الإعلام والسياسة: الخطاب والثقافة والممارسة

علي الطالقاني

2024-02-22 07:37

في عصر الإعلام السياسي، تعد قضية الموضوعية الصحفية أمراً مهماً في "أزمة الحقيقة"، إذ تلعب وسائل الإعلام دوراً سياسياً هاماً في تعزيز ومناقشة السياسات، وكذلك نقل تمثلات السلطة، ويظهر هذا التأثير المتبادل في الممارسات الصحفية وفي كيفية بناء الأخبار ونقلها ومن خلال المنهج التحريري.

يستكشف هذا المقال العلاقة والتخادم بين الطرفين، بل إنه محاولة تحليلية في سياقات سياسية وثقافية لا يمكن التغاضي عنها وعن مخاطرها.

العلاقة في السياق التاريخي

في السابق كانت وسائل الإعلام القديمة تتكون من مؤسسات إعلامية جماهيرية وتتضمن التواصل من خلال البرامج التلفزيونية والبرامج الإذاعية والصحف وما إلى ذلك، ولعبت هذه القنوات الإعلامية القديمة دورا أساسيا في تسليط الضوء على الشخصيات السياسية وأيديولوجياتها دون منح الحرية التفاعلية مع المتلقي.

وشهد القرن الحادي والعشرون تحولاً حاداً في طريقة عمل وسائل الإعلام وسرعان ما تم استبدال الوسائط القديمة بوسائط العصر الجديد التي تتكون من مواقع الويب والتطبيقات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي ومنصات مشاركة الفيديو وهو ما دعا الشخصيات السياسية الى إنشاء قنوات مباشرة ووسائل تواصل اجتماعي خاصة لمشاركة المعلومات.

ملامح المستقبل

لقد لعبت وسائل الاعلام والاتصال أدوارا تأريخية وعصرية ترسم ملامح المستقبل وتأثير الإعلام على السياسة والعكس صحيح، وهي كالآتي:

1. قوة المعلومات التي تشكّل التصور العام: لعب الإعلام دورا كسلطة رابعة وبقدر كبير من القوة في عالم اليوم بل إنها تؤثر أيضا على المجتمع وتخضع المؤسسات للمساءلة وكذلك ما تقوم به من خلال القنوات والمنصات الإعلامية بنقل المعلومات المهمة.

بمعنى إنها جهة رقابية تسلط الضوء على الحياة الشخصية والمهنية للسياسيين وهذا ما تقوم به في معظم البلدان الحرة وأنها تزود المواطنين بالمعرفة والمعلومات.

وعلى مستوى تأطير ووضع الأوليات بما يؤثر على الرأي العام شاركت القنوات والمنصات الإعلامية في وضع جدول الأولويات من خلال بناء الروايات المختلفة للقصص الاخبارية، وتأطير القضايا وبالتالي التأثير على إدراك الجمهور واستجابته.

يمكن القول أن لوسائل الإعلام القدرة بتسليط الضوء والتأكيد على جوانب معينة من حادثة أو قصة معينة مع إهمال الجوانب الأخرى أو التقليل من شأنها بمعنى إنها أداة للتلاعب بشكل يقلل من موضوعية الأفكار والعقول القابلة للتأثر.

ومن جهة التحيز من خلال التعامل مع المشهد الإعلامي كما هو الحال مع جميع المؤسسات الأخرى، تتأثر وسائل الإعلام أيضا بالتحيزات والمؤثرات بحيث يمكن أن يظهر ذلك في التقارير أو سرد القصص أو التحليل في البرامج الحوارية. بمعنى أدى ظهور وسائل التواصل الاجتماعي إلى الحد من الصحافة المسؤولة وسمح لمزيد من التحيز بالتسلل إلى قنوات الاتصال هذه.

2. تطور الحملات السياسية: في السابق اعتاد المرشحون الاعتماد فقط على التجمعات الانتخابية التقليدية والتصويت المحدود واستخدام القنوات الإعلامية لإيصال رسائل معينة، لذا نجد أن تمجيد الحملات السياسية واستغلال المرشحون من خلال هذه المنصات لتحريف الحقائق وتقديم رؤية متحيزة لجمهورهم. وقد شهد العالم حدوث ذلك في مناسبات مختلفة استثمر السياسيين بشكل كبير في إدارة حملاتهم السياسية عبر الإنترنت.

وعلى مستوى دور المناظرات والإعلانات: تشتمل الحملات السياسية الحديثة على عنصرين رئيسيين: الإعلانات، والمناظرات السياسية، وغالبا ما يكون الأول وسيلة لجذب ناخبين جدد، فيما توفر المناقشات وسيلة للسياسيين لعرض الحجج، وتسليط الضوء على أهدافهم وتطلعاتهم للمستقبل، والتحدث عن القضايا السياسية الرئيسية.

وعلى مستوى الاتصالية نجد أنها مدمرة بشكل يضخم الأصوات حيث تُستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كقوة في الحملات السياسية ونشر المعلومات، فإنها تسمح للسياسيين بالتواصل مع ناخبيهم بشكل مباشر وتقديم معلومات عن أنفسهم بشكل إيجابي.

بالإضافة إلى ذلك، توفر هذه القنوات انتشارا سريعا للمعلومات الخاطئة والأخبار المزيفة، ويحتاج المتلقي إلى التفكير النقدي والتحليل لاستخراج الحقيقة من الكم الهائل من الأخبار.

3. دور الإعلام في المساءلة والشفافية: من بين الأدوار المهمة ما تقوم به الصحافة الاستقصائية وهي العمود الفقري للتغطية الإعلامية الجيدة، بل تلعب دورا حاسما في كشف الحقيقة وتسليط الضوء على الفساد والمخالفات التي يقوم بها أصحاب المناصب العامة.

بمعنى ان الصحفيين الذين يقومون بواجبهم بشكل جيد ومهني ويقومون بتقديم تحليلات موضوعية وغير متحيزة للقضايا يساعدون في رفع مستوى المساءلة والشفافية من خلال التقارير الجريئة والبحث الدقيق وبذل قصارى الجهد لكشف الحقيقة.

وعلى مستوى المساءلة للموظفين العامين حيث يمكن للصحافة أن تغير أحوال السياسة كما لدينا شواهد تاريخية عديدة منها الكشف عن أوراق بنما، وفضيحة ووترغيت وما قامت به الصحافة على فضح أعلى مستويات الفساد، لم تغير هذه الحالات حياة هؤلاء السياسيين فحسب، بل غذت أيضا الطلب العام على ممارسات خالية من الفساد والحوكمة الأخلاقية.

4. ثورة الرقمنة: في وقت سابق نجد أن الخطاب السياسي ومن خلال منصات التواصل كان المشاهد متفرج صامت على كل الأخبار التي تصل إليه وينظر إلى أجهزة التلفاز ويستمع إلى برامج الراديو، ولا يملك أي وسيلة للرد على الأخبار أو التعليق عليها مباشرة، ومع ذلك وظهور وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد المشاهدين متفرجين صامتين، بل أصبحوا يشاركون بنشاط في صنع الخطاب.

ومن خلال التواصل، يستطيع هؤلاء المشاهدون الآن التعبير عن آرائهم، أو التواصل مع صناع السياسات، أو مشاركة المعلومات مع بعضهم البعض كل هذا ساعد في صناعة الخطاب وجعل المشاهدين من أصحاب المصلحة المهمين.

من جانب آخر ساعدت التكنولوجيا على إنشاء الحملات والهاشتاج من أجل تحفيز الجماهير لدعم السياسيين وإحداث تغيير تحويلي في المجتمع حيث تدفع هذه الحملات واسعة الانتشار القضايا السياسية إلى دائرة الضوء وتعزز زيادة الوعي والتضامن بين المجموعات ذات التفكير المماثل.

لكن لا ينبغي الغفلة عن المخاطر المتزايدة للأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة وهي جزء من الخطاب السياسي الشعبي بما يشكل تهديدا عميقا للممارسات الديمقراطية والذي ينتشر كالنار في الهشيم، وغالبا ما يتم تمجيد الروايات الكاذبة ويمكنها التلاعب بالرأي العام بسهولة.

فيما يغفل الكثير من السياسيين عن مخاطر الأخبار المزيفة أن تقوض الثقة في القيادات وتجعل الناس يشككون في صحة الأخبار المشروعة أيضا، لذا يحتاج المتلقي إلى آليات التحقق من الحقائق، والخوارزميات، ومحو الأمية الإعلامية للهروب من خطر الأخبار المزيفة.

5. دبلوماسية العلاقات والإعلام: السياسيون وفي مناسبات عديدة تمكنوا من مخاطبة الجماهير بما يتيح لهم أن يكونوا أول من يستجيب لأي موقف معين، وهذا يعزز الشفافية والمشاركة، ولكنه يؤدي إلى تحديات جديدة فهو يسمح بالتلاعب بالتصريحات والأحداث وتقديم روايات كاذبة للجمهور.

ولو ناقشنا دور دبلوماسية الاعلام كقوة ناعمة نجد أن معظم الدول النامية والمتقدمة استخدمت وسائل الإعلام كأداة للاستفادة من قوتها الناعمة وتعزيز ثقافتها، ومن خلال القنوات والمنصات، يمكن للبلدان تسليط الضوء على قصتها ومنظورها من خلال الأفلام والأفلام والأفلام الوثائقية...

يعزز هذا التبادل الثقافي التفاهم المتبادل، ويتجاوز الاختلافات السياسية، لكن التحدي يكمن في الحفاظ على الأصالة وسط المصالح التجارية وتجنب تصور الدعاية.

6. الجانب الاعلامي المظلم: نجد أن تأثير الدعاية للحركات السياسية تأتي في مواجهة الخطاب المقنع، لذا فان التحليل النقدي مهم للغاية ورأينا على مر التاريخ كيف أثر التلاعب الإعلامي والدعاية على الرأي العام كما حدث خلال الحرب العالمية الثانية وما قام به النازيون، أو حملات الفترة السوفيتية التي تلاعبت بالجمهور، وما حدث من حروب أمريكية في منطقة الشرق الأوسط أو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني...

من جانب آخر نجد ان تقنية التزييف العميق أصبحت مألوفة لأنها تنشئ محتوى واقعي ولكن بشكل ملفق، بينما تنشر المعلومات المضللة تقارير كاذبة للتشويش، مثل هذه التقنيات لا تضر بالديمقراطية وتقلل من التماسك بين المؤسسات المجتمعية فحسب، بل تخلق أيضا مجتمعا فوضويا.

7. التوجهات المستقبلية: نجد أن الذكاء الاصطناعي تم دمجه في الصحافة وخلق ثورة في الصناعة الاعلامية من خلال استخدام أنظمة إعداد التقارير الآلية عبر خوارزميات وأدوات الذكاء الاصطناعي تهدف الى التحقق من الأخبار والتوصل إلى معلومات موثقة.

يجدر الإشارة إلى أن الزيادة في استخدام الذكاء الاصطناعي أدت إلى مخاوف أخلاقية بشكل يحد من الرقابة البشرية، وبالتالي تقليل النزاهة الصحفية، لذا يعد خلق التوازن بين استخدام الذكاء الاصطناعي والرقابة البشرية أمرا أساسيا لتحقيق الاستدامة على المدى الطويل.

خاتمة

نجد من الضروري إشاعة الثقافة الإعلامية في العصر الرقمي إذ يعد محو الأمية الإعلامية أمرا في غاية الأهمية مما يستوجب على المتلقي القدرة على التمييز بين مصادر المعلومات وتعلم كيفية التعرف على أساليب التلاعب.

وتعمل المعرفة الإعلامية على تمكين التفكير النقدي وتمكن الأفراد من الاطلاع على المصادر والمعلومات المختلفة، ويمكن للأفراد تعلم هذه المهارات من خلال التعليم والتوعية بما يجعل المجتمع أكثر يقظة.

* كاتب صحفي عراقي