الثقافة بين التنظير والتطبيق

علي حسين عبيد

2014-09-28 06:43

 

شبكة النبأ: الثقافة ليست افكار بحتة، ولا هي اقوال معفاة من التطبيق، إنها ليست كلمات ورؤى مجردة من الافعال، الثقافة في حقيقتها طريقة حياة، تضم بين طياتها جانبين متعاضدين هما الجانب التنظيري والجانب العملي، ولكن تحتاج الثقافة لكي تتحول الى منهج عمل الى مثقفين عمليين، بامكانهم تحويل الافكار الثقافية الى برامج عملية قائمة على ارض الواقع المعاش.

السؤال المهم هنا هل يستطيع المثقفون أن يصنعوا الحياة، بجوهرها الحقيقي الذي يختلف عن الحياة الرتيبة التي تعيشها بعض المجتمعات بصورة آلية لا جديد فيها، إن الاجابة عن هذا السؤال، تنطلق من مراقبة دور الثقافة والمثقفين في المجتمعات المتقدمة، فالمثقف كما نتفق، له دور مهم في بلورة ثقافة المجتمع، وتوجيهها في مسارات معينة، بالمشاركة مع منظومات التوجيه الاخرى، كالدين والعرف والاخلاق وغيرها، إن المقصود بالثقافة هنا، ليس الجانب النظري منها فحسب، وإنما طرق التفكير لعامة الشعب، وكيفية تحويلها الى منتَج عملي متحرك، يُسهم بوضوح في صناعة الحياة، ووضعها في أطر وموجهات دينية وعرفية واخلاقية تحكم مساراتها، لأننا نفهم على وجه العموم، درجة حضور الموجّهات الرديفة للثقافة في تحريك المجتمع، ونعرف مدى قدراتها في هذا المجال، ولكن يبقى المثقف ونتاجه، يتصدران تحريك الفعل المجتمعي وتوجيهه، وفي حالة حصول العكس، فإن خللا ما، لابد أن يكمن في تركيبة المثقف والثقافة معا، وما ينعكس عنها في طرق تحريك المجتمع وتفكيره، وهذا يعني أن الثقافة يجب أن تتصدر الموجهات الاخرى، في تحريك المسارات المجتمعية عموما، وهذه هي مكانتها الريادية، كما يذهب الى ذلك كثير من المفكرين، والمصلحين، والمعنيين عموما، ولكن ماذا عن مثقفينا وثقافتنا الآن، وما هو دورهم فيما يحدث الآن من حولنا، لاسيما في المنطقة التي ننتمي إليها جغرافيا وتاريخيا، والتي لا تزال تغلي من حولنا حتى اللحظة ؟، إن الإجابة عن هذا السؤال، تتطلب نظرة متأنية وفاحصة للواقع الثقافي، الذي نعيشه الآن، وقد لا أكون متسرعا حين أصفه بالواقع الثقافي الحيادي، حيث تتسيد ثقافة الترقب والانتظار لهذا الواقع وتسيّره وفقا لهذا العجز المتفاقم كما يبدو، في العلاقة بين المثقفين والمجتمع من جهة، وبين الثقافة والمجتمع من جهة أخرى، وهكذا قد لا أكون مخطئا، إذا قلت بغياب الدور الثقافي عمّا يدور في المجتمع، وهذا يعني حيادية المثقف أو خموله ووقوفه بعيدا عن الاحداث، متفرجا، أو مترقبا، يعيش حالة الانتظار، بغض النظر عن طبيعة النتائج.

وإذا اتفقنا على مثل هذا الاستنتاج، فإننا لا نغالي في وصف الثقافة بالعجز، ووصف المثقف بالتردد والتخوف من القيام بدوره، في توجيه المسارات الحركية للمجتمع، في معظم المجالات بما فيها السياسية، وأعني هنا بذل الثقافة والمثقفين، قدرا كافيا من توضيح الحريات المدنية، وشرحها ودفع المجتمع نحو استيعابها، وهضمها، والايمان بها، ثم تحريكه للمطالبة بها، وممارستها كحق إنساني، ووطني، لا يجوز لمؤسسات الدولة او السلطة، أن تلغيه أو تحرم الناس منه، مهما كانت المبررات والموانع، وهذا يدل على أن دور المثقف والثقافة، لا ينحصر في الجانب الجمالي، ولا المثالي البحت، بل هو دور فكري عملي متواشج، يقوم على إقران الفكر بالتطبيق، وصولا الى درجة تأثير عالية، في توجيه الحركة المجتمعية بمجالات عدة، تكون السياسة إحداها، أما السبل التي تحول مثل هذا الرأي او الكلام الى عمل قائم على الارض، فهي تُناط بالمثقفين أولا، وقدرتهم على مغادرة خانة الترقب والانتظار، والخروج من المواقف الحيادية التي تضر، أكثر مما تنفع.

وسوف نفهم من هذه الاستنتاجات أن المثقف يمثل عنصرا فاعلا في المجتمع، ومتحركا وناشطا عمليا، ولا يكتفي بإنتاج الفن والجمال والمتعة، وفقا لمدرسة (الفن للفن) على الرغم من أهميته، بل يتجاوز ذلك، الى تأكيد تفاعله العضوي، الذي يُشرِك غالبا بين المنتّج القولي المدرَك والمنتّج الفعلي الملموس، وبذلك سنحصل على ثقافة عملية فكرية، لا تجعل من الفكر المجرد جوهرا لها، ولا تهمله تماما، بمعنى هي عملية موازنة دقيقة، تتيح لدمج الفكر بالقول، في جوهر حركي موّحد، غايته تفعيل دور الثقافة والمثقف، في حركة المجتمع، وتمركّز الثقافة وصنّاعها، في مرتبة الصدارة، وهو ما حدث في شعوب تقدمّت علينا، بتحقيقها لهذا الشرط الثقافي، الذي أسهم في تحقيقه المثقفون العمليون، أولئك الذي لم يقفوا بعيدا عن الاحداث الساخنة، ذاهلين، او مترقبين خاملين، بل كانوا دائما وسط الجلجلة مهما كانت المخاطر المتوقَعة.