علي الأكبر(ع): مدرسة الأخلاق وإعادة تعريف الفتوة
السيد هاشم أمير الهاشمي
2026-02-02 04:29
مقدمة
تتكرر في الوعي الديني مناسبات الولادة بوصفها محطات فرح، غير أن السؤال الأخلاقي الذي يفرض نفسه: هل تبقى المناسبة احتفالًا عاطفيًا محدود الأثر، أم تتحول إلى معيار سلوكي يُعاد به ترتيب الأولويات اليومية للمؤمن؟ تزداد أهمية هذا السؤال حين نتناول مولد علي الأكبر عليه السلام، لأن صورته في الذاكرة الروائية ليست مجرد سيرة شاب صالح، بل نموذج كثيف الدلالة على معنى “الفتوة” حين تقترن بالبصيرة والحياء والشجاعة وضبط النفس في لحظات الضغط القصوى.
تنطلق أطروحة هذه المقالة من أن استحضار مولده عليه السلام ينبغي أن يُقرأ أخلاقيًا بوصفه إعادة تعريف لمفهوم الشباب: من مرحلة يكثر فيها الاضطراب والاندفاع إلى مرحلة يمكن أن تكون ذروة الاتزان الروحي والاجتماعي؛ وأن هذا التحول لا يتحقق بالمواعظ المجردة، بل بالاقتداء العملي بسلوكه كما قدمته النصوص الروائية، مع الاستفادة المنهجية من مفاهيم علم النفس والاجتماع في فهم آليات تشكل السلوك ودور البيئة والقدوة في تثبيت القيم.[١]
عرض تحليلي
يرتكز التحليل على ضبط المفاهيم قبل تنزيلها على الواقع. فالخلق في اللغة ليس مجرد أفعال متفرقة، بل هيئة باطنية راسخة تولد السلوك بسهولة. جاء في مصدر لغوي: “الخلق: السجية والطبع”[٢]، وفي مصدر لغوي آخر: “الخلق: كيفية نفسانية تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير حاجة إلى فكر وروية”[٣]. بهذا يتضح أن محور الأخلاق ليس “الالتزام المؤقت” بل “البناء الداخلي” الذي يجعل الاستقامة عادة لا تكلفًا. ومن هنا يتخذ مولد علي الأكبر عليه السلام قيمة أخلاقية مضاعفة: فهو استدعاء لمشروع صناعة السجية، لا لتسجيل موقف عابر.
ويتعمق المفهوم أكثر حين ندخل إلى معنى الفتوة كما ورد في النصوص، إذ لا تنحصر في الشجاعة القتالية، بل تتسع لتشمل الكرم وكف الأذى وبذل المعروف. ورد: “إنما المروءة والفتوة طعام موضوع، ونائل مبذول، وبر معروف، وأذى مكفوف”[٤]. هذا النص يضع معيارًا عمليًا شديد الصلة بحياة المؤمن اليوم: الفتوة تُقاس بما تقدمه للناس وبما تمنعه عنهم من ضرر، لا بما ترفعه من شعارات. في زمن الاستفزاز الرقمي وسرعة الاتهام وسهولة الإيذاء اللفظي، يصبح “أذى مكفوف” مؤشرًا أخلاقيًا دقيقًا: ضبط اللسان، كبح التشهير، رد العدوان المعنوي برد يحفظ الكرامة ولا يطلق الفوضى.
أما الصورة الروائية الأولى لعلي الأكبر عليه السلام فتبلغ ذروتها في إبراز صلته المباشرة بالقدوة العليا: رسول الله صلى الله عليه وآله. يقول الإمام الحسين عليه السلام: “اللهم اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقًا وخلقًا ومنطقًا برسولك محمد صلى الله عليه وآله وكنا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إلى وجهه”[٥]. الدلالة الأخلاقية هنا ليست في التشابه الجسدي فحسب، بل في اجتماع ثلاثة عناصر: الخَلق والخُلُق والمنطق؛ أي الباطن والسلوك والبيان. وهذا يفتح بابًا تطبيقيًا شديد الأهمية: كثير من أزمات الشباب اليوم لا تتعلق بضعف المعلومات الدينية، بل بتشتت الهوية بين صور متناقضة للقدوة؛ فإذا لم ير الشاب نموذجًا متكاملًا يجمع بين الإيمان والاتزان الاجتماعي واللغة المهذبة، تشكلت أخلاقه على أنصاف أمثلة. إن ولادة علي الأكبر عليه السلام تذكر المؤمن بأن القدوة المتكاملة ممكنة، وأن استعادة “الأسوة” ليست شعارًا بل ممارسة، وهو ما يؤكده قوله تعالى: “لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ”[٦].
ويتجسد عمق البناء الداخلي في لحظة الحوار التي تكشف عن توازن نادر بين العاطفة واليقين. جاء: “فقال علي بن الحسين عليه السلام لأبيه: يا أبه، ألسنا على الحق؟ فقال: بلى والذي إليه مرجع العباد. فقال: يا أبه، إذن لا نبالي أن نموت محقين”[٧]. هذا النص يضع اليد على آلية أخلاقية مركزية: تحويل السؤال الوجودي إلى بوصلة سلوكية.
وتظهر الفتوة أيضًا في كيفية تعامل الإمام الحسين عليه السلام مع ابنه، إذ لا يغيب البعد الإنساني في أعلى مراتب التضحية. ورد: “فحمل الحسين عليه السلام ولده عليًا وكان قتل، فوضع خده على خده، وقال: قتل الله قومًا قتلوك يا بني…”[٨].
وعند تحويل هذا النموذج إلى معيار عام، تأتي النصوص الجامعة التي تجعل الأخلاق قلب الدين لا هامشه. يقول الإمام الباقر عليه السلام: “إن أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا”[٩]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله: “ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من حسن الخلق”[١٠].
ويستكمل البعد العلمي توضيح كيف تتشكل هذه الأخلاق وتستقر. تشير مادة علم النفس إلى أن من فروعه “علم نفس النمو: يهتم بدراسة نمو الإنسان في مراحل عمره المختلفة، ودراسة التغيرات التي تطرأ عليه”[١١]، وقد ورد في الإحالة نفسها أن هذا المعنى مذكور في: “مدخل إلى علم النفس”[١٢].
هذا يفسر لماذا تكتسب مناسبة مولده عليه السلام قيمة تربوية: مرحلة الشباب هي مرحلة تشكل العادات والقيم بصورة حاسمة، وما يتكرر فيها يصير “سجية” لا “حالة”. فإذا كانت البيئة المنزلية والمدرسية لا تقدم قدوة واضحة في الصدق والعفة والكرم وضبط الغضب، فإن الشاب سيبحث عن بديل في جماعات الضغط والموضة والسلوك المندفع. أما إذا قُدمت له قدوة متوازنة كنموذج علي الأكبر عليه السلام، ومعها لغة عملية للتدريب: مراقبة اللسان، ضبط الردود، خدمة الناس، صلة الرحم، الالتزام بالواجبات، صار بناء الخلق ممكنا ومقننا، لا مجرد تمني.
وتبقى نقطة جامعة: أخلاق علي الأكبر عليه السلام ليست خطابا مثاليا بعيدا عن الحياة اليومية، بل منهج “فتوة” قابل للتطبيق في أبسط تفاصيل اليوم. من يذكر مولده عليه السلام ثم يظلم في معاملة موظف أو طالب أو زوجة أو جار، فقد فصل المناسبة عن معناها. ومن يحيي مولده ثم يشارك في إيذاء معنوي على منصات التواصل، فقد خالف لب الفتوة: “وأذى مكفوف”[13]. ومن يوقر هذه الذكرى ثم يربي أبناءه على التحقير والسخرية، فقد أبعدهم عن “الخلق العظيم” الذي وصف الله به نبيه صلى الله عليه وآله: “وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ” [14].
خاتمة
تنتهي هذه الدراسة إلى أن مولد علي الأكبر عليه السلام ليس مناسبة تذكر للتأريخ فحسب، بل مدرسة أخلاقية لتجديد معنى الفتوة في حياة المؤمنين. وقد تبين أن “الخلق” في مفهومه اللغوي هيئة راسخة تنبثق منها الأفعال بسهولة[15] ، وأن “المروءة والفتوة” تتجسد في الكرم وكف الأذى وبذل المعروف[16]. كما أظهرت النصوص الروائية أن علي الأكبر عليه السلام جمع خصال القدوة المتكاملة: تشابه مع رسول الله صلى الله عليه وآله خلقا وخلقا ومنطقا[17]، وبصيرة تثبت المعيار قبل الفعل: “ألسنا على الحق؟”[18]، ونموذج إنساني يوازن بين الإيمان والألم دون انفلات أخلاقي[19]. وأكدت نصوص الكافي أن حسن الخلق معيار كمال الإيمان وثقل الميزان[20]. وعليه، فإن أصدق إحياء لمولده عليه السلام هو تحويل الذكرى إلى برنامج عمل: تهذيب السجية، ضبط اللسان، رعاية الحقوق، وتقديم الخير للناس، ليصبح الفرح بالمناسبة فاعلا في السلوك لا محصورا في المشاعر.