لغة الأرباح تغلب لغة المصلحة العامة
مصطفى ملا هذال
2025-11-29 04:30
في مدينة مثل كربلاء من الصحيح ان تُشيد فيها الأبراج السكنية وتكثر المظاهر السياحية؛ ذلك انها من المدن العراقية التي يزورها عشرات الملايين سنويا، لكن ما يثير المخاوف هو الاستثمار الخاطئ الذي يحول المدينة الى مكعبات كونكريتية، لا تنبض بالحياة، سوى انها تلبي رغبة صاحب المال والمسؤول الذي يقف في الظل وراء هذه التعاملات.
في السنوات الأخيرة، شهدت العديد من المدن العراقية توسعا عمرانيا محموما تمثل في إزالة المساحات الخضراء داخل المناطق السكنية وتحويلها إلى أبراج وعمارات استثمارية.
وهذا التحول لم يكن مجرد تغيير في شكل المدينة، بل ولد اختناقا عمرانيا واجتماعيا وبيئيا، وحرم السكان من آخر المتنفسات التي كانت تمنح الحياة الحضرية توازنا ضروريا.
لكن يبقى الأخطر من ذلك أن أغلب هذه المشاريع تقف وراءها جهات متنفذة تستغل نفوذها لتحويل المجال العام إلى ملكية خاصة مربحة، متجاوزة التخطيط الحضري ومتطلبات العيش الكريم.
التفريط بالمساحات الخضراء له الكثير من الآثار، فمن الناحية البيئية يمثل فقدان المساحات الخضراء كارثة حقيقية، ذلك كون هذه المساحات لم تكن مجرد حدائق صغيرة أو قطع أرض مهملة، بل كانت تعمل كرئة للحي، تخفض درجات الحرارة، وتقلل من التلوث، وتوفر مناطق لتسريب مياه الأمطار وتقليل الغبار.
ومع إزالة هذه الرقع الطبيعية، أصبحت الأحياء أشبه بصناديق إسمنتية مغلقة، ترتفع فيها درجات الحرارة صيفا إلى مستويات خانقة، وتزداد فيها نسب التلوث، في وقت تعاني فيه البلاد أصلا من تغير مناخي متسارع.
أما من الناحية الاجتماعية، فقد تسببت هذه الظاهرة في حرمان السكان من أماكن الترفيه المجانية التي تشكل جزءًا من جودة الحياة، فالحديقة مهما صغرت تُعد مساحة آمنة للأطفال، ومكانا للتنفس لكبار السن، ومنطقة تواصل اجتماعي لسكان الحي.
ومع اختفاء هذه المساحات، أصبح السكان محاصرين داخل أبنية عالية بلا روح، بينما تتراجع العلاقات الاجتماعية نتيجة انعدام المساحات المشتركة، وبذلك تتحول الأحياء إلى تجمعات بشرية مكتظة لكن مفككة، ينفصل فيها الناس عن بعضهم وعن مدينتهم.
اقتصاديا لا تبدو المشكلة أقل خطورة، فهذه الأبراج الاستثمارية تُبنى غالبا لتحقيق مكاسب سريعة لأصحاب النفوذ، الذين يحصلون على الأراضي بأسعار زهيدة أو بقرارات استثنائية، وفي كثير من الأحيان، تُهمل معايير البنية التحتية، اذ تعاني من تردي الطرق التي تستوعب الازدحام المتولد من تحويل هذه المناطق الى سكنية، كذلك في اغلب الأحيان يتم تسليم الوحدات السكنية قبل الربط الشبكي لمياه الصرف الصحي، النتيجة أن السكان يدفعون الثمن مضاعفًا، تراجع في الخدمات، وارتفاع في الإيجارات أو أسعار السكن بسبب المضاربات العقارية.
ومن الناحية التخطيطية، فإن هذا التحول العشوائي يتعارض مع أبسط القواعد العمرانية التي تفرض نسبة محددة من المساحات الخضراء داخل كل منطقة سكنية، ففي المدن الحديثة، تُعد المناطق الخضراء جزءًا من صلب الهوية الحضرية، وليست كماليات يمكن الاستغناء عنها.
لكن في كثير من المدن العراقية، أصبح التخطيط خاضعا لإرادة المستثمر أكثر من إرادة المجتمع، ولغة الأرباح أكثر من لغة المصلحة العامة.
ما يحدث ليس مجرد توسع عمراني طبيعي، بل هو خلل بنيوي في إدارة المدن، يعكس هيمنة المصالح الخاصة على المجال العام، ولوقف هذا النزيف الأخضر، لا بد من تدخل جدي يعيد الاعتبار للتخطيط الحضري، ويضع قيودا واضحة على تحويل الأراضي السكنية إلى مشاريع عملاقة دون مراعاة للبيئة أو المجتمع، كما يتطلب الأمر تفعيل الرقابة، وإشراك السكان في اتخاذ القرارات، واعتبار المساحات الخضراء حقا عاما لا يجوز التلاعب به.