كربلاء الحسين: وطنٌ لكلِّ قلبٍ ينشدُ الحقيقة
علي إسحاق
2026-07-29 03:59
منذُ أكثرَ من ألفٍ وأربعمائةٍ وخمسين عامًا، ارتقى الإمامُ الحسينُ عليه السلام شهيدًا على ثرى كربلاء، غير أنَّه لم يغبْ عن صفحاتِ التاريخ، بل غدا تاريخًا ناطقًا يسكنُ ضميرَ الإنسانية، ونورًا تهتدي به الأجيالُ كلما ادلهمَّت ظلماتُ الظلم. فما من شخصيةٍ في التاريخ اجتمعت عليها القلوبُ، على اختلافِ الأديانِ والمذاهبِ والأعراق، كما اجتمعت على الحسين؛ إذ تزحفُ إليه القلوبُ قبلَ الأقدام، وتبكيه الأرواحُ قبلَ العيون، لأنَّه لم يكن طالبَ سلطانٍ، ولا صاحبَ مطمعٍ، بل كان حاملَ رسالةٍ، ومشروعَ كرامةٍ، ونهضةَ إصلاحٍ تحفظُ للإنسان إنسانيته، وللأمةِ عزَّتها، وللدينِ نقاءَه.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169). وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90). فكانت نهضةُ الإمام الحسين عليه السلام التجسيدَ الأسمى للعدلِ والإحسان، والثورةَ الخالدةَ في وجهِ الظلمِ والطغيان.
وقال رسولُ الله صلى الله عليه وآله: «حسينٌ مني وأنا من حسين، أحبَّ اللهُ من أحبَّ حسينًا.» (المصدر: سنن الترمذي، كتاب المناقب، حديث 3775، وقال: حديث حسن).
وقال الإمامُ جعفرُ الصادقُ عليه السلام: «إنَّ لِقَتْلِ الحسينِ حرارةً في قلوبِ المؤمنين لا تبردُ أبدًا.» (المصدر: كامل الزيارات لابن قولويه، الباب 26، الحديث 3).
وقال الإمامُ الحسينُ عليه السلام: «إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجتُ لطلبِ الإصلاحِ في أمةِ جدي.» (المصدر: تاريخ الطبري، ج5، وبحار الأنوار، ج44).
وقال أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالبٍ عليه السلام: «كونوا للظالمِ خصمًا، وللمظلومِ عونًا.» (المصدر: نهج البلاغة، الكتاب 47).
وقال الإمامُ جعفرُ الصادقُ عليه السلام: «كلُّ الجزعِ والبكاءِ مكروهٌ سوى الجزعِ والبكاءِ على الحسين.» (المصدر: كامل الزيارات، الباب 32).
إنَّ الحسينَ عليه السلام ليس ذكرى تُستعادُ في موسمٍ من المواسم، ولا اسمًا يُتلى في صفحاتِ التاريخ، بل هو قيمةٌ إنسانيةٌ خالدة، ومدرسةٌ متجددة، ومشروعُ وعيٍ لا ينقضي. ففي البعدِ الإنساني علَّم العالمَ أنَّ الإنسانَ لا تُقاسُ قيمتُه بما يملك، بل بما يبذلُ من أجلِ الحقِّ والكرامة. وفي البعدِ الاجتماعي رسَّخ ثقافةَ الإيثارِ والتكافلِ والوفاءِ، حين قدَّم أهلُ بيته وأصحابُه أروعَ صورِ التضحيةِ والفداء.
وفي البعدِ الثقافي، أصبحت كربلاءُ منبعًا للفكرِ والأدبِ والفنِّ والوعي، واستلهم منها الشعراءُ والمفكرون والأحرارُ قيمَ الحريةِ والعدالةِ والكرامة. أمَّا في البعدِ الأخلاقي، فقد تجسَّدت في شخصِ الحسين عليه السلام معاني الصدقِ والرحمةِ والعفَّةِ والوفاءِ، حتى مع خصومه، فكان خُلُقُه أبلغَ من كلِّ خطاب.
وفي البعدِ الفلسفي، أثبتت كربلاء أنَّ الإنسانَ يُخلَّدُ بموقفِه لا بعمرِه، وأنَّ الانتصارَ الحقيقيَّ هو انتصارُ المبدأ، وإن بدا في ظاهره تضحيةً أو شهادةً؛ فالحياةُ مع الذلِّ موت، والموتُ في سبيلِ الحقِّ حياةٌ خالدة.
وفي البعدِ الاقتصادي، تُعلِّمنا نهضةُ الحسين أنَّ المالَ يجب أن يكون وسيلةً لإقامةِ العدلِ وخدمةِ الإنسان، لا أداةً لشراءِ الذممِ وتكريسِ الاستبداد، وأنَّ المجتمعَ لا ينهضُ إلا حين تُصانُ الحقوقُ، وتُحاربُ مظاهرُ الفسادِ والاستغلال.
وفي البعدِ الديني، كانت نهضتُه دفاعًا عن رسالةِ جدِّه المصطفى صلى الله عليه وآله، وصيانةً لجوهرِ الإسلام من التحريف. وفي البعدِ المذهبي، يبقى الإمامُ الحسين عليه السلام رمزًا جامعًا لكلِّ من يؤمنُ بالحقِّ والعدلِ والكرامة، لأنَّ رسالتَه تتجاوزُ حدودَ الانتماءاتِ الضيقة، لتخاطبَ الضميرَ الإنسانيَّ حيثما كان.
ولهذا، لا تزالُ كربلاءُ تُنادي الأحرارَ في كلِّ عصر، ولا يزالُ الملايينُ يفدون إليها، لا لأنَّ الزمنَ يعيدُ المأساة، بل لأنَّ الحسينَ عليه السلام يُعيدُ للإنسانِ إنسانيتَه، ويوقظُ الضميرَ كلما حاولَ الباطلُ أن يُطفئَ نورَ الحق.
سلامٌ على الحسين، وعلى عليِّ بنِ الحسين، وعلى أولادِ الحسين، وعلى أصحابِ الحسين؛ يومَ وُلِد، ويومَ استُشهد، ويومَ يُبعثُ حيًّا.