هل تتحول الطاقة الحضارية الهائلة التي تنتجها كربلاء إلى مشروع لبناء الإنسان والدولة والحضارة؟
محمد عبد الجبار الشبوط
2026-08-08 08:33
هذا، في تقديري، هو السؤال الأكبر الذي ينبغي أن يطرحه الفكر الإسلامي المعاصر على نفسه، وهو سؤال لا يقل أهمية عن الأسئلة التقليدية التي شغلت العلماء والباحثين طوال القرون الماضية حول مشروعية الشعائر، أو تاريخها، أو أحكامها الفقهية، أو فضائلها الدينية. فهذه الموضوعات، على أهميتها، لم تعد وحدها كافية للإجابة عن التحديات التي تواجه الأمة في القرن الحادي والعشرين. لقد أصبح من الضروري أن نضيف إليها سؤالًا جديدًا: ماذا تنتج هذه الشعائر في حياة الإنسان والمجتمع؟ وما مقدار إسهامها في بناء الحضارة؟
إن من يقف في كربلاء خلال زيارة الأربعين، أو يشاهد الصور الجوية للحشود البشرية التي تملأ الطرق المؤدية إلى المدينة وإلى ضريحي الإمام الحسين وأخيه العباس عليهما السلام، لا يستطيع أن يتعامل مع ما يراه بوصفه مجرد ممارسة دينية عادية. إننا أمام واحدة من أضخم الظواهر الاجتماعية في العالم المعاصر، إذ تتحرك ملايين البشر، من عشرات الدول، مدفوعة بإيمان واحد، وقصة واحدة، ورمز واحد، وغاية واحدة، وتقبل طوعًا مشقة السفر الطويل، والازدحام، والتعب، والحرارة، والإنفاق، من أجل المشاركة في حدث يعود إلى أكثر من أربعة عشر قرنًا.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: كيف بقيت هذه الذكرى حية كل هذا الزمن؟ فهذا السؤال أجابت عنه كتب التاريخ والعقيدة مرارًا. وإنما السؤال هو: كيف استطاعت هذه الذكرى أن تستمر في إنتاج هذا القدر الهائل من الطاقة الإنسانية، ولماذا لم تتحول هذه الطاقة، بالقدر نفسه، إلى قوة منتجة للحضارة؟
إن العلوم الإنسانية الحديثة تقدم لنا أدوات مهمة لفهم هذه الظاهرة، لكنها لا تقدم الإجابة النهائية عنها. فكل علم يضيء جانبًا منها، ويكشف قانونًا من قوانينها، لكنه يتوقف عند حدود اختصاصه، تاركًا السؤال الحضاري الأكبر بلا جواب. ولهذا فإن المطلوب ليس رفض هذه العلوم، ولا الاكتفاء بها، وإنما إدخالها في حوار مع الفلسفة الحضارية، حتى تتحول معارفها الجزئية إلى رؤية كلية.
فعلم الاجتماع الديني، منذ إميل دوركايم، يلفت النظر إلى أن الدين ليس مجرد علاقة فردية بين الإنسان وربه، وإنما هو أيضًا قوة اجتماعية تنتج الجماعة وتحافظ على تماسكها. ويرى أن الشعائر الجماعية ليست تعبيرًا عن الإيمان فحسب، بل هي الوسيلة التي يعيد بها المجتمع إنتاج نفسه، وتجديد قيمه، وتعميق شعور أفراده بالانتماء إلى كيان واحد. ومن هذا المنظور، فإن زيارة الأربعين تؤدي وظيفة اجتماعية بالغة العمق؛ فهي لا تستدعي ذكرى كربلاء فحسب، بل تعيد في كل عام بناء الذاكرة الجمعية للمجتمع الشيعي، وتربط الأجيال الجديدة بالرموز المؤسسة لهويته، وتجعل الماضي جزءًا حيًا من الحاضر. غير أن علم الاجتماع، على الرغم من أهمية هذا التفسير، يقف عند حدود وصف الوظيفة الاجتماعية للشعيرة، ولا يسأل: ماذا ينبغي أن تنتج هذه الهوية الجمعية بعد أن تتكون؟ وكيف تتحول من رابطة وجدانية إلى مشروع حضاري؟
وعندما ننتقل إلى علم النفس الاجتماعي نجد أنه يفسر جانبًا آخر من الظاهرة. فالإنسان داخل الحشد لا يبقى هو الإنسان نفسه خارج الحشد. إن وجوده بين مئات الآلاف من الأشخاص الذين يتحركون بالحركة نفسها، ويرددون الشعارات نفسها، ويعيشون الانفعال نفسه، يولد حالة من الاندماج الجمعي تجعل الفرد يشعر بأنه جزء من ذات أكبر منه. كما أن انتقال المشاعر بين أفراد الحشد، وهو ما يسميه علماء النفس بالعدوى الانفعالية، يفسر لنا كيف تنتقل مشاعر الحزن والبكاء والحماس بسرعة مذهلة، حتى يصبح الحشد كله كأنه كائن نفسي واحد. لكن علم النفس أيضًا يتوقف عند تفسير الآلية، ولا يتجاوزها إلى السؤال عن الغاية. فهو يشرح كيف تتولد الطاقة العاطفية، لكنه لا يسأل: ماذا نفعل بهذه الطاقة بعد أن تتولد؟
ثم تأتي الأنثروبولوجيا لتضيف بعدًا ثالثًا، إذ تنظر إلى الشعائر بوصفها منظومة من الرموز الثقافية. فالراية، واللون الأسود، والمشي الطويل، واللطم، والقصائد، والمواكب، والطعام المجاني، ليست في نظرها أفعالًا منفصلة، وإنما لغة رمزية كاملة تحمل معاني التضحية، والوفاء، والولاء، والكرامة، ورفض الظلم، واستمرار العهد مع المثال الأعلى الذي يمثله الإمام الحسين. ومن هنا فإن الأنثروبولوجي لا يسأل: هل هذه الأفعال صحيحة أو خاطئة؟ بل يسأل: ماذا تعني داخل الثقافة التي أنتجتها؟ وكيف تعيد هذه الرموز تشكيل هوية الجماعة؟ وهو سؤال مشروع ومهم، لكنه أيضًا لا يتجاوز حدود الوصف الثقافي.
أما علم الذاكرة الجماعية، كما تطور في أعمال موريس هالبواكس ومن جاء بعده، فيفسر لنا كيف تستطيع المجتمعات أن تجعل حدثًا وقع قبل قرون طويلة حاضرًا في وجدانها اليومي. فالماضي، في نظر هذا العلم، لا يبقى محفوظًا كما وقع، وإنما يعاد بناؤه باستمرار في ضوء حاجات الحاضر.
ولهذا فإن كربلاء ليست بالنسبة للمشاركين في الزيارة واقعة انتهت سنة إحدى وستين للهجرة، وإنما هي نموذج أخلاقي دائم الحضور، يستعاد كل عام ليعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والحق والظلم والتضحية. وهذا يفسر استمرار حضور الحسين في الوعي الجمعي، لكنه لا يجيب أيضًا عن السؤال الحضاري: ماذا يصنع هذا الحضور في الواقع؟
وإذا نظرنا إلى الظاهرة من زاوية الاقتصاد الاجتماعي وجدنا أنفسنا أمام مشهد لا يقل إدهاشًا. فالملايين التي تتحرك نحو كربلاء لا تعتمد في جزء كبير من احتياجاتها على السوق، وإنما على منظومة تطوعية هائلة تشمل الطعام، والسكن، والنقل، والعلاج، والخدمات، والتنظيف، والأمن، وكلها تقدم بمبادرات أهلية مجانية. إننا أمام اقتصاد موازٍ يقوم على العطاء لا على الربح، وعلى الثقة لا على العقود، وعلى الخدمة لا على المنفعة الشخصية. وهذه الظاهرة تستحق أن تدرس بوصفها واحدة من أكبر تجارب الاقتصاد التطوعي في العالم، لأنها تكشف عن قدرة المجتمع على تعبئة موارده الذاتية عندما تتوافر له منظومة قيم مشتركة. ولكن يبقى السؤال: لماذا ينجح المجتمع في إنتاج هذا الاقتصاد الأخلاقي أيام الزيارة، ثم يعجز عن إنتاج أخلاقيات مماثلة في الإدارة العامة، أو في الاقتصاد الوطني، أو في مؤسسات الدولة؟
ومن زاوية علم السياسة، تكشف زيارة الأربعين عن حقيقة أخرى، وهي أن أي تجمع بشري بهذا الحجم يمتلك بالضرورة قدرة اجتماعية وسياسية هائلة، سواء استُخدمت هذه القدرة في المجال السياسي أم لم تُستخدم. ولهذا لم يكن من المصادفة أن تنظر السلطات المتعاقبة إلى هذه الزيارة بوصفها حدثًا يتجاوز البعد التعبدي، وأن تحاول في مراحل مختلفة منعها أو الحد منها، لأنها كانت تدرك أن المجتمع القادر على تنظيم ملايين البشر حول فكرة واحدة يمتلك رصيدًا هائلًا من رأس المال الاجتماعي. لكن السياسة أيضًا لا تجيب عن السؤال الذي يهمنا هنا، وهو كيف يتحول هذا الرأس المال الاجتماعي إلى رأس مال حضاري.
إن اللافت للنظر أن جميع هذه العلوم، على اختلاف مناهجها، تلتقي عند حقيقة واحدة، هي أن زيارة الأربعين تنتج طاقة اجتماعية وأخلاقية ونفسية وتنظيمية هائلة، لكنها تختلف في تفسير منشأ هذه الطاقة ووظيفتها، ثم تتوقف عند هذا الحد. أما الفلسفة الحضارية فإنها تبدأ من النقطة التي تتوقف عندها هذه العلوم. فهي لا تنكر شيئًا من نتائجها، بل تستوعبها جميعًا، ثم تطرح السؤال الذي لا يدخل عادة في اختصاصها: ما الغاية من هذه الطاقة؟
إن الطاقة ليست قيمة في ذاتها، وإنما تصبح قيمة عندما تتحول إلى عمل منتج. والطاقة الروحية ليست استثناء من هذه القاعدة. فإذا استطاعت هذه الشعيرة أن تربي الإنسان على الصدق، والأمانة، والانضباط، والإتقان، واحترام القانون، ومحاربة الفساد، وخدمة المجتمع، فإنها تكون قد تحولت إلى قوة حضارية حقيقية. أما إذا بقيت محصورة في حدود الانفعال العاطفي، مهما كان صادقًا وعظيمًا، فإنها تبقى طاقة كامنة لم تستثمر كامل إمكاناتها.
ومن هنا فإن الفلسفة الحضارية لا تسأل: كم مليون إنسان شارك في الزيارة؟ لأن هذا سؤال إحصائي. ولا تسأل: كم موكبًا أقيم؟ لأن هذا سؤال تنظيمي. ولا تسأل: كم وجبة طعام وزعت؟ لأن هذا سؤال خدمي. وإنما تسأل سؤالًا آخر: كم إنسانًا عاد من كربلاء أكثر التزامًا بقيم الحسين في عمله، وفي أسرته، وفي جامعته، وفي مؤسسته، وفي علاقته بالمال العام، وفي مقاومته للفساد، وفي احترامه للقانون، وفي إتقانه لعمله؟ لأن هذا هو المعيار الذي يقيس انتقال الشعيرة من المجال التعبدي إلى المجال الحضاري.
إن الإمام الحسين لم يخرج ليؤسس طقسًا، وإنما خرج ليؤسس قيمة. وكل شعيرة لا تنتهي إلى إنتاج القيمة التي قامت من أجلها، تبقى ناقصة من الناحية الحضارية، مهما بلغت عظمتها الدينية. ولهذا فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأمة اليوم ليس أن تثبت قدرتها على الوصول إلى كربلاء، فقد أثبتت ذلك بصورة مبهرة، وإنما أن تثبت قدرتها على أن تجعل من كربلاء مدرسة دائمة لإنتاج الإنسان الحضاري، وأن تحول الملايين التي تجتمع حول الحسين كل عام إلى ملايين تبني العلم، وتحارب الفساد، وتعظم القيمة، وتقلل الهدر، وتقيم الدولة الحضارية الحديثة التي تصبح فيها قيم كربلاء جزءًا من حياة المجتمع اليومية، لا ذكرى سنوية تستعاد بالعاطفة ثم تنتهي بانتهاء الموسم.