أخلاق المنتظرين في عصر الغيبة والطهارة المعنوية

مرتضى معاش

2026-02-03 02:55

بعد أن استوفينا البحث في الأبعاد النظرية لمفهوم الانتظار، ننتقل إلى ميادين العمل والتطبيق، لنرسم معالم (أخلاق المنتظرين). يسلط المقال الضوء على جوهر الانتظار بوصفه عملية (طهارة معنوية) شاملة، وتأسياً سلوكياً بالقيادة المعصومة، متجاوزاً مجرد الادعاء العاطفي. كما يشخص التحديات الراهنة المتمثلة في التلوث الأخلاقي والإعلامي، واضعاً منهجية عملية لبناء شخصية مهدوية متماسكة، تمتلك (غنى النفس) والحصانة المعرفية اللازمة للثبات في عصر الغيبة والفتن.

لقد تطرقنا سابقاً إلى المعرفة النظرية المتعلقة بأهمية الانتظار وحقيقته، وتناولنا قضايا عديدة في هذا السياق. إلا أننا الآن بحاجة ماسة إلى معرفة عملية تطبيقية لهذا الامر، ألا وهي أخلاق المنتظرين.

إن جوهر هذه الأخلاق يتجسد في التبعية الحقيقية للقائد أو الإمام؛ إذ لا بد من وجود تجانس وتناغم في الصفات والسلوك والشخصية بين التابع والمتبوع (الإمام القائد)، وذلك لضمان نجاح الحركة واستمراريتها.

وعليه، فإن الموفقين في انتظار الإمام الحجة (عجل الله فرجه) ملزمون بالعمل الجاد على أنفسهم، وتهذيب أخلاقهم وصفاتهم، والتحلي بوعي تام بطبيعة أخلاق المنتظرين.

الأسوة الحسنة والتلبّس بأخلاق المعصومين

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) الأحزاب21.

عند التأمل في قوله تعالى، نجد أن معنى الأسوة في الأصل هو الحالة التي يتلبس بها الإنسان أثناء اتباعه للغير، سواء كان ذلك المُتَّبَع قائداً أو إماماً أو أي شخص آخر؛ فالأسوة هي القدوة التي يُتأسى بها. وقد خُصَّت الأسوة هنا بالوصف حسنة، للإشارة إلى أن هناك أسوة حسنة، وبالمقابل توجد أسوة سيئة.

لذا، لكي يكون الإنسان صالحاً في حياته ومساره، وفي اتباعه للنبي محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته المعصومين؛ لابد له من التأسّي الحقيقي. وهذا التأسّي يتحقق من خلال التلبّس بأخلاق الرسول، وأخلاق أهل البيت (عليهم السلام)، وأخلاق الإمام الحجة (عجل الله فرجه).

شروط الاقتداء في عصر الانتظار

يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) في وصف ضرورة الاقتداء: (فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ وَإِلَّا فَلَا يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ)(1)، ومعنى ذلك؛ أن من يرجو النجاة في حياته، ويسعى لتجاوز مخاطر السقوط والهلاك، لا بد له من التأسّي برسول الله (صلى الله عليه وآله) واتخاذه الأسوة الحسنة قولاً وفعلاً.

وفي هذا الصدد، يؤكد الإمام زين العابدين (عليه السلام) على خطورة الازدواجية بين القول والفعل، حيث رُوي عنه: (إن أبغض الناس إلى الله من يقتدي بسنة إمام ولا يقتدي بأعماله)(2).

وهذا يعني أن مجرد الادعاء اللفظي بحب أهل البيت (عليهم السلام) لا يكفي؛ فالتأسّي الحقيقي هو الفعل. وعليه، فإن من يصدق في نيته لاتباع الإمام الحجة (عجل الله فرجه)، يتحتم عليه التأسّي بأخلاقه، ومنهجه، ووصاياه.

وقد رسم الإمام علي (عليه السلام) خريطة طريق واضحة لهذا الارتباط بقوله:

 (أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِي‏ءُ بِنُورِ عِلْمِهِ أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وسَدَادٍ)(3).

وصايا الإمام العسكري (ع): دستور أخلاقي لعصر الغيبة

يُعد دور الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ممهداً رئيسياً لعصر الغيبة؛ إذ إن جلَّ أحاديثه تصب في خانة التهيئة لعصر الانتظار، وتتضمن وصايا وتوجيهات حول ما يتوجب علينا فعله في هذه المرحلة. ومن أبرز وصاياه تلك التي تحدد ملامح شخصية الشيعي في زمن الغيبة، وكيفية تلبّسه بأخلاق الإمام الحجة (عجل الله فرجه) سلوكاً وعملاً.

يقول الإمام العسكري (عليه السلام) مخاطباً شيعته في وصية مطولة نقتبس منها موضع الشاهد:

 (فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدى الأمانة، وحسن خلقه مع الناس، قيل: هذا شيعي فيسرني ذلك. اتقوا الله وكونوا زينا ولا تكونوا شينا، جروا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح...)(4).

إن المتأمل في هذا النص يدرك ضرورة أن يكون المنتظِر مصدراً لسرور الإمام العسكري وأئمة أهل البيت (عليهم السلام)؛ وذلك عبر الالتزام بالورع، والأمانة، وحسن الخلق.

إن هذا التركيز على السلوك له غاية جوهرية؛ فالشخص الذي يجسد أخلاق أهل البيت وأخلاق الإمام الحجة في تعاملاته، يغدو مناراً للهداية، وسبباً لأن ينظر الناس إلى أهل البيت (عليهم السلام) نظرة إجلال وإعظام. وهذا، بلا شك، هو الأساس والجوهر لـ أخلاق المنتظرين.

وعن الامام الصادق (عليه السلام): (كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإن ذلك داعية)(5).

توظيف الإعلام الحديث في نشر المعرفة المهدوية

إن استخدام وسائل الإعلام الحديثة لنشر المعرفة الصحيحة عن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه)، له دور كبير في رسم سلوكيات المنتظرين في عصر الغيبة، فالإعلام ليس مجرد أداة دعائية، أو واجهة لطرح المعلومات والبث المنمق؛ بل هو في جوهره معرفة ورسالة. ورسالته الحقيقية هي رسالة معرفية تهدف إلى إنقاذ البشرية واستنقاذ الإنسان.

لذا، يتحتم أن تتسم الرسالة الإعلامية بالدقة والعمق والتحليل عند بيان قضية الإمام الحجة وكشف مضامينها؛ فهي ليست قضية هامشية أو عابرة تقتصر على إحياء مناسبة الخامس عشر من شعبان ثم تنقضي، بل هي قضية ممتدة ومصيرية، ونحن نرتبط بها ارتباطاً وثيقاً، إذ إن نظام حياتنا بأسره يعتمد على وجود الإمام (عجل الله فرجه).

وقد ورد في الحديث الشريف وصف دقيق لهذا المعنى، حيث شُبّه انتفاع الناس بالإمام الحجة في غيبته بانتفاعهم ((بالشمس إذا سترها عنهم السحاب))، فقد روى سليمان بن مهران الأعمش عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: (لا تخلو –أي الأرض– إلى أن تقوم الساعة من حجة الله فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله. قال سليمان: فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال عليه السلام: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب)(6).

وهو تشبيه يحمل دلالات عميقة وكثيرة. وبالنتيجة، فإن هذا الانتفاع الوجودي الذي نعيشه ونبتغيه، لا بد لوسائل الإعلام أن تعكسه وتجلو صورته بوضوح.

الإعلام وبناء الطهارة المعنوية

من أهم الموضوعات التي يجب أن تركز عليها وسائل الإعلام هي قضية أخلاق المنتظرين، وبشكل خاص ذلك الجانب الأساسي الذي ركزت عليه الأحاديث الشريفة، ألا وهو الطهارة المعنوية. وبما أن الإعلام يساهم بشكل مباشر في عملية بناء الشخصية، فإن هناك ركيزتين مهمتين لبناء الشخصية المهدوية في عصر الانتظار، وهما:

الطهارة المعنوية، والاستغفار (بمعناه الحقيقي)، الذي يلحق بالأولى ويكملها.

إن الحاجة إلى الطهارة المعنوية تأتي ملحةً اليوم؛ إذ نلحظ أن العالم قد أصبح ملوثاً بالكثير من القضايا؛ فمن التلوث الأخلاقي، إلى الفساد المالي والسياسي والإداري، وصولاً إلى الغش والخداع والتضليل، حتى أن كثيراً من وسائل الإعلام نفسها باتت مزيفة، وتنشر الزيف والرداءة والتفاهة والانحطاط. فأصبح الانسان ملوثاً بسبب هذه البيئة الموبوءة؛ لذا نحن بحاجة ماسة لعملية تطهير معنوي للنفس البشرية.

إن الطهارة المعنوية تعني بناء الإنسان المبدئي والإنسان المستقيم، وهذا النموذج يقف في مقابل الإنسان الانتهازي؛ ذلك الشخص الذي يبرر أفعاله الخاطئة، وارتكابه للحرام والمعاصي، ويشرعن عمليات الفساد والرشوة والخيانة. إن هذا الشخص الانتهازي هو -في حقيقته- عنصر مدمر للمجتمع، وهذا ما نلاحظه بوضوح في واقعنا.

خطورة الانتهازية

إن مجتمعات اليوم التي تتفشى فيها الانتهازية هي مجتمعات مدمرة؛ فنحن نعيش وسط أزمات ومشكلات كبرى، حيث تؤدي هذه الانتهازية والفساد إلى تدمير البنية الاجتماعية. لذا، يتحتم علينا العمل بجد من أجل تحقيق الطهارة المعنوية.

ولتقريب الصورة، لنضرب مثلاً: لو أن إنساناً تلطخ جسده بمجموعة من الخبائث والأقذار من رأسه إلى قدميه، فإنه بلا شك سيشعر بالاشمئزاز من نفسه، وكذلك سيشمئز الناس منه وينفرون عنه. فكيف الحال بمن يحمل هذه الخبائث والأوساخ في نفسه وقلبه؟ المشكلة القائمة اليوم، هي أن صاحب القلب الملوث لا يشمئز من نفسه، ولا يشمئز المجتمع منه، رغم خطورة الأمر.

قد يستهين الإنسان بهذه الذنوب، ولكنها في الحقيقة قذارة؛ فارتكاب المحارم والفساد هو قذارة تلوث حقيقة الإنسان.

وعليه، فلا بد أن يتطهر الإنسان حتى يكون لائقاً بالارتباط بالإمام الحجة (عجل الله فرجه). وتتحقق هذه الطهارة بالتنزه عن المال الحرام، وإرجاع حقوق الناس، والكف عن أذيتهم. وإذا كان الإنسان صاحب سلطة أو قوة، فعليه ألا يستخدمها في إيذاء الناس، بل عليه أن يطهر ذاته من تلك الآفات.

وفي هذا المعنى، يقول الإمام علي (عليه السلام): (طهروا أنفسكم من دنس الشهوات تدركوا رفيع الدرجات)(7). وهذا يعني أن الإنسان الذي يبتغي الارتقاء في عصر الغيبة، إنما يرتقي من خلال عملية التطهير الذاتي.

وانطلاقاً من هذا المبدأ، فإن الإعلام النزيه اليوم هو الإعلام الذي يمارس عملية البناء وليس الهدم. إلا أننا -مع الأسف الشديد- نجد بعض الإعلاميين يعتمدون الصخب والإثارة لمجرد تصدّر المشهد (الترند) بأي ثمن، وكأن شعارهم الغاية تبرر الوسيلة من اجل الوصول الى مشاهدات بأي ثمن كان.

إن أي عمل من هذا النوع هو عمل تدميري؛ لأنهم يلعبون على غرائز الناس وشهواتهم ونفوسهم. وبالنتيجة، فإنهم يبتعدون عن الرسالة الحقيقية المبدئية التي يجب أن يتلبس بها الإعلامي ليكون أسوة حسنة، ويكون ممن تأسى واقتدى حقاً بنبيه وبالإمام (عليه السلام).

التطهر من الطمع وغنى النفس

وفي سياق الطهارة المعنوية، تأتي قضية: التطهر من الطمع والحرص، التي تُعد ركيزة جوهرية في أخلاقيات الانتظار، وهي ضرورية للغاية في عملية بناء الإنسان المنتظِر ليكون مستعداً.

إن الأهم في هذا البناء هو أن يكون القلب غنياً. ولكن، من أين يأتي هذا الغنى؟ إن الإنسان الذي يملك المال ولا يشبع، هو في حقيقته فقير في داخله؛ لأن قلبه من غنى الذات.

وكما ورد في الأحاديث الشريفة: إن الغنى غنى النفس؛ فهذا هو الأساس. حين تكون النفس غنية، قد نرى إنساناً فقيراً في أمواله لكنه غني في نفسه، وبالمقابل نجد من هو غني في أمواله ولكنه فقير النفس.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله: (ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس)(8).

وعن الامام علي عليه السلام: (خير الغنى غنى النفس)(9)، وعنه عليه السلام: (شَرُّ الْفَقْرِ فَقْرُ النَّفْسِ)(10).

وهذا المفهوم الوارد في حديث المعصومين عليهم السلام حول مفهوم الغنى والفقر يجب على وسائل الإعلام نشره وترسيخه باستمرار.

البشارة النبوية عن غنى النفوس في دولة المهدي

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): 

(أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض يقسم المال صحاحا،

 فقال رجل: ما صحاحا؟ قال: بالسوية بين الناس، ويملا الله قلوب أمة محمد صلى الله عليه وآله غنا ويسعهم عدله حتى يأمر مناديا ينادي يقول: من له في المال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل واحد فيقول: أنا. فيقول: ائت السدان يعني الخازن فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالا فيقول له: احث، حتى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفسا أعجز عما وسعهم فيرده ولا يقبل منه فيقال له: إنا لا نأخذ شيئا أعطينا)(11).

لاحظ هنا كيف تكون قلوب الناس في ذلك الوقت ممتلئةً بالغنى والاستغناء. وبالنتيجة، هذا هو جوهر عصر الانتظار الذي يمهد لظهور الإمام الحجة (عجل الله فرجه)؛ حين يتأسى الناس بهذه المعاني، وتتلبس نفوسهم بهذه الأخلاق العالية فترتقي أنفسهم معنويا وتتطهر عن المادية الفقيرة.

مسؤولية تبني المشروع المعرفي للمهدوية

قد يُطرح تساؤل: من الذي يتبنى نشر رسالة أهل البيت (عليهم السلام) والأحاديث والروايات الواردة عن الإمام المهدي؟ وهل المقصود بالجهة المتبنية هنا المؤسسة الدينية أو رجال الدين فقط؟

الإجابة هي: الكل مسؤول. أنتم مسؤولون، وكذلك وسائل الإعلام يقع على عاتقها دور كبير.

إن من يجب أن يتبنى نشر هذه الرسالة هو كل من يؤمن برسالة السماء، ومبادئ الأنبياء، ووصايا الأئمة (عليهم السلام)؛ فهذا المشروع لا بد من تبنيه بجدية لأنه مشروع السماء، ومشروع الأنبياء هو في جوهره مشروع معرفي عظيم وكبير، وليس مجرد طقوس أو سلوكيات شكلية؛ لذا لا بد من توضيح معالم هذا المشروع.

وهنا تتجلى مسؤولية الإعلام الكبرى في توضيح مشروع الانتظار للناس، وبيان المفاهيم الجوهرية، مثل: ما معنى ظهور الإمام الحجة؟ وما حقيقة الغيبة؟ ولماذا غاب؟

عصر الغيبة وفتنة الاختلاف

لقد تحدثنا سابقاً عن هذا الأمر، ولكن الملاحظ اليوم أن مجتمعاتنا تعيش فتنة كبيرة في عصر الغيبة؛ ونظراً لغياب الإمام عجل الله فرجه، فقد أوضحنا أن هذه الفتنة هي في حقيقتها امتحان واختبار.

وفي هذا السياق، ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخاطب فيه الإمام علياً (عليه السلام) قائلاً: (إن الله قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب علي جهاد المشركين. فقلت: يا رسول الله فبأي المنازل أنزل هؤلاء المفتونين من بعدك، أبمنزلة فتنة أم بمنزلة ردة؟ فقال: بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل، فقلت: يا رسول الله، أيدركهم العدل منا أم من غيرنا؟ قال: بل منا، بنا فتح وبنا يختم، وبنا ألف الله بين القلوب بعد الشرك، وبنا يؤلف بين القلوب بعد الفتنة. فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله)(12).

إن دلالة هذا الحديث تشير إلى أننا اليوم نعيش عصر الفتنة؛ وهو ما نلمسه واقعاً، حيث الناس مختلفون، ولكلٍ وجهته وطريقته الخاصة في التفكير. لذلك، يقع على عاتق الإعلام مسؤولية ممارسة دوره في فضح الفتنة، وكشف الحق وتمييزه عن الباطل، بعيداً عن أن يكون إعلاماً مأجوراً. فلا بد من وجود إعلام حقيقي يُبرز الرسالة المهدوية، ليخلق معادلة إيجابية تتضح من خلالها الحقائق أمام الناس.

وعند الحديث عن إعلام اليوم وعن هوية حامل الرسالة الإعلامية، نجد أن الإعلام يُقيَّم من خلال مضامينه؛ فماذا يطرح؟ هل يبث الكراهية والحقد، أم ينشر المحبة والألفة؟ هل يعزز الأمانة أم يروج للخيانة؟

إن المتتبع لما يُعرض اليوم في المسلسلات عبر الفضائيات وشبكات التواصل، يجد تركيزاً مكثفاً على الجريمة والعصابات، والخيانة والسرقة؛ حيث يتم تصوير السارق في صورة البطل، ويظهر الخائن بمظهر القوي، مما يساهم فعلياً في تعليم الناس أساليب الجريمة.

إن الترويج للعنف يمثل رسالة خاطئة، تهدف في الغالب إلى استثارة غرائز الناس ومتعتهم؛ بغية حشد الجمهور وجلب الإعلانات التجارية. إن هذا النوع من الإعلام هو إعلام مضلل ومدمر للبشرية؛ ونتيجة لذلك، نجد البشر اليوم يعيشون أزمة فكرية ونفسية حقيقية.

جدلية الوعي ومسؤولية الجمهور

لا شك أن التوعية مطلوبة ومهمة، ولكن لا بد من استحضار القاعدة التي تقول: ((فاعلية الفاعل تحتاج إلى قابلية القابل). فحتى لو كانت جهة ما تؤدي دوراً توعوياً ممتازاً، فإن هذا الجهد يحتاج في المقابل إلى عقل يستقبل، وقلب منفتح ليتلقى هذا الوعي.

لذا، نحن نوجه خطابنا للناس اليوم: لماذا تنساقون وراء الغث والخبيث، وتتبعون مصادر الشر؟ عليكم أن تتجهوا صوب الخير، وتتعلموا القيم النبيلة والأخلاق الحسنة.

نحن اليوم نشجع على التغيير؛ فالمسألة متبادلة: إذا تغير الإعلام، تغيرت ذائقة الناس، وإذا تغير الناس، تغير الإعلام أيضاً. فبالنتيجة، قد يحتج الإعلام بمبدأ العرض والطلب، قائلاً: إن الجمهور هو من يريد هذا النوع من المحتوى. ومن هنا، يتحمل الناس أيضاً مسؤولية ما يُعرض عليهم.

التلوث المعلوماتي وأثره على النفس

هل يُعقل أن يبحث الإنسان بنفسه عن الأمور الملوثة والشوائب؟ إن فعل ذلك، فإنه يلوث إنسانيته. وهنا تكمن أهمية الوعي بحقيقة هذه القضية، وهو ما يعيدنا إلى الحديث عن الطهارة؛ طهارة الذات، والقلب، والنفس.

فالإنسان الذي يتلقى معلومات وأفكاراً سيئة، يسمح لها بالتسلل إلى باطنه لتستقر في قلبه وتلوث نفسه، مما يورثه أمراضاً نفسية وحالة من الكآبة والسوداوية.

وكثيراً ما نلاحظ هذا الأمر لدى المتابعين للأفلام والمسلسلات بشغف؛ فبعد طول المشاهدة، وعند انتهاء العمل الفني، يصاب المشاهد بحالة من الكآبة والضيق. والسبب يكمن في أن الفيلم الذي شاهده قد فرض سطوته على شخصيته، ولم يقدم له نهاية تُشبع روحه أو ترضي نفسه؛ بل على العكس، تلوثت نفسه بحالة من الظلامية والعدمية.

الاستضاءة بنور الإمام وخطورة الإعلام المدمر

خلاصة القول؛ إن قيم أهل البيت (عليهم السلام) هي القيم التي يُستضاء بنورها، مصداقاً لقول أمير المؤمنين (عليه السلام). فالمقتدي بإمامه والمستضيء بنوره، يمتلئ قلبه بالنور والشعور بالوجود الحقيقي.

أما من لا يستضيء بنور إمامه، فإنه يقع في ظلمات العدم والعدمية؛ فلا يعود يشعر بجدوى الحياة أو فائدتها؛ في حين أن الحياة الحقيقية تقوم على الأمل، والحركة، والتفاؤل.

ومن هنا، يتبين أن للإعلام رسالة عظيمة وخطيرة؛ فإما أن تكون رسالة بنّاءة ومُطهرة تبني الشخصية الإنسانية، وإما أن تكون رسالة مدمرة وملوثة. ومع الأسف الشديد، فقد أصبح الإعلام اليوم مدمراً، ورغم ذلك فقد فتحنا مجاله لأبنائنا، ليتربوا عليه، ويتغذوا مما يبثه من تغذية سيئة.

دور المؤسسات الدينية والتعليمية في التنشئة المهدوية

ولكن كيف يمكن للمؤسسات الدينية والتعليمية نشر الثقافة المهدوية بين الأجيال الجديدة؟

في الواقع، يقع على عاتق المؤسسات الدينية واجب كبير جداً، يتمثل في تبني المشروع المعرفي. وهذا يقتضي بناء الكفاءات الجيدة، ورفد المؤسسة الدينية بالقدرات المعرفية، والعمل على إنشاء المناهج الصالحة.

إننا بحاجة إلى مشروع تربوي مهدوي يبدأ منذ الصغر. وعلينا هنا ألا نركز على الأعمال السريعة أو الحلول الآنية لمجرد تمشية الأمور؛ بل يجب أن نبدأ من الأساس، من نقطة الصفر.

إن أساس هذا المشروع التربوي المهدوي يبدأ من الطفل الرضيع، بل وحتى وهو جنين في بطن أمه. وهذا يحتم على الأم والأب أن يتلبسوا بأخلاق أهل البيت (عليهم السلام)، وأن يمتلكوا المعرفة والوعي اللازمين بهذه الأخلاق.

وهذا الأمر يستدعي من المؤسسات الدينية إنشاء مؤسسات اجتماعية وتربوية رديفة، ومنظمات تقيم دورات للمتزوجين، ودورات في التربية الأسرية، بالإضافة إلى وضع برامج وتأسيس مدارس ومناهج مخصصة للمراهقين والشباب؛ ليكون التبني للمشروع المعرفي تبنياً كاملاً وشاملاً. وهذه نقطة جوهرية للغاية في عملية تطهير الإنسان.

التكامل بين التطهير والتزكية

إن عملية تطهير الإنسان تبدأ أولاً من هدم وإزالة كل الجوانب السيئة فيه، تمهيداً للانتقال إلى مشروع التزكية. وهذان المفهومان (التطهير والتزكية) متلازمان كما ورد في النص القرآني: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)التوبة103.

فالتزكية تعني عملية تنمية للإنسان ونمو لشخصيته؛ ولكن لكي تتحقق، يحتاج الإنسان أن يعبر مرحلة التطهير أولاً. وهذا الأمر يستدعي وجود برنامج استراتيجي مركّز؛ يهدف إلى تنقية الفكر، وتنقية المعرفة، وتنقية السلوك من كافة الشوائب العالقة به، وذلك من خلال عمل اجتماعي شامل.

المجالس الحسينية: من الشعيرة إلى بناء التقوى المعرفية

أؤكد مجدداً على محور المعرفة، وكيفية تحقيق الاستفادة القصوى من المجالس الحسينية. فهذه المجالس، وإن كانت مجالس شعائرية، إلا أنه ينبغي تحويلها إلى مدرسة؛ مصداقاً لمفهوم تعظيم شعائر الله التي هي من تقوى القلوب.

ولكن، كيف تتقي القلوب؟ إن القلوب تصل إلى مرحلة التقوى عندما تُضخ فيها المعرفة وتزخر بها. إذن، هناك معادلة قوامها (الوسيلة والهدف)؛ فالشعائر والمجالس الحسينية هي الوسيلة لبناء التقوى المعرفية في قلب الإنسان، لتكون بعد ذلك منطلقاً نحو التزكية والتنمية والتطور في شخصية الإنسان المنتظِر.

وهذه نقطة جوهرية طالما نصحتُ بها، مستذكراً تأكيدات الإمام الشيرازي والسيد محمد رضا الشيرازي (رحمهما الله)، حيث كانوا يشددون كثيراً على قضية تأسيس المجالس الحسينية في المنازل. والسبب الكامن وراء ذلك هو عملية البناء؛ أي بناء الشخصية المعرفية لدى الإنسان.

فلسفة الشعائر: من التغذية العاطفية إلى المشروع المهدوي

ان المجالس الحسينية والزيارات الدينية أثر في تقوية الارتباط العقائدي بالإمام المهدي (عجل الله فرجه)، حيث تكمن أهمية هذه الشعائر في البناء المعرفي للشخصية. ويتم ذلك بدايةً حين تعمل على تغذية العاطفة الإنسانية بالمشاعر؛ وهذه التغذية العاطفية والشعور بما تطرحه من أفكار تعمل على كسر حالة التصلب داخل النفس البشرية. وحين ينكسر هذا التصلب، يبدأ الإنسان بعملية الانفتاح؛ فينفتح قلبه على الموعظة والنصيحة، مما يؤهله للتعلم واكتساب المعرفة.

وهذه هي -في الواقع- فلسفة الزيارات والمجالس الحسينية، فقد ورد في الحديث: (من أتى الحسين عارفا بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)(13). لاحظ هنا التركيز على المعرفة. إن هذه المعرفة هي التي تقود الإنسان نحو الاستغفار، ونحو بناء ذاته، وتدفعه للتقدم نحو المستقبل لخدمة المشروع المهدوي.

الاستنتاجات: طاقة الانتظار ومهارة النجاة

لقد توصلت إلى مجموعة من الاستنتاجات المهمة التي تشكل خلاصة لهذا البحث:

الأول: إن مفهوم الانتظار يمنحنا طاقة إيجابية للنجاة، وللعيش بسلام عقائدي ونفسي، بعيداً عن مشاعر القلق والكآبة والخوف واليأس. ويمكن تشبيه الأمر (بمن يتقن السباحة وسط بحر عاصف)؛ إذ من الضروري جداً أن يتقن المؤمن السباحة في عصر الانتظار، ليعرف كيف ينجو ويخرج من أمواج الفتنة دون أن يغرق فيها.

وعليه، فإن الإنسان العارف بحقيقة هذا المعنى في واقعنا اليوم، يمتلك طاقة إيجابية، وأملاً، وتفاؤلاً، ويتمتع بسلام نفسي وعقائدي داخلي.

الثاني: إن معرفة مفهوم الانتظار تقودنا للاهتداء نحو الطرق السليمة في حياتنا، وتجنبنا مطبات الانحراف والضلالة والشك (لا سمح الله). فلا بد من معرفة حقيقة الانتظار؛ إذ هو الطريق الذي يضمن لنا المسلك الآمن والسليم، وينأى بنا عن الفتن ومظاهر الضلال والانحراف التي كثرت وتعاظمت في واقعنا اليوم.

الثالث: إن الانسجام مع مفهوم الانتظار يقودنا نحو تبني القيم الأخلاقية الخيرة، التي تكفل لنا العيش بازدهار وسعادة. ومن أهم تلك القيم: الطهارة المعنوية والتزكية النفسية. وهذا يتطابق تماماً مع ما أوصانا به الإمام العسكري (عليه السلام) حينما بين لنا كيف يكون الشيعي الحقيقي؛ فتلك الوصايا تمثل الخلاصة والجوهر لبناء الشخصية الشيعية.

رابعا: إن الإعداد الحقيقي يعني التربية؛ فإعداد الأجيال المنتمية إلى صاحب العصر والزمان يعتمد بالأساس على التربية الصالحة، التي تكون نتاجاً للتغذية الثقافية والعقائدية الجيدة.

ومن هنا، نوجه نصيحتنا للآباء والأسر: أبعدوا أبناءكم وبناتكم عن التغذية الثقافية السيئة؛ فهي الخطر الأكبر والمدمر الذي يهدد أبناءكم بخسارة الدنيا والآخرة. وأنتم تلاحظون اليوم كيف تتغير السلوكيات سلباً بسبب هذه التغذية الثقافية والعقائدية السيئة المستقاة من وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. لذا، فإن مسؤولية التربية المهدوية والتحصين الثقافي هي مسؤولية بالغة الأهمية.

خامسا: إن جوهر مفهوم الانتظار يقوم على المعرفة؛ ولذا فإن مسؤوليتنا الأولى والأهم هي الاستنقاذ بالمعرفة لأولئك المنقطعين عن معرفة الإمام (عجل الله فرجه) ومناهجه.

وكما أشرنا في أحاديث سابقة؛ فإن اليتيم الحقيقي هو المنقطع عن إمامه المعصوم. وفي بيان فضل هداية هذا اليتيم، يقول الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): 

(فضل كافل يتيم آل محمد المنقطع عن مواليه الناشب في رتبة الجهل - يخرجه من جهله، ويوضح له ما اشتبه عليه - على فضل كافل يتيم يطعمه ويسقيه، كفضل الشمس على السهى)(14).

والسُهى نجم خفي ضئيل النور، أما الشمس فهي ساطعة دائمة الحضور وعظيمة النفع. لذا، عند قياس الأعمال وتحديد الأولويات، لا بد أن تكون الصدارة لـ الأعمال المعرفية؛ فالعمل المعرفي هو الذي يمهد حقيقةً لظهور الإمام الحجة في عصر الغيبة.

ونختم حديثنا بالدعاء القرآني:

 (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) البقرة 250

* المقال هو حوار بث على قناة الانوار الفضائية في برنامج المحطات

.............................................

(1) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 160.

(2) الكافي، ج ٨، الشيخ الكليني، ص ٢٣٤.

(3) نهج البلاغة، الكتاب رقم: 45.

(4) بحار الأنوار، ج ٧٥، العلامة المجلسي، ص ٣٧٢.

(5) وسائل الشيعة (الإسلامية)، ج ١، الحر العاملي، ص ٥٦.

(6) كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، ص ٢٠٧.

عن سليمان بن مهران الأعمش، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين عليهم السلام قال: نحن أئمة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها وبنا ينزل الغيث، وتنشر الرحمة، وتخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها، ثم قال: ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة الله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلوا إلى أن تقوم الساعة من حجة الله فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله. قال: سليمان، فقلت للصادق عليه السلام: فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب.

(7) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٤٠.

(8) تحف العقول عن آل الرسول (ص)، ابن شعبة الحراني، ص ٥٧.

(9) عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص ٢٣٧.

(10) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٣٢.

(11) بحار الأنوار، ج ٥١، العلامة المجلسي، ص ٩٢.

(12) بحار الأنوار، ج ٢٨، العلامة المجلسي، ص ٧٩.

(13) الكافي، ج ٤، الشيخ الكليني، ص ٥٨٢.

(14) تفسير الإمام العسكري (ع)، المنسوب إلى الإمام العسكري (ع)، ص ٣٤١.

ذات صلة

ميثاق الإنسان المهدوي: بيان من أجل حضارة العقل والرحمةفي ذكرى مولد المُنقذ: نحن والانتظار الإيجابيمرويات الإمام حسن العسكري في الإمام المهدي(عليهم السلام)‏ترامب والمالكي وبينهما العراقخيارات إيران المحدودة