المرجعية الدينية و التجربة الديمقراطية

محمد علي جواد تقي

2026-01-20 04:18

دأبت الديمقراطية في تاريخها الطويل في البحث عن المصاديق العملية، والارضية الصالحة لفهم هذه التجربة ثم تنميتها وتطبيقها عملياً، فكان لها شيئاً من النجاح في بعض البلدان، بينما كان لها الفشل في بلدان أخرى، و خطر في أذهان بعض المفكرين في مسيرة هذه التجربة، أن من اسباب التعثّر والفشل؛ المتبنيات الدينية، وما يحمله شريحة كبيرة من العلماء والفقهاء في مدرسة أهل البيت، عليهم السلام، من قناعة بصعوبة المواءمة بين النصوص الدينية المتحدثة عن مفهوم "الولاية الإلهية"، او القيادة، وما تنطوي عليه النظرية الديمقراطية من تقاسم مفترض –نظرياً- للقيادة وصنع القرار بين النخبة السياسية وجماهير الشعب، وايجاد فرصة لما يسمى بالمشاركة السياسية، او المشاركة الجماهيرية في صنع القرار. 

بيد أن علماء دين أكفاء بحثوا في هذه التجربة بعمق واستخرجوا نظريتهم الخاصة؛ "ولاية الفقيه"، و توصلوا الى تعريفات و دلالات عدّة في طريق تنضيج التجربة والفكرة في وسط الاجتماع الشيعي، وإيجاد أفضل الخيارات للتعامل مع الواقع السياسي القائم في بلداننا. 

النبي الأكرم يؤكد التعددية في ولاية مراجع الدين

وبالعودة الى ما لدينا من روايات عن المعصومين، عليهم السلام، تتكشف لدينا حقيقة أن التعددية، وهي أهم ركائز الديمقراطية، منصوصٌ عليها في أمر إدارة شؤون الأمة منذ عهد النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، بما لا تدع أيّ مجال لظهور التفرّد والديكتاتورية.

هذه التعددية في ولاية مراجع الدين تستمد شرعيتها من ولاية المعصوم المرتبطة مباشرة بالله –تعالى-، وقد وصفها سماحة آية الله السيد مرتضى الشيرازي في كتابه "بحوث في العقيدة والسلوك"، بأنها "ولاية واحدة فقط، ولكنها طولية، وليست ولايات عرضية وأفقية"، خلال تدبره في الآية الكريمة في حق أمير المؤمنين، عليه السلام: ) {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}، (سورة المائدة، الآية:55)، ثم يبين سماحته الدور الريادي للولاية العرضية في مرحلة ما بعد وجود الأئمة المعصومين، وهي ولاية العلماء والفقهاء في زمن غيبة الإمام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه. 

هنا نكون أمام حكمة إلهية عظيمة في موضوع القيادة، فان الله –تعالى- كشف للعالم والاجيال الى يوم القيامة أن الوليّ من قبله جهة او مدرسة واحدة، متمثلة بأهل البيت، عليهم السلام، فهم "الوليّ"، وليس ثمة أولياء متعددين، ويتفق العلماء والفقهاء على أن أمير المؤمنين، وأبناؤه المعصومين، الامتداد الطبيعي لرسول الله. بل ونجد نفس التوجه لدى سائر المذاهب الاسلامية، ولكن بشكل مغلوط، عندما يربطون "الخلفاء"، والأمراء عندهم بالنبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وأنهم انما يمثلونه في الحكم! غاضين النظر عما يفعله وما يعتقد به.

فعندما تكون الولاية خطٌ واحد مرتبط بالسماء، يضمن الناس –كل الناس في كل مكان- وحدة المصدر في التشريع والنظام والمعايير للبنية التحتية للفكر والعقيدة، ثم يأتي مراجع الدين ليشكلوا "ولايات" متعددة في عرض ولاية أهل البيت رسول، وليس في طولهم، لذاتية اكتسابهم للعلوم والمعارف، وليست الحالة "اللدنيّة" الموجودة لدى المعصومين، عليهم السلام، والمصدرية السماوية لها.

لذا نقرأ في رواية عن رسول الله، صلى الله عليه وآله: "اللهم ارحم خلفائي، قيل من خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون حديثي وسنتي"، وهنا لا وجود لـ "خليفة"، إنما خلفاء متعددون له، صلى الله عليه وآله، "وهم العلماء ومراجع التقليد بعضهم في عرض البعض الآخر، ففي كل زمن هناك جمهرة من الذين جمعوا الصفات من مراجع التقليد الذين هم خلفاء رسول الله، وليس أحدهم في طول الآخر، أي ليس أحدهم تابعاً للآخر، او محكوماً له، ما دامت الكلمة التي أعطتهم الوكالة كلمة عامة". (بحوث في العقيدة والسلوك).

نخرج بنتيجة مفادها أن المرجعية الدينية منذ الايام الأولى لغيبة الامام المهدي القائم، عجل الله فرجه، وحتى اليوم أدت ما عليها من مسؤولية في الإدارة والقيادة بأفضل ما يكون في الأمة، فهي تقدّس الدين والرسالة السماوية، ولا تقدس السلطة والحكم، ولا تجري ورائها، بل عملت على قلب هذه المعادلة تماماً.

تبقى التطبيقات العملية على الأرض من مهام النخبة المثقفة لنشر الثقافة الاسلامية، وما تحمل من قيم ومفاهيم انسانية في الوسط الاجتماعي، أبرزها ما يتعلق بالعلاقة بين القائد والقاعدة، مثل؛ الإيمان، والالتزام، والإيثار، والتضحية، وفي كتابه القيّم؛ عالم الغدّ، يبين سماحة المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي خصائص مراجع الدين، أهمها: "الجماهيرية، والنصوص الدينية بحقهم، والتاريخ النضالي"، ويؤكد سماحته على أن محاربة العلماء ومراجع الدين تعد مخالفة شرعية، ومخالفة عقلية في آن، فهو "عمل مخالف للإسلام أولاً، وعمل ينمّ عن الغرور ثانياً، ويسبب عدم النجاح والوصول الى الهدف ثالثاً، لذا من الضروري على الاحزاب والمنظمات والهيئات والجمعيات الاسلامية ان يتجنبوا هذا النهج، وبكل صرامة، مهما رأوا من التخلف والجمود في الجانب الآخر، وعلى فرض وجوده، فان التخلف لا يرتفع بالسبّ والتهجّم والاتهام والاستهزاء، فاللازم الإرشاد الى الطريق بالتي هي أحسن".

ويستند سماحته على كتاب "طبقات أعلام الشيعة" للشيخ أغا بزرك الطهراني، في ذكر خمسة وثلاثين شخصية علمائية في التاريخ الشيعي ممن تعرضوا للقتل والملاحقة والتشريد، أبرزهم؛ الحسن بن علي الملقّب بـ "الأطروش"، وهو الجد للأم للشريف الرضي، خرج على الظلم والظالمين في بلاد الديلم أيام المقتدر العباسي، وحكمها ثلاث عشرة سنة ثم استشهد، وأبو الحسن التهامي، العالم والشاعر المعروف، عاش في القرن الخامس الهجري، تعرض للمطاردة من العباسيين، فاعتقلوه وعذبوه ثم قتل في السجن، وابن السكيت الذي قتله احد الحكام العباسيين بشقّ قفاه واخراج لسانه من خلفه مما سبب موته، وأمين الإسلام الطبرسي، صاحب تفسير "مجمع البيان"، يقول عنه المرجع الشيرازي الراحل: "كان يعيش في جو مختلف من الاديان والمذاهب، وكان طوداً في العلم، بطلاً في الايمان، صامداً في ذات الله"، استشهد وحُمل نعشه الى مشهد الامام الرضا، عليه السلام، ودفن هناك، كما تجدر الاشارة على الشهيدين؛ الأول والثاني، من أبطال الحوزة العلمية، وهما: الشيخ محمد بن مكي العاملي، والشيخ زين الدين العاملي، وما تزال "اللمعة الدمشقية"، أحد أبرز المناهج الدراسية في الحوزات العلمية، اعتقل الشهيد الأول في دمشق، وقتل فيها وصلب جثمانه ثم أحرق بالنار في القرن الثامن الهجري، بينما الشهيد الثاني تمت مطاردته والقاء القبض عليه ايام الحج وقتل على ساحل البحر وأهدي رأسه الى ملك الروم! والشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي الذي قاد ثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني فجاءه الردّ باغتياله بالسمّ في كربلاء المقدسة.

ثم يستذكر سماحة المرجع الراحل علماء ومراجع ماتوا بأجلهم، لكنهم خاضوا نضالاً ضد الظلم والاستبداد والانحراف في زمانهم، مثل؛ السيد ابوالحسن الاصفهاني، والشيخ ميرزا حسن النائيني، والمرجع الديني السيد حسين القمي، الذي تعرض للنفي من قبل رضا شاه البلهوي من ايران، والمرجع الديني السيد عبد الحسين شرف الدين الذي حارب الاستعمار الفرنسي، وتعرض لمضايقات كثيرة دفعته للهجرة من لبنان الى مصر، وكاد أن يقتل، ولكن تعرضت مكتبته للحرق.

والقائمة تطول لعلماء وفقهاء حملوا راية الإصلاح والهداية والتقدم للأمة، دون المطالبة بالسلطة والحكم بالطريقة التي تمارسها اليوم الاحزاب السياسية والتيارات الفكرية في بلادنا. 

ذات صلة

العقل والعقلانية في القرآنخلفيات الصراع بين أمريكا وفنزويلا وابعاده الجيوسياسية والاقتصاديةالأخلاق السياسية في العراقمقاومة حكم الأثرياءالمستوطنون والاحتلال وجهان لعنف واحد.. من القتل إلى اقتلاع الزيتون