الأبعاد التنموية في الزيارة الأربعينية
شبكة النبأ
2026-08-03 04:35
بقلم: أ.م.د. مواهب الخطيب
أطروحة السماء في تنمية المجتمعات البشرية هي تقديم المنهج المتمثل بالكتب السماوية، وآخرها القرآن الكريم، كمنهج متكامل. وقد عرّف الله فيه نماذج للناس ممن أدى ارتباطهم به وتمسكهم بمنهجه إلى نجاحهم وتمكينهم في الأرض، كالأنبياء والأئمة، ليوصلنا من خلالهم إلى النجاح في الدارين. وفيما يلي نسلط الضوء على ممارسات الطقوس والشعائر الحسينية، ثم نعقد مقارنة بين ما يُقدم من أطروحات للتنمية البشرية من قبل الإنسان مع ما يقدمه القرآن الكريم.
ولأن التنمية البشرية قائمة على ذات الإنسان وتهدف إلى إحداث التغيير فيه نحو الأفضل، والسعي إلى استغلال الطاقات الداخلية المودعة فيه من خلال تقويم سلوكياته ومعاملاته، وهو عين ما أشار له القرآن الكريم من خلال آياته التي توضح أن منبع التغيير هو من داخل الإنسان، فضلًا عما أوضحته آيات أُخر إلى ما أودعه جل وعلا في النفس البشرية من قدرات وقابليات لم يلحظها الإنسان، لذا جاء الخطاب على ذلك النحو الذي يشير إلى وضوح تلك الحقيقة.
وكل ما علينا هو التبصر والبحث أكثر في داخلنا لنكتشف تلك القوى الهائلة التي جعلت من الإنسان وكماله الهدف الأسمى للرسالات، بل إنه استحق شرف التكريم الإلهي بالخلافة على الأرض لما أُودع فيه، وعليه أن يتخذ من المنهج الحق نبراسًا له في مسيرته، ويتخذ من الأنبياء والأولياء والصالحين قدوة في سلوكياته.
من خلال مطالعتك للقرآن الكريم، سوف تستكشف مجموعة من الأسس النظرية للمنهج التنموي الإسلامي، وهي توضح طبيعة هذا المنهج وخصوصيته وتميزه. فهو يستند إلى رؤية شاملة متكاملة للإنسان والكون، تنعكس إشعاعات هذه الرؤية في صياغة جوانب المنهجية التنموية الإسلامية المتأسسة على ركائز أساسية تتمثل بمبدأ التسخير: ((وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ))، والاستخلاف: ((إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً))، والمنهج التكاملي المفتوح.
ومن خلال هذه الفلسفة العامة التي يستند إليها المنهج التنموي الإسلامي، وفي ضوء مبدأي الاستخلاف والتسخير، تتضح الخطوط الأساسية لمنهجه التنموي، والتي تتمثل بمنهج التمكين الاقتصادي، كما مكّن ليوسف (عليه السلام) عندما التزم بمنهج الله، والتمكين الاجتماعي للخاتم (صلى الله عليه وآله)، وهكذا يتضح المضمون الأساس للخطاب التنموي الإسلامي، كما يعبر عن ملامحه الأساسية، بالإضافة إلى دور الدولة في المنهج التنموي الإسلامي، والذي يمثل الجانب الثاني المميز من مضامين الخطاب التنموي الإسلامي: ((وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)).
تطبيقات تنموية في الزيارة الأربعينية
لو أمعنا النظر في الروايات التي تعلمنا آداب الزيارة، ومن ثم مارسناها بشكل واعٍ، لعرفنا جيدًا أنها تصب في تنمية الفرد والمجتمع. وإليكِ بعض هذه التطبيقات:
أولًا: تنمية الذات والتحكم بها
1. تنمية الوعي: ((من زار الحسين عارفًا بحقه...))، وهذه تعلمك أن تكون واعيًا عارفًا.
2. ((يا جابر... اغتسل وتعطر واذهب للزيارة)).
3. إدارة المشاعر والعواطف، البكاء والتباكي: ((من بكى أو تباكى على الحسين...)).
4. الاتزان في جميع الأركان.
5. الركن الروحي: ((ثار الله وابن ثاره))، وهو ما يمنح الفرد سمة التسامح المتكامل والعطاء غير المشروط.
6. الركن الشخصي، من خلال قراءتك للزيارة بما يعرّفك بشخصيتك ويدعوك لعمل مقارنة بينك وبين أبطال كربلاء.
7. الركن العائلي: اصطحب أفراد عائلتك واقرنهم بفعل الحسين (عليه السلام).
8. الركن الاجتماعي: أن تعطف على المحتاج والضعيف، وتدعو إلى مكارم الأخلاق، والتشارك في العمل العام.
9. الركن المادي: ترشيد المصروف المادي.
آداب الزيارة
ذكر الشهيد الأول، والذي يُعد أحد مفاخر الطائفة الشيعية، آدابًا لزيارة قبور المعصومين (عليهم السلام)، إذ يقول فيها: "وللزيارة آداب:
أحدها: الغسل قبل دخول المشهد، والكون على طهارة". وفي مورد آخر: "وإتيانه بخضوع وخشوع في ثياب طاهرة نظيفة جدد".
ثانيها: الوقوف على بابه والدعاء والاستئذان بالمأثور، فإن وجد خشوعًا ورقة دخل، وإلا فالأفضل له تحري زمان الرقة؛ لأن الغرض الأهم حضور القلب لتلقي الرحمة النازلة من الرب، فإذا دخل قدم رجله اليمنى، وإذا خرج فباليسرى.
ثالثها: الوقوف على الضريح ملاصقًا له أو غير ملاصق، وتوهم أن البعد أدب وهم، فقد نص على الاتكاء على الضريح وتقبيله.
رابعها: استقبال وجه المزور واستدبار القبلة حال الزيارة، ثم يضع عليه خده الأيمن عند الفراغ من الزيارة ويدعو متضرعًا، ثم يضع عليه خده الأيسر ويدعو سائلًا من الله تعالى بحقه وبحق صاحب القبر أن يجعله من أهل شفاعته، ويبالغ في الدعاء والإلحاح، ثم ينصرف إلى ما يلي الرأس، ثم يستقبل القبلة ويدعو.
خامسها: الزيارة بالمأثور، ويكفي السلام والحضور.
سادسها: صلاة ركعتي الزيارة عند الفراغ، فإن كان زائرًا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ففي الروضة، وإن كان لأحد الأئمة (عليهم السلام) فعند رأسه، ولو صلّاهما بمسجد المكان جاز، ورويت رخصة في صلاتهما إلى القبر، ولو استدبر القبر وصلى جاز، وإن كان غير مستحسن إلا مع البعد.
سابعها: الدعاء بعد الركعتين بما نُقل، وإلا فبما سنح له في أمور دينه ودنياه، وليعمم الدعاء، فإنه أقرب إلى الإجابة.
ثامنها: تلاوة شيء من القرآن عند الضريح وإهداؤه إلى المزور، والمنتفع بذلك الزائر، وفيه تعظيم للمزور.
تاسعها: إحضار القلب في جميع أحواله مهما استطاع، والتوبة من الذنب والاستغفار والإقلاع.
عاشرها: التصدق على السدنة والحفظة للمشهد وإكرامهم وإعظامهم، فإن فيه إكرام صاحب المشهد (عليه الصلاة والسلام). وينبغي لهؤلاء أن يكونوا من أهل الخير والصلاح والدين والمروءة والاحتمال والصبر وكظم الغيظ، خالين من الغلظة على الزائرين، قائمين بحوائج المحتاجين، مرشدي ضالي الغرباء والواردين. وليتعهد الناظر فيه أحوالهم، فإن وجد من أحد منهم تقصيرًا نبهه عليه، فإن أصر زجره، من باب النهي عن المنكر.
حادي عشرها: أنه إذا انصرف من الزيارة إلى منزله استُحب له العود إليها ما دام مقيمًا، فإذا حان الخروج ودّع ودعا بالمأثور، وسأل الله تعالى العود إليه.
ثاني عشرها: أن يكون الزائر بعد الزيارة خيرًا منه قبلها، فإنها تحط الأوزار إذا صادفت القبول.
ثالث عشرها: تعجيل الخروج عند قضاء الوطر من الزيارة، لتعظيم الحرمة ويشتد الشوق، وروي أن الخارج يمشي القهقرى حتى يتوارى.
التنمية هي عملية تنطلق من الإنسان بحفظ كرامته ورعاية حقوقه وحريته ورفع قيمته وزيادة كفاءته وتنمية قدراته من أجل رفع درجة مساهمته الإيجابية.
إذًا، موضوع التنمية هو الإنسان، يبدأ به وينتهي به، فهو للإنسان وبالإنسان.
والمستهدف من التنمية هو ترقية مقومات الإنسان وتحسينها وحمايتها، والتي جمعها علماء الإسلام في خمسة مقاصد، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
وإنما بعث الله الأنبياء والرسل من أجل تربية وتنمية هذه المقاصد الخمسة، فإذا نمت هذه المقاصد الخمسة وتربّت تربية قرآنية، سوف يكون الإنسان خليفة الله في الأرض، ويحقق هدف الأنبياء والرسل، ويهتدي بهدى الله: ((ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)).
ونرى الآيات الشريفة تخاطب أصحاب العقول خاصة؛ لأن الذي لا يحاول أن ينمي إدراكاته لا فائدة من خطابه.
فالعقل سيد مقومات الإنسان، وأول ما خاطب الله سبحانه وتعالى خاطب العقل المحمدي فقال له: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)).
وذلك لأن العقل سيد مقومات الإنسان وقواه، وبالعقل يقبل الدين، وبالعقل تطبق الشريعة، وبالعقل يحاسب ويُثاب. فأول ما شرع القرآن الكريم في تنميته هو العقل، فإذا نما العقل وتربّى تبدأ عملية التغيير في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويتبع تنمية العقل تطبيق الشريعة الإسلامية والتمسك بالعقيدة الحقة، وتتعبأ الطاقات البشرية للتوسع في عمارة الأرض والكسب الحلال بأفضل الطرق الممكنة.
وهكذا نرى أن مقصد تنمية العقل وترقيته من أهم المقاصد، ومن بعده يمكننا أن نشرع بتنمية بقية المقاصد: الدين، والنفس، والنسل، والمال.
أما النسل، فبتنميته يبقى الإنسان على وجه الحياة ويستمر به الوجود، فوضع الله له حقوقًا وواجبات بها يُثاب ويُعاقب، فقال سبحانه وتعالى: ((يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ))، وقال تعالى: ((وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ)).
أما المال، هذا المقوم الأساسي للإنسان في الحياة الدنيا وللمجتمع، فقد اهتم الإسلام بالتنمية الاقتصادية؛ لأنها دخل المسلم وبها يتقوى على أعدائه.
فوضع الله سبحانه ما على الإنسان من واجبات وحقوق تجاه هذا المقوم، وذكر تعاليمه وتوجيهاته الاقتصادية بعد الإيمان بالله مباشرة أو بعد الصلاة. قال سبحانه وتعالى: ((وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)). وفي آيات كثيرة ينظم اقتصاد المسلمين كفرد مسلم وما يجب عليه من حقوق وواجبات تجاه المال الذي رزقه الله إياه، فقال تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ))، وقال تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ))، أو كدولة، وكيف يجب عليها تقسيم أموال المسلمين، فقال تعالى: ((إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ)).
فنلاحظ أن التنمية الاقتصادية في القرآن لها أهمية كبيرة، لعدة أسباب، منها أن المجتمع الإسلامي لا يتقوى ولا يتكون إلا بها، فهي عمارة البلاد، لقوله سبحانه: ((هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)).
ومن هنا كانت عمارة الأرض فريضة دينية من حيث إنها أمر من الله واجب الامتثال، فيجب على الإنسان، الذي هو خليفة الله على الأرض، أن يتخذ التدابير اللازمة لتحقيقه والقيام به على الوجه الأمثل.
إلا أن قصد الشارع من الإعمار لا يقتصر على إعمار الأرض ماديًا فقط وعلى ما بها من إمكانات قد سخرها الله لخدمة البشر، وإنما يمتد الإعمار ليحقق أُسس التوزيع العادل لهذا النمو المادي. وهذا من الأمور المسلّمة، فلا تعمر البلاد من دون العدل؛ لأن بالجور نقصان البلاد وانعدام البركة، ويعم الظلم ويكثر الفقر، فلا تعمر البلاد بالجور والظلم.
فالتنمية في الإسلام هي عمارة البلاد من خلال تحقيق التقدم الاقتصادي وتوفير عدالة التوزيع.
المقصد الرابع هو النفس. قال تعالى: ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)). آيات كثيرة تتحدث عن تربية النفس وتزكيتها، ومن هذه الآيات يمكننا أن نتعرف على مفهوم التنمية. ففي هذه الآية تُعرَّف التقوى على أنها جعل النفس في وقاية مما يخاف.
والإلهام هو إفاضته تعالى الصور العلمية من تصور أو تصديق على النفس.
هذا يعني أن الله خلق نفس الإنسان وفيها إدراك وتعقل، لتميّز بين الفجور والتقوى. فكل فعل يفعله الإنسان يحمل صفة إما الفجور أو التقوى، والإنسان بطبيعة نفسه وخلقته التكوينية يميّز بين الفجور والتقوى. فإذا كان عمله على وفق القوانين الإلهية يحمل صفة التقوى، وإذا خالف أوامر الله في أفعاله فسوف يحمل فعله صفة الفجور. وكل عاقل ذي لب يدرك أن الزنا فجور، والنكاح تقوى، وأن أكل مال اليتيم فجور، والاكتساب والعمل تقوى. وهكذا، فإلهام الفجور والتقوى في النفس، وهو العقل العملي من تكميل تسوية النفس، من نعوت خلقتها.
ثم قال سبحانه: ((قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)). بعد المعرفة يأتي دور التربية والتزكية والتنمية لهذه النفس التي ألقى الله فيها هذه الصور العلمية من الفجور والتقوى. والتزكية هي نمو الشيء نموًا فيه صلاح وبركة، فعمل الإنسان بالتقوى تزكية لنفسه، مما يؤدي إلى نموها نموًا صالحًا وتزويدها في البقاء والخلود في السعادة الأبدية.
وعند تحقق التنمية في مقاصدها الخمسة، سوف تؤدي إلى تحسن العلاقات الأخوية التي من أجلها بعث الله الرسل. فإن مهمة جميع رسل الله كانت لتحسين علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وعلاقة الإنسان بالمجتمع الذي يعيش فيه، وعلاقته بالطبيعة. وهذه العلاقات لا تتحقق إلا بتحسين علاقة الإنسان بخالقه ومدبر أمره، وهي تنمية الدين، وهو المقصد الأخير من المقومات التي ذكرها العلماء في التنمية. إذًا، التنمية هي عملية بناء ذات طبيعة شاملة تتناول جميع جوانب حياة الإنسان، من الروحية والخلقية والاجتماعية والسياسية في آن واحد، وهي عملية تغيير لجميع هذه الجوانب تؤدي إلى استخدام طاقات الإنسان وإمكاناته وإبداعاته العقلية، لخلق إنسان مثالي تتحقق فيه شروط الخلافة.