حين يتحوّل اللقب إلى مدرسة.. الكاظم يُجسِّد منهجًا

د. عقيل كريم الحسناوي

2026-01-15 03:41

في التاريخ الإسلامي، لم تكن ألقاب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تسميات عابرة أو أوصافًا لغوية مجرّدة، بل كانت اختزالًا لمنهجٍ كامل في الحياة، وتجسيدًا عمليًا لقيمٍ كبرى عاشها الإمام ومارسها في أدق تفاصيل وجوده. ومن بين هذه الألقاب، يبرز لقب "الكاظم" بوصفه أحد أكثر الألقاب عمقًا وتأثيرًا، لأنه لا يصف حالة نفسية مؤقتة، بل يعبّر عن مشروع أخلاقي متكامل في مواجهة الظلم، والاستبداد، والانحراف.

 إن الحديث عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) بوصفه الكاظم لا يعني الحديث عن رجلٍ صابر فحسب، بل عن منهج واعٍ في إدارة الصراع، وعن فلسفة أخلاقية راقية تُعيد تعريف القوة، وتفكّك وهم العنف، وتُقدّم نموذجًا بديلًا للمقاومة لا يقوم على السيف، بل على ضبط النفس، وثبات المبدأ، وسموّ الروح.

المعنى الحقيقي للكظم… بين اللغة والمنهج

في اللغة، يعني الكظم حبس الغيظ، وضبط الغضب، ومنع النفس من الانفجار عند الاستفزاز. غير أن هذا المعنى اللغوي، على بساطته، لا يكفي لفهم عمق اللقب حين يُنسب إلى إمامٍ معصوم عاش في ظلّ دولة قمعية. فالكظم عند الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) لم يكن:

- ضعفًا،

- ولا خوفًا،

- ولا استسلامًا للأمر الواقع،

بل كان اختيارًا واعيًا نابعًا من إدراك عميق لطبيعة المرحلة، ولآليات الصراع، ولحدود القوة العسكرية في مواجهة سلطة تمتلك السيف، والمال، والإعلام. لقد حوّل الإمام الكاظم – الكظم – من حالة نفسية فردية إلى منهج سياسي– أخلاقي، يُربك الظالم بدل أن يخدمه، ويُفشل مخططاته بدل أن يبرّر قمعه.

لماذا كان الكظم ضرورة؟ 

عاش الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في واحدة من أخطر مراحل التاريخ الإسلامي، حيث بلغت الدولة العباسية ذروة قوتها السياسية والعسكرية، لكنها في الوقت ذاته بلغت ذروة انحرافها الأخلاقي. فقد تحوّل شعار نصرة آل محمد إلى أداة للوصول إلى الحكم، ثم أُقصي آل محمد، ووُضعوا تحت المراقبة والسجن والتنكيل.

في هذا السياق: كانت أي حركة مسلحة تعني الإبادة الشاملة، وكان أي انفعال غير محسوب يُستغل لتشويه خط الإمامة، وكان الصمت الحكيم أبلغ من آلاف الخطب. من هنا، لم يكن الكظم خيارًا شخصيًا، بل تكليفًا إلهيًا ينسجم مع المرحلة، ويحفظ خط الرسالة، ويمنع استنزاف الأمة في معارك خاسرة.

الكاظم لا يعني الصامت عن الحق

من أخطر سوء الفهم أن يُظنّ أن الإمام الكاظم (عليه السلام) كان ساكتًا عن الظلم أو راضيًا به. والحقيقة أن الإمام كان، واضحًا في موقفه، ثابتًا في مبادئه، لا يُهادن الباطل، ولا يُجمّله. غير أن الفرق الجوهري هو أنه لم يُحوّل الحق إلى رد فعل غاضب، بل جعله موقفًا ثابتًا لا يتغيّر بتغيّر الظروف. لقد كان الإمام يقول لا للطغيان، ولكن: دون صراخ، دون تهوّر، دون أن يمنح الظالم فرصة لتبرير جرائمه. وهنا تتجلّى عبقرية المنهج الكاظمي: مواجهة بلا عنف، ورفض بلا فوضى، وصبر بلا تنازل.

فالكظم قوة أخلاقية لا يملكها الطغاة... فالطغاة لا يخافون من الإنسان الغاضب، لأن غضبه يُبرّر قمعه، لكنهم يرتعبون من الإنسان الهادئ الذي لا ينكسر، ولا ينجرّ إلى الاستفزاز. ولهذا السبب، كان الإمام الكاظم (عليه السلام) مصدر قلق دائم للسلطة العباسية.

فكيف تُواجه رجلًا: لا يثور حين يُستفز، لا ينهار حين يُسجَن، لا يساوم حين يُغرى، ولا يصرخ حين يُظلَم. إن الكظم في هذا المعنى يتحوّل إلى سلاحٍ أخلاقي يُجرّد الظالم من أدواته. فالظالم يحتاج دائمًا إلى خصم غاضب، متهوّر، لكي يبرّر بطشه، أما الإمام الكاظم فقد حرمه من هذا الامتياز.

وقد كان السجن الخيار الامثل للسلطة الظالمة آنذاك... الا ان السجن كان المختبر الحقيقي للقب الكاظم، حيث قضى الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) سنوات طويلة في السجون العباسية، متنقّلًا بين زنازين مظلمة، بلا محاكمة، وبلا تهمة سوى أنه إمام. وفي هذا المكان، حيث ينفجر معظم البشر، تجلّى معنى الكظم بأبهى صوره. لقد حوّل الإمام السجن إلى: محراب عبادة ومدرسة أخلاق، ومنصة تربية روحية. كان سجّانوه يشهدون له بالصدق، والزهد، وحسن الخلق، حتى أن بعضهم تغيّر على يديه. وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى: السلطة سجنت الجسد، لكنها لم تستطع أسر الروح.

الكاظم ومنهج إدارة الغضب في المجتمع

منهج الإمام الكاظم (عليه السلام) لا يخصّ عصره فقط، بل هو حاجة ماسّة لمجتمعاتنا اليوم، حيث، ينتشر الغضب وتتصاعد الانفعالات وتُدار الخلافات بالعنف اللفظي والمادي. لقد علّمنا الإمام أن: الغضب لا يبني دولة والانفعال لا يصنع عدالة، والانتقام لا يُنتج إصلاحًا.

الكظم هنا ليس دعوة لكبت المشاعر، بل دعوة لتحويلها إلى طاقة إصلاح، وإلى وعي يُفرّق بين رد الفعل، والفعل المسؤول. فالكظم عند الإمام لم يكن تنازلًا عن الكرامة، بل كان أعلى درجات الكرامة. فالإنسان الذي يملك نفسه عند الغضب هو الإنسان الذي لا يسمح للآخرين بالتحكم به. وهنا يتلاقى الكظم مع الحرية الداخلية. لقد كان الإمام حرًّا حتى وهو في السجن، لأن حريته لم تكن مرتبطة بالمكان، بل بالموقف. وهذا درس عظيم لكل من يظن أن الحرية تُمنح من الخارج، بينما هي في الحقيقة تُبنى في الداخل.

لقد واجه الامام الكاظم ثقافة العنف في عالمٍ يُمجّد القوة الصاخبة، ويحتفي بالعنف، ويخلط بين الشجاعة والتهوّر، يأتي لقب الكاظم ليُعيد ترتيب القيم. فهو يقول لنا بوضوح: ليست القوة في رفع الصوت ولا في إشهار السلاح، بل في امتلاك النفس والثبات على الحق وعدم الانجرار إلى مستنقع الظالم.

الساتياغراها… الحقيقة في مواجهة القوة

في سياق مختلف، خضع الشعب الهندي للاستعمار البريطاني، الذي امتلك السلاح والقانون والإدارة. وكان من الممكن الردّ بالعنف، لكن غاندي أدرك أن العنف سيبرّر الاستعمار، ويُفقد المقاومة بعدها الأخلاقي. فطرح منهج الساتياغراها، القائم على:

- اللاعنف،

- العصيان المدني،

- تحمّل الألم دون ردّ العدوان بمثله.

الساتياغراها ليست سلمية سلبية، بل ضغط أخلاقي منظم، يجعل الظالم في مواجهة ضميره وأمام الرأي العام. وهي تقوم على فكرة محورية: الظلم لا يسقط بالقوة فقط، بل يسقط حين يفقد شرعيته الأخلاقية.

يمكن القول إن تجربة المهاتما غاندي في العصر الحديث تمثّل أحد أبرز التطبيقات العملية لمبادئٍ أخلاقية جسّدها الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) قبل قرون، وإن اختلف السياق الديني والتاريخي. فغاندي، في مواجهته للاستعمار البريطاني، لم يعتمد العنف ولا الانتقام، بل تبنّى منهج ضبط النفس، وكبح الغضب، وتحويل المعاناة إلى أداة لكشف الظلم، وهي ذات الركائز التي ارساها منهج الامام الكاظم في كظم الغيظ ومقاومة الطغيان دون الانجرار إلى منطقه.

 لقد أدرك غاندي أن الانفعال يخدم الظالم أكثر مما يضرّه، وأن الصبر الواعي ليس انسحابًا من الصراع بل إعادة صياغة له على أساس أخلاقي. وبهذا المعنى، يمكن قراءة الساتياغراها بوصفها تطبيقا لمنهج الكظم: مقاومة تقوم على امتلاك الذات، وتجريد السلطة الجائرة من شرعيتها الأخلاقية، وتحويل القوة من أداة قهر إلى امتحانٍ للحقيقة والضمير.

الكاظم… حاجة العصر لا ذكرى الماضي

انتهت حياة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) بالسم في سجن بغداد، لكنه لم ينتهِ كمنهزم، بل كمنتصر أخلاقيًا. لقد قُتل جسده، لكن منهجه انتصر، وبقي اسمه رمزًا للصبر الواعي، والكظم المسؤول، والمقاومة الصامتة. لقد أرادت السلطة أن تُطفئ نوره، فإذا بها تُخلّد لقبه، وتُثبت أن القوة لا تستطيع قتل القيم.

ونحن اليوم، في زمنٍ تتسارع فيه الانفعالات، وتُدار فيه الخلافات بالعنف، وتُختصر فيه القيم بالشعارات، نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى استحضار منهج الامام الكاظم (عليه السلام)، لا بوصفه قصة تاريخية، بل كدليل عملي للحياة. إن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) لم يعلّمنا كيف نكظم الغيظ فحسب، بل كيف نُدير الصراع بوعي ونحفظ الكرامة دون فوضى ونقاوم الظلم دون أن نلبسه. وهكذا، يبقى لقب الامام خالدًا: الكاظم… ليس اسمًا، بل منهجًا.

..........................................

 مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

ذات صلة

سيكولوجية الغفلة: لماذا تعجز الأجيال عن الاستقراء الأخلاقي لمن سبقها؟العودة الى اللهالامام الكاظم والحرب الناعمةموقف التمييز الاتحادية من النفط والغازمن يخلق المعنى النص أم القارئ؟