والمنقذ بمسميات عدّة؟ أو لتحقيق مصالح معينة من خلال إزالة شيء في بقعة ما، وإخفاء أشياء في بقاع أخرى؟ أم انه لتحقيق المصلحة العامة من خلال القضاء على ظواهر سلبية مثل الفساد الإداري بشكل حقيقي؟

ثالثاً: تظافر الجهود والطاقات من دوائر ومؤسسات معنية في طريق واحد، مما يتطلب نوعاً من تجاوز الذات، والخروج من حالة القطبية الى حالة اللامركزية، كما في المثال المشار اليه في بداية المقال، مع الاخذ بنظر الاعتبار أن كل قطب أو محور يعده أصحابه ذو شأن خاص وكبير، مثل؛ المؤسسة الاكاديمية، تعد نفسها صاحبة الرؤية العلمية، وأنها تتعامل مع الأمور وفق نظريات وأفكار عملية لصيقة بالواقع، بينما المؤسسة الدينية لها رؤية شمولية، تعتقد أنها الأحق بقيادة الحياة من خلال منظومة أخلاقية ودينية وتربوية تضع الانسان على الطريق الصحيح من خلال إحكامها الربط بين التاريخ والتراث، والحاضر المتطور دائماً، والمستقبل الواعد. 

ظاهرة التمرّد على الأحكام الدينية، وحتى التقاليد الاجتماعية، والميل الشديد لكل ما هو جديد ومثير بفضل مواقع التواصل الاجتماعي وشبكة الانترنت، تحتاج الى جانب النصيحة والموعظة؛ الى دراسة علمية، وبحث مستفيض في الخلفيات والعلل، لاسيما في مجال علم النفس، وعلم الاجتماع، لتقويم هذه الحالة، وبدلاً من الاصطدام بها وبأصحابها؛ التعامل معها كحالة انسانية يكون الطرفين في مستوى شعوري واحد إزاء الآثار السلبية لهذه الظاهرة او تلك، و ضرورة البحث عن البديل المفيد بما يخدم الجميع، كما كان يصنع أمير المؤمنين، عليه السلام، عندما كان زعيماً للدولة، يجعل مأكله وملبسه بمستوى أضعف الناس حالاً، "حتى لا يتبيّغ بالفقير فقره"، كما جاء في ردّه على ذاك الشخص الذي أراد تقمّص حالة الزهد والتقشف لديه، عليه السلام، بأنه كزعيم دولة مفروض عليه أن يضع نفسه الى مستوى أفقر الناس حتى لا يستشعر الفقير بذل الفقر، وهذا يجسد قمة الفهم والإدراك لمشاعر الناس.

ذات صلة

الزبائنية وتأثيرها في السلوك الانتخابيلغة الأرباح تغلب لغة المصلحة العامةشراء الذمم يجهض الهممتحولات النيوليبرالية.. من الانفتاح الاقتصادي إلى الاستبداد السياسيقياس الأثر التشريعي