التطرف والتكفير: حكاية قديمة!!

عبد الامير المجر

2018-09-03 08:20

قبل نحو عشرين عاما، قرأتُ كتابا بعنوان (مذكرات مستر همفر)، وهو جاسوس بريطاني في البلاد الاسلامية، وتحديدا في العراق والجزيرة العربية مرورا بتركيا العثمانية، التي كانت تخضع لسلطتها منطقتنا كلها تقريبا، ارسلته المخابرات البريطانية في القرن قبل الماضي، لتقديم تقارير لها من هناك، تمهيدا للحملة الكولنيالية التي قامت بها بريطانيا لاحقا بالقصة المعروفة..

الكتاب يمثل رحلة مشوقة ومليئة بالمغامرات التي تذكرنا بمغامرات (لورنس العرب) وكتابه الشهير (اعمدة الحكمة السبعة) الذي مازج فيه بين الواقع والخيال، لكنه في المحصلة النهائية يمثل تجربة اعتمدت على ارضية واقعية، نوّع عليها من خياله الخصب الذي منحه اصلا قدرة غير اعتيادية في اختراق سكان هذه المنطقة الصعبة، وتعلّم لغتهم وفض منازعاتهم ايضا!!

وغض النظر عن مدى صدقية المعلومات التي جاءت في كتاب او مذكرات (مستر همفر) فان قيمتها تكمن في انها دقيقة على مستوى مطابقتها للواقع، الذي اسس فيه هذا الجاسوس الخطير لبذرة التطرف التي اسهمت فيما بعد في اعادة رسم خارطة الجزيرة العربية سياسيا، بما يتطابق مع رؤية بريطانيا التي خططت لها في تلك المرحلة المبكرة، وقطفت ثمارها بعد حين، الا ان اهم ما تركه هذا الجاسوس، هو ان فعله التخريبي الذي اتي به الينا، اسس لانشقاقات في صفوف المسلمين من خلال صناعته لثقافة تدميرية صار لها اتباع واشياع، وصرنا نحن نحصد ثمارها المرة اليوم وقبل اليوم، ولاندري الى اين ستذهب بالمنطقة بعد ان اتسعت رقعة التطرف واستدرجت الالاف من الشباب المسلمين الى الفخ التاريخي الذي وجدوا انفسهم فيه ووضعونا فيه ايضا.

واصدرت السلطات بعض الدول قرارا بمعاقبة الشباب الذين يقاتلون خارج بلدانهم باسم الجهاد، وهذا القرار الذي جاء متأخرا كثيرا، ربما تكون تأثيراته محدودة، لأكثر من سبب، كونه يبقى اجرائيا، ولا يعالج المسألة من جذورها، اي ان المشكلة لا تكمن في القرارات الرسمية بقدر ما تتعلق بالثقافة التي ترسخت بشكل كبير عبر عقود طويلة من الزمن، ووجدت مجالها الاوسع للتطبيق، بعد الاجتياح السوفيتي لافغانستان، وحاجة الولايات المتحدة الاميركية الى استنهاض عقيدة (الجهاد) في نفوس الشباب المسلم، ليحاربوا السوفيت بدلا منهم او بالنيابة والغفلة معا، ليكونوا في قلب اللعبة السياسية التي تديرها شبكة عنكبوتية، مخابراتية بالغة الدقة والتعقيد، ونافذة الى قلب بعض المؤسسات الدينية، من خلال رجال دين تمت صناعتهم من قبل، او منذ عهد همفر، ليكونوا جنودا مستدرجين او مغفلين او عارفين بحقيقة اللعبة، حتى وصلنا الى (الجهاد) الذي تشظى اليوم تحت مسميات عديدة لجماعات تختلف ربما فيما بينها، لكنها تتفق في الجوهر، وربما يكون تنوعها جزءا من متطلبات اللعبة، بغية السيطرة عليها ولاغراض المناورة، التي تسهل مع جماعات صغيرة متفرقة ومتناحرة، لا يمكنها التمرد على مراجعها العليا، او ساحاتها اللوجستية التي تتحكم في حركتها، وتضبط ايقاعها.

انهاء هذه الجماعات، يتمثل اولا بانهاء هذه الثقافة، وهذا يتطلب جهودا متمادية على مستوى الدول، تبدأ بالتعليم الذي يجب ان يشيع ثقافة الاسلام النقية من هذا الخبث الدخيل، وتنتهي باصلاح الاوضاع السياسية وعدم انتظار (ربيع عربي) او خريف او شتاء، لان ذلك يفاقم المسألة ويزيد من التطرف الذي يذكيه فراغ السلطة وشهوة هؤلاء للحكم، المشفوعة بثقافة استحواذية متطرفة تضع الجميع امام استحقاقات قاسية، كالتي ندفعها اليوم جميعا، فهل هناك من يعتبر؟!.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

ذات صلة

كيف ننشر الفكر الشيعي في العالم؟الإرهاب ضرورة استراتيجية لبقاء امريكاأعمدة الاعتدال في الدولة المدنية الحديثةفرنسا وإيران: ما دلالات التوتر المعلن على مستقبل العلاقات بينهما؟النار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله