الإمام الصادق عليه السلام والتقيّة

محمد علي جواد تقي

2026-04-13 08:56

"التقيّةُ ديني و دين آبائي، ولا دين لِمَن لا تقيّة له"

الإمام الصادق، عليه السلام

 

ربما تكون التقية من أكثر القيم في الإسلام تعرضت لسوء الفهم والظلم في التقييم والحكم، رغم أصالتها القرآنية و ضرورتها العقلية، فنمط التفكير المحدود لدى البعض حصر هذه القيمة في تخندق طائفي، واصفين إياها مثلبة على شيعة أمير المؤمنين، وأنها شكل من أشكال النفاق كونها تدعو لإظهار شيء وإخفاء شيء آخر.

وبسبب تصاعد حدّة الصراع بين الحكام العباسيين والأئمة المعصومين في عهد الامام الصادق، عليه السلام، الذي نعيش هذه الأيام ذكرى استشهاده، فان هذه القيمة تبلورت ضمن أدوات المواجهة في مرحلة غاية في الخطورة والحساسية من التاريخ الإسلامي، عندما كانت قيادة الامة في مرحلة انتقالية من الأمويين الى العباسيين المتخوفين من الامام الصادق تحديداً كأحد مصادر القلق على طموحاتهم السياسية.

التقية أسلوبٌ ذكي

يؤكد المؤرخون على أن التقية لها الفضل الكبير في الحفاظ على مسيرة العمل الرسالي منذ عهد الامام الصادق، وحتى الامام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، واسهمت في عجز الحكام من السيطرة على اتباع اهل البيت، فضلاً عن القضاء عليهم رغم قساوة ودموية الإجراءات المتبعة ضدهم طيلة حوالي مئة سنة من مسايرة العباسيين لحياة الأئمة المعصومين، عليهم السلام.

الامام الصادق في طليعة الأئمة المعصومين في حمله راية المواجهة الصامتة في ظل التقية، وكان يوصي المؤمنين بالتقية وعدم الانكشاف في الساحة دون سبب موجّه، او خطة مثمرة ليكونوا هدفاً سهلاً للسلطة الحاكمة، بالمقابل يكونوا أقرب الى المجتمع الإسلامي من أقصى الشرق الى أقصى الغرب، "صلّوا في عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وأدّوا الأمانة اليهم". وفي وصية له، عليه السلام، تجسد قمة الذكاء الاجتماعي في مسيرة العمل الرسالي: "رحم الله عبداً اجترّ مودّة الناس الى نفسه، حدثوهم بما يعرفون، واستروا عنهم ما يُنكرون"، فعامة الناس يفتقدون للوعي والثقافة الموجودة عند المقربين من الامام الصادق، ولسان حاله استذكار حديث جدّه المصطفى، صلى الله عليه وآله: "نحن معاشر الانبياء نكلم الناس على قدر عقولهم"، واستيعابهم حتى لا تحصل ردود فعل سلبية.

هذا الذكاء الاجتماعي نجد مصاديقه في القرآن الكريم في حديثه عن "رجال" ظهروا في مسيرة الأنبياء والمرسلين كانوا حلقة الوصل بين المجتمع والانبياء، مثل ذلك الرجل الصالح في عهد النبي موسى، عليه السلام: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ}، فهو لم يكن من بني اسرائيل، إنما كان من آل فرعون، يعني من الطبقة المرموقة والمقربة الى الحاكم، بيد أنه استخدم ذكائه الاجتماعي في إثارة العقل والمنطق لحماية النبي موسى من القتل، وفي سورة أخرى (القصص) تذكر الآيات رجلاً آخرَ يساند النبي موسى في الخفاء: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ}.

ومن الناحية اللغوية فان التقوى تدلّ على توفير نوع من الحصانة والمناعة لاتقاء الضرر عن النفس أمام الحكام الطغاة والمحاربين لقيم السماء، فجاء التشريع الإلهي بجواز أن يكون وسيلة للعمل في سبيل الله، ولنشر هذه القيم، وفي تاريخ الدعوة الإسلامية يُعد رسول الله، أبرز شخصية طبق هذا المبدأ وجسّد هذه القيمة السامية قبل أن يُبعث نبياً، عندما كان يتألّم في داخله من مشاهد الوثنية ومظاهر الظلم والعدوان و وأد البنات وكثير من العادات الجاهلية السيئة، وفي نفس الوقت كان يفشي السلام، ويحترم جميع افراد المجتمع المكّي آنذاك، وكانت ثمرة هذه التقية والذكاء الاجتماعي أن وسمه ذلك المجتمع الوثني بأنه "الصادق الأمين"، وهذه السمة نفسها شكلت القاعدة الأولى والأقوى لأن ينطلق، صلى الله عليه وآله، في دعوته الى التوحيد ونشر رسالة الإسلام، فكان يحاججهم بسمة الصدق التي أقروا بأنفسهم له، فكان يسقط في أيديهم، مما اضطرهم للمواجهة العنيفة والدموية وحصل ما حصل في تلك الفترة العصيبة.

وفي القرآن الكريم إشارات عدّة تؤكد الحاجة للتقية أهمها الآية الكريمة التي نزلت بحق الصحابي الجليل؛ عمار بن ياسر وقصته مع المشركين واضطراره بالتخلّي عن النبي والرسالة، والاقرار بالاوثان، وقد ربط النبي الأكرم على قلبه لأن: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}.

دعوة غير مباشرة للعمل المكثّف

اراد الامام الصادق من التقية لابناء الامة، لا ليجلسوا في بيوتهم وينتظروا رحمة الله، او ان يسايروا الحاكم الظالم، او حتى يسكتوا عن الظواهر الاجتماعية الشاذة في المجتمع، وإنما لتكون منطلقاً آمناً للعمل على تغيير الواقع الفاسد بصورة يحفظ صاحبه، ويضمن نجاح العمل، فقد حدد، عليه السلام، ثلاثة قواعد لتشريع هذه الطريقة من التعامل مع الاحداث والقضايا في الساحة؛ القاعدة الاولى: الاضطرار، والثانية: ان تكون في نطاق ما يحمي الدين ويقويه ويحافظ على سلامته، وفي هذا السياق يوصي الامام اتباعه: "اتقوا على دينكم فاحجبوه بالتقية، فانه لا إيمان لمن لا تقية له، إنما انتم في الناس كالنحل في الطير، لو أن الطير تعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء، إلا أكلته، ولو أن الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم، ولنحلوكم في السرّ والعلانية، رحم عبداً منكم كان على ولايتنا"، أما القاعدة الثالثة، وهي الأهم: انها إطار للعمل، وحفاظاً له، وليست بديلاً عنه، وهذا الامر ضروري حتى لا يتحول ادّعاء التقية الى عذر للتقاعس عن أداء الواجبات الرسالية، والالتزام بالشريعة المقدسة، فالتقية في حقيقة امرها كتمان الايمان وليس ترك الإيمان. (ذلكم الإمام الصادق- السيد هادي المدرسي).

هذا العمل المكثف على مختلف الاصعدة لنشر الرسالة ومحاربة الظلم والانحراف بشكل صامت، هو الذي كان يبحث عن سر نجاحه، حكام بني العباس في عهد الامام الصادق، والأئمة من بعده، وإلا فان الامام الصادق، ربما كان أكثر الأئمة حضوراً في الاوساط الاجتماعية والعلمية، وقد عُرف بكثرة تلامذته والذين يروون عنه حتى بلغوا ثلاثة آلاف، وبعض المؤرخين يذهبون الى انهم كانوا ثلاثين الف راوٍ يقول: "حدثني جعفر بن محمد"، كما كان على صلة بالمؤمنين الموالين في بقاع مختلقة من العالم الاسلامي، بين سائل ومن لديه حقوق شرعية يوصلها اليه، عليه السلام، كما كان الامام يشجع على الشعر لنشر فضائل أهل البيت، عليهم السلام، لعل أبرزهم السيد الحميري، بيد أن الذي كان يخفيه عن الحكام، الطريقة والآلية التي من خلالها يتواصل الامام مع اتباعه، وما هي التوجيهات الخاصة لهم.

بهذه الطريقة الذكية والحكيمة تمكن الامام الصادق من الحفاظ على المسيرة الرسالية رغم البطش الشديد والقمع الدموي الذي كان يمارسه العباسيون ضد اتباع اهل البيت ممن كانوا يتحركون بالعلن ويحملون السلاح بوجههم كما حصل مع ثورة محمد وأخيه ابراهيم ذي النفس الزكية، من ابناء الامام الحسن المجتبى، عليه السلام، وايضاً ثورة زيد بن علي في الكوفة، وانتفاضات مسلحة عديدة شهدتها الامة في عهد الامام الصادق، فكان يبارك لها ويدعو لها، ولم يتبرأ منها، إنما كان له رأي آخر في طريقة التحرك واختيار الوقت، بالمقابل كان الآخرون لهم اجتهادهم الخاص، وقد بكى الامام، عليه السلام، بشدة على ولدي عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى (ابراهيم ومحمد)، وعزّا ذويه وترحم عليهم.

هذا الموقف الحكيم للإمام الصادق جعله من مأمن من بطش العباسيين، منتزعاً أي حجة او مبرر لقتله، فكانت الفرصة السانحة لإنشاء قاعدة اجتماعية وسياسية رصينة داخل الدولة العباسية أفادت الامام موسى الكاظم فيما بعد الى درجة أن وصف المؤرخون الحركة الرسالية بأنها اصبحت في عهده، عليه السلام، "دولة داخل دولة" بوجود شخص مثل عبد الله بن يقطين أحد ابرز الوزراء لدى هارون العباسي، وفي نفس الوقت كان من خلّص شيعة الامام الكاظم، وكذا الحال لموظفين آخرين "انغماسيين" في حكومة هارون. 

قرار المنصور الدوانيقي وأشباهه من الحكام العباسيين اغتيال الامام الصادق، وسائر الأئمة المعصومين، عليهم السلام، كان يختمر في رؤوسهم عندما كان انتشار التشيع وقوة تأثير الأئمة في المجتمع يقضّ مضاجعهم و يؤرقهم ليل نهار، ولم يجدوا وسيلة سوى الاغتيال الجبان بالسمّ خلسة للتخلص بظنهم من هذا القلق والخطر الداهم، بينما كان التنظيم الرسالي يتمدد في المجتمع والدولة، وتنتشر روايات واحاديث وعلوم الإمام الصادق، ومن بعده، الامام الكاظم، والامام الرضا، عليهم السلام، وهكذا الأئمة المعصومين، صحيح؛ تم اغتيالهم وتغييبهم جسدياً، ولكن آثارهم باقية الى اليوم والى يوم القيامة. 

ذات صلة

الحق والكلمة: دعم فاعل وفوز متبادَلالأزمة البحرية بين العراق والكويت قراءة في جذور الخلاف وتداعياتهما بعد حرب الأربعين يوماًلماذا يقوِّض القادةُ المنتخبون الديمقراطية؟آفاق وتحولات الخطاب الإسلامي بلغات العالم