قراءةُ السُّلطةِ بالمجتمعِ

عاشوراءُ السَّنَةُ الثَّالثةَ عشرة (17)

نـــــزار حيدر

2026-07-18 04:54

إذا رأيتَ مجتمعًا فاسدًا فتأكَّد بأنَّ السُّلطةَ فاسدةٌ!

وإذا رأيتَ مجتمعًا متخاذلًا فتيقَّن بأنَّه محكومٌ بسلطةٍ متخاذلةٍ!

وإذا رأيتَ مجتمعًا تنعدمُ فيه الثِّقةُ، فلا يثقُ أحدٌ بأحدٍ، كبيرهم وصغيرهم، عالمهم وجاهلهم، نساؤهم ورجالهم، فتأكَّد بأنَّ حال السُّلطة قائمٌ على الشكِّ والرِّيبةِ والتربُّصِ!

أمَّا إذا رأيتَ مجتمعًا صادقًا مع بعضه، صدوقًا في حديثه، يثقُ بعضه بالبعض الآخر، ولا يخونُ أو يخذلُ بعضه البعض الآخر، أمينًا يُمكِّن قويُّهم ضعيفَهم، فتيقَّن بأنَّ الحالةَ العامَّةَ للسُّلطةِ هي كذلك، صادقةٌ صدوقةٌ أمينةٌ، تتعاملُ بثقةٍ مع نفسِها، لا تخونُ ولا تخذلُ نفسَها والرعيَّة!

كيفَ كلُّ ذلك؟!

ببساطةٍ متناهيةٍ؛ لأنَّ السُّلطةَ نتاجُ المجتمعِ، فهي لم تهبط على البلادِ من السَّماءِ بالمظلَّاتِ، ولم تخرج للنَّاسِ من باطنِ الأرضِ، ولم تُخلق خصِّيصًا لهذا المجتمعِ أو ذاك!

إنَّها عبارةٌ عن صيرورةٍ طبيعيَّةٍ لحالةِ المجتمعِ سلبًا أو إيجابًا! ولذلك فإنَّ عليكَ أن تستغربَ جدًّا إذا رأيتَ مجتمعًا فاسدًا وفاشلًا ومنافقًا وقافلًا وعابدًا لأصنامٍ صنعَها بجهله، تحكمهُ سلطةٌ نزيهةٌ وناجحةٌ تتعاملُ بوضوحٍ وشفافيَّةٍ وصدقٍ وإخلاصٍ وأمانةٍ مع نفسِها، ومع المجتمعِ، ومع مواردِ الدَّولةِ، كما أنَّ عليكَ أن تستغربَ وتستغربَ جدًّا حدَّ الصَّدمةِ إذا رأيتَ مجتمعًا نزيهًا طاهرَ اليدِ عفيفَ اللِّسانِ تحكمهُ عصابةٌ من اللُّصوصِ والفاسدينَ والدجَّالةِ!

ولعلَّ في تجربةِ السُّلطةِ والمجتمعِ في عهدِ الإمامِ السِّبط الحسن بن عليٍّ (ع) [تُصادفُ ذكرى استشهادهِ في (7) صفر المُظفَّر عام (50) للهجرةِ] أدقَّ نموذجٍ لكلِّ ما وردَ أعلاهُ.

إذ يبدو من خلالِ التَّحقيقِ والتَّدقيقِ أنَّ المجتمعَ آنذاك لم يكن بطبيعتهِ يستحقُّ أن تكونَ لهُ سلطةٌ على رأسها حاكمٌ طاهرٌ عفيفٌ شجاعٌ نزيهٌ عالمٌ صدوقٌ، ألا وهو الإمام الحسن السِّبط (ع)، بل كانَ يستحقُّ سلطةً على رأسِها حاكمٌ إرهابيٌّ لصٌّ مخادعٌ، يتستَّرُ بالدِّينِ لخداعِ المجتمعِ، طليقٌ كطاغيةِ الشَّامِ معاوية بن أبي سفيان.

ولم يُكذِّب الإمام (ع) الخبرَ [كما يقولونَ في الأمثالِ]، فقد حقَّق لهم ما أرادوا ورغبت بهِ طبيعتهم عندما قبِلَ بعقدِ [الصُّلح] وتسليمِ السُّلطةِ للطَّليقِ معاوية، مخاطبًا المجتمع بقولهِ (ع): (وَقَدْ رَأَيْتُ كَرَاهِيَةَ أَكْثَرِكُمْ لِلْحَرْبِ، فَلَا أَرَى أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَضَعَ عَنْكُمْ مَا تَسْتَثْقِلُونَ).

1- إنَّ الحاكمَ العادلَ والنَّزيه الذي يتعامل معَ المجتمع بالإحسانِ هو نعمةٌ من الله تعالى، فإذا شكرَها المجتمع بالطَّاعةِ والالتزامِ مثلًا، فسيزيدُ الله هذه النِّعمةَ باستمرارهِ. أمَّا إذا كفرَ بها المجتمع بالعصيانِ والتمرُّدِ مثلًا، فبالتَّأكيدِ سيسلبها الله تعالى منهُ، ويزيدُ على ذلكَ تنزيلَ العذاب بالمجتمعِ بما كسبت أيدي النَّاس: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).

يقولُ تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).

2- هل يجوزُ للحاكمِ العادلِ أن يتمنَّى لو أنَّ الله تعالى يعفيه من المسؤوليَّة، أو أن يستبدل المجتمع الذي لا يشكر نعمةَ العدالةِ بآخر أفضلَ منهُ؟! أو أن يستبدلهُ بما هوَ [أسوأ] لهم؟!

نعم، بالتَّأكيد، فقد طلبَ ذلك أميرُ المؤمنينَ (ع) من الله تعالى عندما يئسَ من إمكانيَّةِ إصلاحِ حالِ المجتمعِ بما يُرضي الله تعالى، وبما يعيدهُ إلى قيمه السَّماويَّة الأصليَّة، بما يُحقِّقُ العدالةَ.

يقول (ع): (اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ ومَلُّونِي وسَئِمْتُهُمْ وسَئِمُونِي، فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْرًا مِنْهُمْ، وأَبْدِلْهُمْ بِي شَرًّا مِنِّي. اللَّهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ كَمَا يُمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ).

قالَ ذلكَ (ع) بعدَ أن حدَّد لهم أسبابَ فشلهم وهزيمتهم بالقولِ: (وإِنِّي واللَّهِ لأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ، وبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي الْحَقِّ، وطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي الْبَاطِلِ، وبِأَدَائِهِمُ الأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ، وخِيَانَتِكُمْ، وبِصَلَاحِهِمْ فِي بِلَادِهِمْ، وفَسَادِكُمْ، فَلَوِ ائْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلَاقَتِهِ).

هذا يعني أنَّ أميرَ المؤمنينَ (ع) لم يكن الحاكم المناسب لمجتمعٍ فاسدٍ وفاشلٍ، ولذلك دعا الله تعالى بقولهِ: (وأَبْدِلْهُمْ بِي شَرًّا مِنِّي).

3- وعلى هذا الأساس بُنيت فلسفةُ الهجرةِ، فعندما يكونُ المجتمع فاسدًا يحقُّ للفئةِ المستضعفةِ أن تترك المجتمع وتهاجر بدينِها مثلًا، أو بنزاهتِها وعلمِها وبكلِّ الأخلاقِ الحسنةِ التي تخشى أن تتغيَّرَ رغمًا عنها إذا بقيت في المجتمعِ الفاسدِ والظَّالمِ.

يقولُ تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا)، وقولهُ تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

ذات صلة

جريمة تصنعها نظرة خاطئة!إعادة هندسة العلاقات العراقية الأمريكيةماذا يعني عودة العراق للقائمة الرمادية؟حصاد مونديال 2026: كيف أدار المستطيل الأخضر أزمات الدول وصنع قوتها الناعمة؟حياة العراقيين بين سندان الصيف الملتهب ومطرقة فساد الكهرباء