ما بعد الأربعين.. كيف اتسعت الزيارة من هويتها الشيعية إلى حضور عالمي؟
شبكة النبأ
2026-08-09 05:02
لم تعد أهمية زيارة الأربعين تُقاس فقط بما يحدث في الأيام التي تسبق العشرين من صفر، ولا بالأعداد المليونية التي تتجه إلى كربلاء، بل بما يبقى بعد انتهاء الزيارة من صور وتجارب وذكريات وأسئلة تنتقل إلى خارج العراق، وتصل إلى أشخاص لم يسبق لهم معرفة كربلاء أو التعرف عن قرب إلى المجتمع الشيعي وثقافة زيارة الإمام الحسين عليه السلام.
وفي أربعين عام 2026 ظهرت مؤشرات لافتة إلى هذا التحول. فقد أعلنت السلطات المحلية في كربلاء مشاركة أكثر من 22 مليون زائر، بينهم نحو خمسة ملايين من خارج العراق، بينما كانت بيانات عراقية سابقة خلال موسم الزيارة قد تحدثت عن دخول زوار من 172 جنسية. ومع ضخامة هذه الأرقام، فإن الجانب الأكثر أهمية بعد انتهاء الزيارة قد لا يكون العدد نفسه، وإنما الطريقة التي بدأت بها التجربة تُقرأ وتُنقل في الفضاء العالمي: المشي، والتطوع، واستضافة الغرباء، والطعام المجاني، والرعاية الطبية، والتواصل بين أشخاص ينتمون إلى لغات وثقافات وبلدان مختلفة.
وتكشف متابعة بعض النقاشات الأجنبية على شبكات التواصل أن الاهتمام لم يعد مقتصرًا على السؤال عن معنى الأربعين الديني، بل اتسع إلى أسئلة من قبيل: من يمول كل هذه الخدمات؟ لماذا يفتح العراقيون بيوتهم للغرباء؟ هل يستطيع غير الشيعي المشاركة؟ ولماذا يقطع الناس عشرات الكيلومترات سيرًا على الأقدام؟ وهنا تبدأ مرحلة أخرى من زيارة الأربعين: مرحلة انتقال التجربة من الحضور المكاني في العراق إلى الوعي الاجتماعي والثقافي خارج العراق.
من رقم كبير إلى تجربة يريد الآخرون فهمها
الأعداد الهائلة كانت لسنوات المدخل الأكثر شيوعًا لتعريف العالم بزيارة الأربعين. فهي واحدة من أكبر التجمعات الدينية السنوية في العالم، وتتكرر بصورة منتظمة، وتستقطب ملايين الأشخاص من داخل العراق وخارجه. وقد وصفت وكالة أسوشيتد برس الزيارة هذا العام بأنها من أكبر التجمعات الدينية السنوية، مع توثيق حركة الملايين نحو كربلاء وانتشار المتطوعين على الطرق لتقديم الطعام والماء والسكن والرعاية.
لكن الأرقام، مهما كانت كبيرة، لا تشرح وحدها سر التجربة. فالتحول الأكثر أهمية يحدث عندما ينتقل المتلقي من الدهشة بالعدد إلى محاولة فهم السلوك الإنساني الذي ينتج هذا العدد ويخدمه.
ما الذي يجعل أسرة عراقية تستقبل أشخاصًا لم تعرفهم من قبل؟
لماذا ينفق صاحب موكب أمواله على طعام يقدم مجانًا؟
كيف تنشأ على امتداد الطرق شبكة واسعة من الطعام والمياه والمبيت والعلاج والإرشاد من دون أن تتحول العلاقة إلى علاقة تجارية؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل ما بعد الأربعين أكثر أهمية من مجرد متابعة يوم الزيارة؛ لأن الصورة عندما تنتقل إلى الخارج تتحول من مشهد مزدحم بالملايين إلى تجربة اجتماعية تحمل معنى يمكن للإنسان، مهما كانت خلفيته، أن يفهمه.
الخدمة والضيافة.. اللغة العالمية للأربعين
من أهم العناصر التي تساعد زيارة الأربعين على العبور إلى خارج بيئتها الأصلية أن جانبًا مركزيًا منها لا يحتاج إلى ترجمة ثقافية معقدة: خدمة الإنسان للإنسان.
وقد سبق لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» أن سجلت عام 2019 تقديم الخدمات والضيافة خلال زيارة الأربعين على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية.
وتصف اليونسكو هذه الممارسة بأنها تعبير واسع عن العمل الخيري والتطوع والتعبئة الاجتماعية، ومتجذرة في تقاليد الضيافة العراقية والعربية. وتشير إلى أن الناس يقدمون أوقاتهم وأموالهم وبيوتهم، وأن المشاركين في الخدمة يشملون الأسر والطباخين والمتبرعين والفرق الطبية والمتطوعين والمرشدين، فضلًا عن المؤسسات الدينية والخدمية. وهذه النقطة بالغة الدلالة.
فما يشاهده العالم في الأربعين ليس فقط الملايين الذين يتجهون إلى كربلاء، وإنما ملايين العلاقات الصغيرة التي تنشأ على الطريق: كوب ماء، وجبة طعام، مكان للنوم، دواء، مساعدة في حمل الأمتعة أو إرشاد شخص لا يعرف الطريق.
وبذلك تتحول الخدمة إلى لغة اتصال إنسانية؛ فالزائر الأجنبي قد لا يعرف تفاصيل التاريخ الإسلامي أو الاختلافات المذهبية، لكنه يفهم معنى أن يفتح شخص بيته أمامه من دون مقابل.
عندما وصلت الأربعين إلى فضاء «ريديت»
أحد المؤشرات اللافتة هذا العام جاء من منصة «ريديت»، وهي بيئة رقمية يغلب عليها المستخدمون من خارج العالم العربي.
في الثاني من أغسطس/آب نُشر موضوع في مجتمع واسع على المنصة يقدم صورًا من العراق، ويشرح أن الناس يسيرون خلال موسم الأربعين بينما توزع على امتداد الطرق الأطعمة والمشروبات والعلاجات والخدمات مجانًا.
حصل المنشور على أكثر من 3500 تصويت إيجابي خلال أيام قليلة، لكن الأهم من الرقم كان طبيعة الأسئلة التي أثارها.
سأل أحد المشاركين: هل يقدم هؤلاء الطعام من أموالهم فعلًا؟
وأخذ النقاش يتجه إلى كيفية مساهمة الأشخاص بحسب إمكاناتهم، وإلى فكرة أن كل إنسان يستطيع أن يقدم شيئًا، حتى لو كان كمية محدودة من الفاكهة أو المياه. ووصف أحد المشاركين المشهد بأنه يشبه حركة اجتماعية كبيرة يضيف فيها كل شخص مساهمته إلى مساحة واسعة من العطاء والكرم.
إن أهمية هذا النوع من التفاعل تكمن في أن الأربعين خرجت هنا من دوائر المواقع الدينية أو الصفحات الشيعية، ودخلت إلى مجتمع رقمي عام يهتم بالصور والظواهر اللافتة حول العالم.
وهذا يعني أن الممارسة نفسها أصبحت قادرة على إثارة الفضول قبل تقديم أي خطاب نظري عنها.
من مشاهدة الصور إلى التفكير في المشاركة
الأكثر دلالة ظهر في منشور آخر على «ريديت» كتبه شخص شارك في أربعين 2026 وأتم المشي من النجف إلى كربلاء، أي نحو ثمانين كيلومترًا خلال ثلاثة أيام، وفتح باب الأسئلة للمستخدمين حول العراق والأربعين والتجربة الإنسانية للمشي.
لم تكن الأسئلة دينية فقط. إحدى المشاركات قالت إنها مسيحية، وإن ما سمعته عن التجربة جعلها تفكر في المشاركة، ثم سألت عن مدى عالمية الزيارة، وعن وجود أشخاص من أديان مختلفة، وعن تجربة تلقي الرعاية من أشخاص غرباء.
وأجاب صاحب التجربة بأنه قابل أشخاصًا من ثقافات وخلفيات دينية متعددة، وتحدث بصورة خاصة عن مستوى الضيافة والخدمة المجانية من الطعام والشراب إلى السكن والعلاج والرعاية المختلفة.
وفي موضع آخر تحدث عن لقائه بأشخاص من المسلمين السنة والمسيحيين والهندوس، مع تأكيد بقاء الأربعين تقليدًا متجذرًا في الهوية الشيعية.
وهنا تظهر نقطة مهمة في تطور حضور الأربعين عالميًا:
الآخر لم يعد يشاهد فقط، وإنما بدأ يسأل: هل أستطيع أن أكون حاضرًا؟
وهذه خطوة مختلفة تمامًا. فالانتقال من معرفة الظاهرة إلى الرغبة في اختبارها يعني أن القوة الجاذبة للأربعين أصبحت تعمل من خلال التجربة الإنسانية نفسها.
الهوية الشيعية بوابة إلى العالمية وليست نقيضًا لها
عالمية الأربعين لا تستلزم إبعادها عن أصلها الديني، بل إن قدرتها على الوصول إلى الآخرين تنطلق أساسًا من وضوح هذا الأصل.
الأربعين هي زيارة الإمام الحسين عليه السلام، وترتبط بكربلاء واستشهاده وأهل بيته وأصحابه، وبالذاكرة الشيعية التي حافظت على إحياء هذه المناسبة قرونًا طويلة.
لكن القضية الحسينية تحمل في الوقت نفسه مفاهيم يستطيع الإنسان خارج البيئة الشيعية التعرف إليها: العدالة، والكرامة، والتضحية، والثبات على المبدأ، ونصرة المظلوم، والعطاء.
وبذلك تعمل الزيارة في مستويين متكاملين:
المستوى الأول هوياتي ديني يحفظ معنى الأربعين وخصوصيتها وجذورها.
والمستوى الثاني إنساني يسمح للقيم التي تنتجها هذه الهوية بالتواصل مع الآخرين.
وهذا ربما يفسر لماذا يستطيع شخص مسيحي أو هندوسي أو مسلم من مذهب آخر أن يقف أمام مشهد الخدمة فيفهم معناه حتى قبل معرفته بالتفاصيل العقائدية.
من سؤال «من هو الحسين؟» إلى سؤال «لماذا يفعلون ذلك؟»
هذه ربما أهم نتيجة تظهر من متابعة التفاعل الرقمي الأجنبي.
عندما يشاهد المتلقي ملايين الأشخاص ويعرف أنهم يحيون ذكرى الإمام الحسين عليه السلام، يكون السؤال الأول طبيعيًا:
من هو الحسين؟
لكن عندما يشاهد ملايين الوجبات والمياه والمنازل المفتوحة والمتطوعين، يتولد سؤال مختلف:
لماذا يقدم هؤلاء كل هذا؟
السؤال الثاني يقود بالضرورة إلى الأول.
فمن يريد فهم سبب العطاء سيبحث عن الإمام الحسين، ومن يريد فهم دوافع المشي سيصل إلى كربلاء، ومن يريد معرفة سبب حرص العراقي على خدمة شخص لا يعرفه سيصل إلى مفهوم «خدمة زوار الحسين».
ومن هنا تستطيع الممارسة أن تسبق التعريف النظري.
بدل أن يبدأ التواصل بشرح طويل عن الإمام الحسين ثم الحديث عن آثار نهجه، يستطيع الشخص مشاهدة أثر من تلك الآثار أولًا، ثم البحث عن مصدره.
وهذه قدرة اتصالية استثنائية تملكها الأربعين.
اقتصاد العطاء.. تجربة مختلفة للعلاقة بين الإنسان والمال
هناك جانب آخر يثير اهتمام المتابع الأجنبي، وهو الحجم الهائل للخدمات المجانية.
في الاقتصاد الاعتيادي، تزداد الأسعار عندما يرتفع الطلب. وفي موسم يستقبل عشرات الملايين يفترض المنطق التجاري أن ترتفع أسعار الطعام والشراب والسكن والخدمات. لكن مساحة واسعة من تجربة الأربعين تعمل بمنطق آخر: كلما زاد عدد المحتاجين إلى الخدمة زاد الحافز إلى تقديمها. ولهذا تبدو المجانية إحدى أكثر عناصر التجربة إثارة لأسئلة الزوار.
أحد المشاركين في نقاش «ريديت» وصف الجمال في التجربة بأنه يكمن في أن كل إنسان يقدم ما يستطيع، ولا يوجد حد أدنى للعطاء، فيستطيع شخص أن ينشئ موكبًا كبيرًا، ويستطيع آخر أن يشتري كمية من الفاكهة ويوزعها بنفسه.
هذا النموذج يمكن تسميته اقتصاد العطاء؛ لأنه لا يلغي المال، بل يغير الغاية من استخدامه. فالمال هنا يتحول من وسيلة للحصول على المقابل إلى وسيلة لخدمة الآخر.
وكلما اتسعت هذه الممارسة تولدت ثروة اجتماعية من نوع آخر: الثقة، والتعاون، والانتماء، والكرم، والشعور بالمشاركة في هدف جامع.
التطوع من الفعل الفردي إلى القدرة المجتمعية
لا يمكن توفير الطعام والمياه والعلاج والسكن لملايين الأشخاص عبر مبادرات فردية معزولة فقط. فالزيارة تكشف عن قدرة عالية على تحويل المبادرة الشخصية إلى تنظيم اجتماعي واسع.
تشارك الأسر، والمواكب، والمؤسسات الدينية، والجامعات، والمراكز الطبية، والفرق التطوعية، والجهات الحكومية في منظومة واحدة.
وفي موسم 2026، على سبيل المثال، أعلنت مؤسسات جامعية عراقية إشراك أساتذة وطلبة من كليات الطب والتمريض والصيدلة وطب الأسنان بالتعاون مع مؤسسات صحية والهلال الأحمر العراقي لتقديم الخدمات الصحية للزائرين. وهذا يوسع معنى الخدمة. فطالب الطب لا يقدم الطعام فقط، وإنما يقدم معرفته. والطبيب يقدم تخصصه. وصاحب المنزل يقدم مساحته. وصاحب المال يمول. والشاب يقدم وقته وجهده.
وبذلك تمنح الأربعين المجتمع فرصة سنوية هائلة لتحويل إمكاناته المتنوعة إلى قدرة جماعية على الخدمة.
صورة مختلفة عن العراق
من أهم نتائج هذا الحضور الخارجي أن زيارة الأربعين تفتح نافذة مختلفة على العراق.
كثير من الأجانب يتعرفون إلى البلدان أولًا من خلال الأخبار الدولية، بينما تمنح الزيارة نوعًا مختلفًا من المعرفة: المعرفة المباشرة بالناس.
وفي نقاشات «ريديت» ظهرت أوصاف للعراقيين باعتبارهم شديدي الترحيب بالزائر، مع حديث المشاركين عن كرم الضيافة والشعور بأن الضيف موضع عناية بغض النظر عن بلده. وفي نقاش سبق الزيارة أجاب مستخدمون عراقيون عن أسئلة أجانب بالترحيب بهم، والتأكيد أن القادم إلى العراق يُعامل بوصفه ضيفًا.
وهنا تتحول الزيارة إلى شكل من أشكال التواصل الشعبي بين العراق والعالم.
الدبلوماسية التقليدية تقوم بها الحكومات والسفارات. أما دبلوماسية الأربعين فيقوم بها المواطن عندما يقدم كوب شاي لزائر من دولة أخرى، أو تستضيف عائلة شخصًا أجنبيًا في منزلها.
وقد تكون ذكرى هذه المعاملة أكثر رسوخًا لدى الإنسان من عشرات الحملات الإعلامية الرسمية.
تحوّل في كيفية التعرف إلى الشيعة
هناك بعد آخر يستحق التأمل في إطار تحولات الشيعة عالميًا. فجزء كبير من معرفة الجمهور الدولي بالشيعة تشكل خلال العقود الماضية عبر ملفات السياسة والحروب والصراعات الإقليمية.
لكن الأربعين توفر مدخلًا اجتماعيًا وثقافيًا مختلفًا.
الشيعي هنا لا يظهر أولًا بوصفه فاعلًا سياسيًا، بل بوصفه: متطوعًا، ومضيفًا، وزائرًا يسير لمسافات طويلة، وطبيبًا يعمل مجانًا، وأسرة تفتح منزلها، وشابًا يقدم الماء للغرباء.
وهذه الصورة لا تحتاج إلى صناعة أو تسويق؛ لأنها ناتجة عن الممارسة اليومية في الزيارة.
ومن هنا يمكن أن تصبح الأربعين إحدى أهم الوسائل التي يعرف من خلالها الآخرون الاجتماع الشيعي من داخله، لا من خلال الأحداث السياسية المحيطة به.
وهذا تحول مهم في الحضور العالمي للشيعة، لأن القوة الثقافية للمجتمعات لا تأتي فقط مما تقوله عن نفسها، بل مما يستطيع الآخر أن يشاهده ويختبره مباشرة.
شبكات التواصل تمدد عمر الزيارة
في الماضي، كان تأثير الزيارة الخارجي مرتبطًا بمن حضرها أو شاهد تغطيتها الإعلامية وقت حدوثها. أما اليوم، فإن كل زائر يحمل هاتفًا يمكن أن يتحول إلى ناقل للتجربة.
مقاطع الطريق، والمواكب، والمنازل العراقية، والوجبات، والمشي الليلي، والخدمات الصحية، واللقاءات بين الجنسيات، تستمر في التداول بعد انتهاء العشرين من صفر.
وقد أشار أحد المشاركين الأجانب في تجربة 2026 إلى أن كثيرًا من الناس يوثقون رحلاتهم، وأن المقاطع تنتشر عبر «إنستغرام»، كما أحال المهتمين إلى مدونات السفر والأفلام الوثائقية على «يوتيوب» لمعرفة المزيد عن التجربة.
وهكذا لا تنتهي الأربعين عند مغادرة آخر زائر لكربلاء. بل تبدأ حياة رقمية ثانية للزيارة. كل صورة يمكن أن تصل إلى شخص لم يسمع بالأربعين. وكل تجربة شخصية تستطيع فتح نقاش جديد. وكل سؤال يمكن أن يقود إلى بحث عن الإمام الحسين وكربلاء. وهذه المرحلة هي التي تجعل «ما بعد الأربعين» جديرًا بالدراسة بقدر أيام الزيارة نفسها.
من عالمية العدد إلى عالمية القيمة
يُستخدم وصف «عالمية الأربعين» عادة للإشارة إلى عدد الدول والجنسيات التي يشارك أبناؤها في الزيارة. وهذه عالمية حقيقية، خصوصًا مع وصول ملايين الزائرين الأجانب. لكن هناك مستوى أعمق يمكن تسميته العالمية القيمية. فالكرم ومساعدة الغريب والعدالة والتضحية والتعاون
والوقوف إلى جانب الإنسان المحتاج، مفاهيم عالمية.
وعندما تستطيع مناسبة دينية أن تنتج هذه القيم بصورة عملية ومشاهدة، فإنها تملك قدرة على التواصل تتجاوز حاجز اللغة والجغرافيا. وهنا لا تعود عالمية الأربعين مرتبطة فقط بالسؤال:
كم جنسية وصلت إلى كربلاء، بل أيضًا: كم إنسانًا وصلت إليه قيم كربلاء؟
ما بعد الأربعين هو بداية الأثر
بعد انتهاء الزيارة يعود الزائر إلى بلده، لكن التجربة تسافر معه. يعود ومعه الصور والفيديوهات والقصص والأصدقاء الذين تعرف إليهم والمواقف التي عاشها.
أما الشخص الذي لم يأت إلى العراق فقد يشاهد واحدة من تلك التجارب، ثم يبدأ البحث، أو يسأل، أو يقرر المشاركة في عام مقبل.
ولهذا فإن القيمة الكبرى لما بعد الأربعين تكمن في تحويل التجربة من حدث سنوي إلى ذاكرة ممتدة. وكلما تعددت اللغات التي تنقل التجربة، واتسعت شهادات المشاركين من البلدان المختلفة، وجرى توثيق العمل التطوعي والضيافة والبعد الاجتماعي، أصبحت الأربعين أكثر قدرة على بناء حضور عالمي مستدام.
استنتاجات
1. تتسع عالمية زيارة الأربعين من العدد إلى المعنى. فالملايين تلفت الانتباه، لكن الخدمة والضيافة والتطوع هي التي تساعد الجمهور الخارجي على فهم التجربة.
2. الهُوية الشيعية والعالمية الإنسانية مساران متكاملان. فالأربعين تستمد معناها من الإمام الحسين عليه السلام، بينما تسمح القيم التي يمثلها بالتواصل مع أناس من خلفيات متعددة.
3. الخدمة أصبحت إحدى أقوى وسائل التعريف بالأربعين. وهي حقيقة تعززها اليونسكو بتسجيل تقاليد الضيافة والخدمة في العراق ضمن التراث الثقافي غير المادي للإنسانية.
4. شبكات التواصل تفتح مساحة جديدة أمام الأربعين. ووصول منشور عنها إلى أكثر من 3500 تصويت على مجتمع عام في «ريديت» يعكس قدرة المشاهد الاجتماعية للزيارة على جذب مستخدمين خارج الدوائر المعتادة للمهتمين بها.
5. بدأ الفضول يتحول إلى رغبة في التجربة. فأسئلة بعض المستخدمين المسيحيين وغير الشيعة عن إمكان المشاركة تكشف انتقالًا من المشاهدة إلى التفكير في الحضور الشخصي.
6. الأربعين تقدم صورة اجتماعية جديدة عن الشيعة. صورة تقوم على الخدمة والعطاء والتطوع والقدرة على بناء تعاون جماعي واسع.
7. كما تقدم وجهًا آخر للعراق. فالزائر يلتقي المجتمع العراقي مباشرة من خلال بيته وموكبه وطعامه وضيافته، وهو شكل من أشكال التواصل الشعبي مع العالم.
8. التطور الأهم يبدأ بعد مغادرة الزائر. لأن ما ينقله معه من صور وتجارب وذكريات يجعل الأربعين حاضرة في مجتمعات لم تصل إليها الزيارة ميدانيًا.
9. المعيار الأوسع لعالمية الأربعين ليس فقط عدد الجنسيات المشاركة، وإنما قدرة قيم كربلاء على أن تصبح مفهومة وملهمة لإنسان لم يولد داخل البيئة الشيعية.
وفي هذا المعنى، فإن ما بعد الأربعين لا يمثل نهاية الموسم، بل بداية دورة جديدة من تأثيره. فحين يعود الملايين إلى بلدانهم، وتبدأ تجاربهم بالانتقال عبر اللغات والمنصات والمجتمعات، تتحول زيارة الإمام الحسين عليه السلام من مسيرة تنتهي في كربلاء إلى رسالة إنسانية تستمر في السفر بعدها.