على حافة الضوء: الفنانة سارة القيسي تبتكر فناً لا يرى مرتين

أوس ستار الغانمي

2026-05-20 11:10

على سطحٍ هادئ، يبدأ الضوء رحلته الخفية. ينساب بين قطع دقيقة من الكريستال، يتكسر إلى ومضات صغيرة، ثم يعيد ترتيب نفسه ليمنح العين مشهداً متحولاً لا يستقر على هيئة واحدة. أمام هذا التغير المستمر، تقف المحامية والفنانة سارة القيسي تراقب عملها كما لو أنها تتابع كائناً ينمو ببطء، يتنفس مع كل زاوية رؤية، ويكشف ملامح جديدة مع كل اقتراب. لحظة تأملها تبدو امتداداً لعملها، كأن العلاقة بين الفنانة وما تصنعه تمتد إلى ما وراء حدود الشكل.

رحلة سارة مع الفن تشكلت عبر زمن طويل من الممارسة والتجريب. اثنا عشر عاماً من الرسم بالألوان منحتها خبرة بصرية عميقة، وقدرة على قراءة التكوين وبناء التفاصيل. تلك السنوات كوّنت حساً داخلياً يلتقط العلاقات بين العناصر، ويمنحها مرونة في تشكيل المشهد. مع مرور الوقت، قادها الفضول إلى مساحات جديدة، لتكتشف مادة حملت معها بداية تحوّل كبير في تجربتها.

الكريستال دخل حياتها عبر الهوايات اليدوية، ثم تحول إلى محور اهتمام كامل. جذبها بقدرته على احتضان الضوء وتشكيله بطرق متعددة، فبدأت رحلة استكشاف طويلة لسلوك الانعكاس والانكسار داخله. هذه الرحلة امتدت لثلاث سنوات من التدريب والملاحظة الدقيقة، حيث كانت كل تجربة تفتح باباً لفهم أعمق، وكل محاولة تضيف طبقة جديدة من الإدراك.

لحظة التحول تجسدت مع إدراك جوهري الكريستال يمنح الضوء مساحة ليقود المشهد. هذه الفكرة أعادت تشكيل رؤيتها الفنية، حيث أصبحت اللوحة فضاءً يتحرك فيه الضوء بحرية، ويتفاعل مع الشفافية ليخلق طبقات متداخلة من المعنى. من هنا بدأ أسلوبها يتبلور، أسلوب يقوم على الرسم بالضوء، حيث يتحول النور إلى أداة تعبير رئيسية، تمنح العمل حركته وروحه.

في هذا النوع من الفن، التفاصيل تأخذ دوراً محورياً. القطع الصغيرة من الكريستال ترتب بعناية فائقة، وكل زاوية تحدد بدقة، لأن أي تغيير طفيف يعيد تشكيل المشهد بالكامل. العمل يتقدم تدريجياً، كأن الفنانة تبني هيكلاً من الضوء، تضيف إليه طبقة بعد أخرى حتى تصل إلى توازن بصري ينبض بالحياة. هذا التدرج يمنح العمل عمقاً ويجعل كل مرحلة جزءاً من حكايته.

العلاقة مع الضوء تتخذ طابعاً تفاعلياً. سارة تراقب مساراته، تتعامل معه كشريك في التكوين، وتفسح له المجال ليكشف عن إمكاناته. هذا التفاعل يخلق مفاجآت بصرية تضيف للعمل طابعاً خاصاً، حيث تظهر انعكاسات غير متوقعة تفتح المجال لقراءات متعددة. كل لوحة تتحول إلى تجربة مستقلة، تحمل تفاصيلها الخاصة، وتبقى مفتوحة على احتمالات التغيّر.

المتلقي أمام هذه الأعمال يعيش حالة من الاكتشاف المستمر. الحركة البسيطة أو تغير زاوية النظر يكشف طبقات جديدة من الصورة. اللوحة تتبدل مع العين وتخلق حواراً بصرياً دائماً، يمنح التجربة طابعاً حياً. هذا التفاعل يجعل الجمهور جزءاً من العمل، حيث تتشكل التجربة من العلاقة بين الضوء والرؤية.

التحديات رافقت هذه الرحلة بشكل واضح. العمل بالكريستال يتطلب جهداً في توفير المواد، إضافة إلى دقة التعامل معها وتكلفتها. البيئة التي تخلو من تجارب مشابهة وضعت سارة أمام مسؤولية بناء تجربتها اعتماداً على البحث والتجريب المستمر. هذه الظروف منحت التجربة طابعاً خاصاً قائماً على الصبر والانتباه لكل تفصيلة.

وسط هذه المسيرة، استطاعت القيسي أن ترسخ حضورها كواحدة من التجارب المميزة في المشهد التشكيلي العراقي. قدمت فناً يفتح أفقاً جديداً للتعبير، حيث يتحول الضوء إلى لغة تحمل معاني العمق والصفاء، وتعيد صياغة العلاقة بين المادة والرؤية.

في ختام هذه الرحلة، تتبلور فكرة تحمل بساطة وعمقاً الشغف حين يقترن بالصبر يصنع مسارات مدهشة. من اهتمام بالكريستال إلى تجربة فنية متكاملة، تشكّل عالم بصري خاص يلمع بهدوء، ويترك أثراً يمتد إلى الإحساس، حيث تتحول اللوحة إلى لحظة ضوء تحمل حكاية متجددة.

ذات صلة

منازلة بين علماء الإصلاح وعلماء الإفسادالدولة الحديثة.. طريق الشرق الأوسط الى السلامكيف يعيد السلوك الفردي تشكيل المجتمع؟غياب الوعي: عندما تتحول السياسة إلى مقامرةالسياسات الفاعلة في بناء الانضباط المرن في المدارس