المهدوية كأفق حضاري: من الانتظار الغيبي إلى البناء التاريخي
محمد عبد الجبار الشبوط
2026-02-05 12:18
لم تعد المهدوية، ضمن القراءة الحضارية المتنامية للقرآن، فكرةً غيبيةً معلّقة خارج الزمن، ولا حدثًا استثنائيًا منفصلًا عن قوانين التاريخ، بل أفقًا قيميًا يتحرك داخل مسار الارتقاء الإنساني، وذروةً لمسيرةٍ طويلة من نضج الإنسان والمجتمع والدولة، لأن النص القرآني حين يُقرأ بوصفه مولّدًا للوعي الحضاري لا يقدّم الخلاص بوصفه قفزةً فوق السنن، بل نتيجةً لحركتها، ولا يقدّم العدل بوصفه معجزةً مفصولة عن الأسباب، بل ثمرةً لتراكم الشروط التي يصنعها الإنسان في وعيه وعمله ومؤسساته.
هذا التحول في فهم المهدوية ينقلها من دائرة “الانتظار” إلى دائرة “المسؤولية”، ومن زمن الترقّب إلى زمن البناء، ومن سؤال “متى يقع الحدث؟” إلى سؤال “كيف يُبنى شرط العدل؟”، وبهذا تصبح المهدوية أفقًا تاريخيًا موجِّهًا لا قصةً مؤجلة، ورؤيةً مستقبلية للإنسان حين يبلغ درجةً أعلى من الرشد الحضاري، لا بديلاً عن حركة الإصلاح بل نتيجتها الطبيعية.
التجربة الأوروبية، التي شكّلت إحدى أكبر تحولات التاريخ الحديث، لم تبدأ بآلات الثورة الصناعية، بل بدأت بتحوّلٍ عميق في صورة الإنسان عن نفسه، وفي علاقته بالعمل والمعرفة والزمن والمسؤولية، حيث أعادت الإصلاحات الدينية صياغة الضمير الأخلاقي العام، ودفعت نحو تعميم القراءة والتعليم، ورفعت قيمة الانضباط والعمل والإتقان، ثم جاءت الدولة الحديثة والقانون والعلم والسوق لتترجم تلك الطاقة القيمية إلى مؤسسات وإنتاج وتقنية، وهنا لا تكمن العبرة في استنساخ المسار الأوروبي، بل في إدراك الآلية الحضارية الكامنة فيه، وهي أن التحول القيمي العميق حين يتصل بالمؤسسات والمعرفة يتحول إلى قوة تاريخية دافعة.
المهدوية، في الفهم الحضاري، تؤدي وظيفة مشابهة من حيث البنية لا من حيث الشكل، فهي ترسم أفقًا للعدل الشامل، لكنها تربطه ضمنيًا بنضج الإنسان، وبقدرة المجتمع على إدارة شؤونه بقيم عليا، وبقيام مؤسسات عادلة قادرة على حفظ الحقوق وتوزيع المسؤوليات، وبهذا تصبح المهدوية ذروة لمسار إصلاحي طويل، لا قطيعة معه، وقمةً لحركة الارتقاء لا بديلًا عنها، ونهايةً منطقية لمسار تشغيل القيم داخل المركّب الحضاري.
حين تُفهم المهدوية بهذا المعنى، فإن كل جهد في بناء التعليم النوعي، وكل إصلاح في الإدارة، وكل خطوة في مكافحة الفساد، وكل محاولة لترسيخ العدالة، وكل سعي لإنتاج المعرفة، وكل عمل لإحياء الاقتصاد المنتج، يصبح فعلًا مهدويًا، لأنه يهيئ شروط العدل الذي تمثله المهدوية بوصفها أفقًا، وبهذا يزول الانفصال الوهمي بين العقيدة والحياة، وبين الإيمان والتاريخ، ويصبح البناء الحضاري نفسه تعبيرًا عن الوعي الديني.
الفهم الحضاري للقرآن يفتح هذا الأفق حين يجعل القيم القرآنية منظومة تشغيل لا منظومة وعظ فقط، فالحرية شرط للابداع، والعدالة شرط للاستقرار، والمساواة شرط للثقة، والمسؤولية شرط للإدارة الرشيدة، والإتقان شرط للإنتاج، والتضامن والتعاون شرط للتماسك الاجتماعي، والتسامح شرط للسلم الأهلي، والثقة شرط لعمل الاقتصاد، والسلام شرط للاستمرار، والإبداع شرط للتجدد، وهذه القيم حين تتحول إلى قواعد مؤسسية ومعايير أداء، تنتقل من مستوى الشعارات إلى مستوى البنية الحضارية، وعند هذه النقطة يصبح الطريق إلى الأفق المهدوي طريقًا تاريخيًا واقعيًا.
التحول الأخطر الذي يحدث هنا هو سحب المهدوية من الوعي الأسطوري الذي يعلّق الأمل على حدث خارق منفصل عن الجهد الإنساني، ووضعها داخل الوعي الحضاري الذي يرى أن الله يجري التاريخ بالسنن، وأن التغيير يمر عبر الإنسان، وأن العدالة تحتاج إلى مؤسسات، وأن الصلاح يحتاج إلى وعي وعمل، وبذلك تتحول العقيدة من مساحة انتظار إلى طاقة دفع، ومن مخزون عاطفي إلى برنامج ارتقاء، ومن تبرير للعجز إلى دافع لتجاوزه.
بهذا المعنى تصبح المهدوية جزءًا من مشروع النهوض، لا بديلًا عنه، وذروة لمسار الدولة الحضارية الحديثة، لا قفزًا فوقها، ويغدو بناء الإنسان الواعي، والمؤسسة العادلة، والعمل المنتج، والعلم المتقدم، والاقتصاد الفاعل، طريقًا إلى العصر المهدوي، لا طريقًا دنيويًا منفصلًا عنه، وهنا يلتقي الإيمان بالتاريخ، وتلتقي العقيدة بالنهضة، وتتحول المهدوية من فكرة غيبية ساكنة إلى أفق حضاري حيّ يحرك الإنسان نحو مستقبل أعدل وأرقى.