المعضلة الثلاثية للذكاء الاصطناعي
مفاضلات.. الأمن القومي، الاقتصادي، المجتمعي
Foreign Affairs
2026-08-18 04:16
تواجه الحكومات مع صعود الذكاء الاصطناعي معضلة يصعب الجمع بين أطرافها: كيف تحافظ على الأمن القومي، وتضمن الأمن الاقتصادي، وتحمي في الوقت نفسه الأمن المجتمعي من مخاطر التقنية؟ وفي هذا المقال المنشور في مجلة «فورين أفيرز»، يرى سيباستيان إلباوم وسيباستيان مالابي أن محاولة تعظيم الأهداف الثلاثة معًا أنتجت أجندة تنظيمية واسعة ومربكة، وأن السياسة الواقعية للذكاء الاصطناعي تحتاج إلى الاعتراف بالمفاضلات، والتخلي عن رهانات غير عملية، وبناء أدوات تنظيمية تجمع بين تحفيز الابتكار والاستثمار الجاد في السلامة والرقابة.
وجاء في المقال:
في أواخر عام 2022، أدى إطلاق «تشات جي بي تي» إلى سباق عالمي لتنظيم الذكاء الاصطناعي. وأنشأت إدارة بايدن المعهد الأميركي لسلامة الذكاء الاصطناعي، وهو مكتب كُلّف بوضع بروتوكولات لتحديد المخاطر التي قد يسببها الذكاء الاصطناعي. كما أنشأت كندا واليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي هيئات رقابية مماثلة. واجتمع قادة عالميون لمناقشة الذكاء الاصطناعي في بلتشلي بارك، ذلك القصر الريفي الإنجليزي الذي كان محللو الشفرات لدى الحلفاء يعملون فيه سرًا خلال الحرب العالمية الثانية. وشهدت الأشهر الخمسة عشر التالية مؤتمرات متابعة في سيول وباريس. وفي مواجهة تقنية تعد بإحداث اضطراب في العمل والحرب وحتى في معنى أن يكون الإنسان إنسانًا، بدا المسرح مهيأً لاستجابة سياسية. بل إن قادة مختبرات الذكاء الاصطناعي التجارية أنفسهم دعوا إلى حوكمة منسقة للذكاء الاصطناعي.
أما اليوم، فقد أصبحت مثل هذه الدعوات نادرة. فعلى الرغم من القوة المتسارعة لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، وعلى الرغم من استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن الجمهور يشعر بالقلق من احتمال أن تؤدي التقنية إلى فقدان الوظائف وأضرار أخرى، لم يعد قادة الحكومات ولا القطاع الخاص يعتقدون أن التنظيم مرجح على المستوى الوطني أو فوق الوطني. ويفسر النفور الغريزي لدى إدارة ترامب من التنظيم، ولا سيما التنظيم العالمي، جانبًا من هذا التحول، لكنه ليس العامل الوحيد. فهناك حوافز قوية لإطلاق العنان للتقنية. إذ يسهم ازدهار الذكاء الاصطناعي في جزء كبير من النمو الذي يشهده الاقتصاد الأميركي، وقد يكون إبطاء هذا الزخم مكلفًا. كما أن إطلاق نماذج صينية قوية للذكاء الاصطناعي، مثل «ديب سيك»، ثبط الحكومة الأميركية عن عرقلة المختبرات المحلية خشية أن تتقدم الصين في السباق.
وحتى إذا انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي، وربما أدى ذلك إلى إفلاس بعض الشركات الرائدة، فإن عمالقة التكنولوجيا أصحاب الموارد المالية الضخمة في الولايات المتحدة والصين سيواصلون تسريع نشر التقنية. وبسبب هذه الدينامية التنافسية، ستظل آفاق حوكمة الذكاء الاصطناعي صعبة. لكن المخاطر أكبر من أن تسمح بالتخلي عن قضية التنظيم. وعاجلًا أم آجلًا، وربما عقب كارثة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل هجوم سيبراني على بنية تحتية حيوية ينفذه وكيل ذكاء اصطناعي مارق، ستصبح هذه الحقيقة بديهية. فالذكاء الاصطناعي ينذر باضطراب اجتماعي ونفسي على نطاق لا يقل عن نطاق الثورة الصناعية التي مهدت الطريق لقرن من الثورات السياسية والحروب العالمية. وفي مرحلة ما، ستدرك الحكومات أن رفضها تشكيل الكيفية التي تتطور بها ثورة الذكاء الاصطناعي يمثل تخليًا عن المسؤولية. ولن تنتج الجهود التنظيمية المتفرقة في كاليفورنيا وغيرها من الولايات الأميركية إطارًا متماسكًا للحوكمة، لكنها تؤكد مع ذلك أن كثيرين يشعرون بعدم الارتياح تجاه خيار عدم فعل أي شيء.
غير أن دعاة التنظيم، استعدادًا لعودة الذكاء الاصطناعي إلى صدارة الأجندة الوطنية، يحتاجون إلى فحص أوجه القصور في موقفهم. فقد تلاشت حملة السلامة التي شهدها عاما 2023 و2024 جزئيًا بسبب اتساع نطاقها. فقد طرحت مجموعة واسعة من المدافعين أجندة شملت قائمة طويلة ومربكة من المشكلات التي قد تسببها نماذج الذكاء الاصطناعي: فقدان الوظائف، وتراجع التفكير النقدي في المدارس، والأخطار على الأمن القومي، والتكاليف البيئية، وانتهاكات حقوق النشر، والهلوسات، والتزييف العميق، وغير ذلك الكثير. لكن نجاح تنظيم الذكاء الاصطناعي يتطلب من أنصاره تحديد الأولويات وصياغة خطة أكثر وضوحًا. ولهذا الغرض، عليهم فهم المفاضلات بين الأهداف المتنافسة، والتعامل مع سوء الفهم الواسع بشأن الكيفية المرجحة لتطور الذكاء الاصطناعي مستقبلًا.
كما يتعين على من يريدون تنظيمه التمييز بين السياسات القابلة للتطبيق وتلك غير العملية. والسياسات القابلة للتطبيق هي التي تراعي حوافز المختبرات الخاصة وتمكّن الحكومة بصورة مناسبة. فمثلًا، من شأن فرض «ضريبة مخاطر» على مختبرات الذكاء الاصطناعي الخاصة أن يشجعها على الاستثمار في أبحاث السلامة، كما أن إنشاء مستودع وطني للبيانات يدر إيرادات من شأنه أن يزود الجهات الحكومية المشرفة على سلامة الذكاء الاصطناعي بالموارد التي تحتاج إليها لمراقبة النماذج المتقدمة.
أجندة مفرطة الاتساع
يمكن تصنيف أهداف المدافعين عن سياسات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة ضمن ثلاث فئات. فهم يريدون الأمن القومي، أي أن تعزز الأجهزة العسكرية والاستخباراتية في البلاد قدراتها باستخدام الذكاء الاصطناعي. ويريدون أيضًا الأمن الاقتصادي، أي أن تطور الشركات الأميركية الذكاء الاصطناعي وتدمجه في أعمالها بطرق تجعلها أكثر قدرة على المنافسة في الأسواق الدولية. كما يريدون الأمن المجتمعي، وهي فئة تشمل الحد من المخرجات الضارة للذكاء الاصطناعي، مثل البرمجيات الخبيثة، إلى جانب الحماية من البطالة وتزايد عدم المساواة، ومن خطر استخدام الجهات السيئة للذكاء الاصطناعي لأغراض خبيثة، بل وحتى من سيناريو من سيناريوهات الخيال العلمي تبيد فيه الآلات البشر. والمشكلة أن العمل من أجل تحقيق الأهداف الثلاثة في الوقت نفسه يؤدي إلى أجندة واسعة بصورة مربكة ويصعب إلى حد بالغ تحويلها إلى إجراءات عملية.
لننظر في ثلاثة سيناريوهات، يتضمن كل واحد منها السعي إلى تحقيق هدفين من الفئات الثلاث الممكنة. في السيناريو الأول، يمكن لبلد ما السعي إلى تحقيق الأمن القومي والأمن الاقتصادي معًا من خلال تعظيم استثماراته في أبحاث الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية للطاقة. وهذا هو موقف إدارة ترامب. لكن البلد لا يستطيع السعي إلى هذين الهدفين وفي الوقت نفسه تعظيم الأمن المجتمعي، لأن ذلك سيتطلب إبطاء نشر الذكاء الاصطناعي من أجل كسب الوقت لتحديد مخاطر السلامة في النماذج وبناء وسائل لمعالجتها قبل إطلاقها. وبالعكس، إذا نجح دعاة السلامة في إبطاء إطلاق النماذج، فإنهم سيضرون بالأمن القومي والأمن الاقتصادي. وعلى الجانبين الاعتراف بهذه المفاضلة.
وفي السيناريو الثاني، يمكن لبلد ما إعطاء الأولوية للأمن القومي والأمن المجتمعي، والتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما يتعامل مع التكنولوجيا النووية، من خلال عزله داخل القطاعين العسكري وقطاع الطاقة وتقييد استخدامه في مجالات أخرى. وسيؤدي هذا النهج إلى تأمين الدولة وعزل الجمهور عن الاضطرابات، ومنع فقدان الوظائف على نطاق واسع وتقليص فرص إساءة الاستخدام الخبيث. لكنه سيضر بالأمن الاقتصادي من خلال خنق التطبيقات التجارية للذكاء الاصطناعي، ومنع الصناعات من الاستفادة من مكاسب الكفاءة التي يوفرها، والحكم على الشركات المحلية بالتراجع خلف منافسيها الدوليين.
وفي سيناريو ثالث، يمكن لبلد ما إعطاء الأولوية للأمن الاقتصادي والأمن المجتمعي، فيشجع تطوير الذكاء الاصطناعي بأقصى سرعة، وفي الوقت نفسه يفرض الالتزام بقواعد صارمة للسلامة قبل إطلاق النماذج للجمهور. وقد وصفت شركات التكنولوجيا الكبرى أحيانًا هذا المزيج بأنه «الابتكار المسؤول». وتقوم الفكرة على أن السباق لتطوير التقنية مع توخي الحذر في نشرها يخلق دائرة حميدة؛ إذ يكتسب المبتكرون ثقة الجمهور، ويتجنبون رد فعل اجتماعيًا مضادًا، ويحققون تبنيًا أسرع للتقنية على المدى الطويل. لكن البلد الذي يجمع بين التطوير السريع للذكاء الاصطناعي والنشر الحذر له قد يجد صعوبة في تعظيم الأمن القومي. فقد تتحقق الدول المسؤولة بعناية من نماذجها، في حين يسارع المنافسون الأقل حذرًا إلى نشر الأسلحة ذاتية التشغيل والقدرات السيبرانية، ويحصلون بذلك على التفوق العسكري.
وهم «التفرد»
أصبحت المهمة الصعبة أصلًا المتمثلة في التعامل مع هذه المفاضلات أكثر صعوبة بسبب تصور خاطئ واسع الانتشار بشأن الكيفية التي يُرجح أن يتطور بها الذكاء الاصطناعي: رؤية «التفرد»، وهو مفهوم اقترحه قبل نحو 30 عامًا كاتب الخيال العلمي فيرنور فينج، ثم تبناه لاحقًا مستقبليون مثل راي كورزويل. ووفقًا لشرح فينج، فإن التفرد هو اللحظة التي تصبح فيها نماذج الذكاء الاصطناعي قوية إلى درجة تمكنها من تحسين شيفرتها البرمجية بنفسها، مطلقة حلقة تغذية راجعة من التحسين الذاتي المتكرر تؤدي إلى انفجار في الذكاء.
إذا قبل المرء بهذا النموذج الذهني، يصبح حل المعضلة الثلاثية للذكاء الاصطناعي بسيطًا إلى حد ما. فإذا كان التفرد يقترب، فإن الجهود قصيرة المدى لنشر الذكاء الاصطناعي من أجل الأمن القومي تصبح عديمة الجدوى؛ لأنه بمجرد وصول الذكاء الفائق، فسوف يتجاوز الأنظمة الحالية بفارق هائل. وبالمثل، يصبح السعي القصير المدى إلى الأمن الاقتصادي من خلال جهود الشركات الحالية لاعتماد الذكاء الاصطناعي بلا معنى؛ لأن الذكاء الفائق سيبتكر أساليب ثورية لتعزيز الإنتاجية، وربما يجعل التصورات المعاصرة لكيفية عمل الاقتصادات قديمة وغير صالحة.
وإذا كان الذكاء الاصطناعي يتجه نحو انفجار مفاجئ في الذكاء، فلن يبقى سوى هدفين سياسيين مهمين: الوصول إلى التفرد قبل المنافسين، على افتراض أن الأمن العسكري والاقتصادي سيتبعانه، وإعطاء الأولوية للأمن المجتمعي من خلال تقليص خطر أن يخضع الذكاء الآلي المتصاعد البشر الأضعف بيولوجيًا أو يبيدهم. وتمثل هذه الرؤية القائمة على التفرد نسخة من نهج «الابتكار المسؤول». فالفكرة هي التسابق لتطوير الذكاء الفائق، ومن ثم تحقيق الأمن العسكري والاقتصادي، لكن مع نشره بحذر، لتجنب خطر أن يهاجم نظام ذكاء اصطناعي البشر.
ويبرر مؤيدو ضوابط التصدير الأميركية، التي تحد من وصول الصين إلى رقائق الذكاء الاصطناعي وتقنيات تصنيعها، هذه القيود أحيانًا بالاستناد إلى افتراضات التفرد. وهم يقرون بأن حرمان الصين من أشباه الموصلات المتقدمة سيدفعها إلى تطوير رقائقها الخاصة، ما سيجعلها أكثر قوة على المدى الطويل. لكنهم يرون أن هذه المفاضلة تستحق الثمن؛ فالتفرد وشيك، ولذلك تتمثل الأولوية في تأخير تقدم الصين بضعة أعوام، وبحلول ذلك الوقت تكون الولايات المتحدة قد فازت بالفعل بسباق الذكاء الاصطناعي. وكل ما يهم هو دفع صيغة «الابتكار المسؤول» إلى أقصى حد، وأن تكون أميركا أول من يصل إلى «تفرد آمن».
لكن المشكلة أن التفرد من غير المرجح أن يحدث. صحيح أن نسخة محدودة من التحسين الذاتي المتكرر أصبحت واقعًا بالفعل؛ فمساعدو البرمجة المعتمدون على الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود» الذي تطوره شركة أنثروبيك، يساعدون في كتابة الشيفرات البرمجية للجيل التالي من نماذج الذكاء الاصطناعي. لكن التكنولوجيا لا تكتسب القدرة على الفعل من تلقاء نفسها. ولكي يصبح الذكاء الفائق قويًا، يجب وضعه في بيئة يستطيع أن يتصرف داخلها، وستظل هذه البيئات، في المستقبل المنظور، مصممة ومسيطرًا عليها من البشر.
فمثلًا، قد تصبح أنظمة الذكاء الفائق قريبًا قادرة على الحلول محل معظم المحامين. لكن لكي تحل محل البشر فعلًا، يجب أولًا منحها إمكانية الوصول إلى مجموعات البيانات المناسبة، مثل معلومات العملاء. ولكي يحدث ذلك، ينبغي لمطوري الذكاء الاصطناعي توضيح مسائل المسؤولية القانونية عن الأخطاء المهنية والحصول على موافقة الجهات التنظيمية، كما يجب عليهم تحصين أنظمة الذكاء الاصطناعي ضد الهجمات والتغلب على جماعات الضغط التي يمثلها العاملون الموجودون حاليًا. وبعد تجاوز هذه العقبات، يجب منح أنظمة الذكاء الفائق سلطة التصرف. وينبغي تمكينها من صياغة العقود القانونية وكتابة شيفرات برمجية تعزز البرمجيات الموجودة لدى الشركات، كما يجب أن تشغل تلك الشيفرات، وتتحقق منها، وتتشاركها مع أنظمة أخرى. ومن المرجح أن تنطوي كل خطوة من هذه الخطوات نحو القدرة على الفعل على عقبات قانونية ومؤسسية جديدة. ولهذه الأسباب كلها، لن تحل أنظمة الذكاء الفائق محل البشر بسرعة.
كما يتجاهل سيناريو التفرد العوائق المادية أمام توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي. فلكي يتحقق الذكاء الفائق ويُطبق على ملايين المهام، تحتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى رفوف من أشباه الموصلات، وأنظمة تبريد متطورة، وكميات هائلة من الكهرباء. ولجعل ذلك ممكنًا، يتعين على مصنعي الرقائق بناء منشآت تصنيع، والحصول على أحدث الآلات القادرة على طباعة الدوائر على السيليكون، والتفاوض للحصول على العناصر الأرضية النادرة، وضمان حصول شبكات الكهرباء الوطنية على محطات فرعية وخطوط نقل جديدة.
وتفترض رؤية انفجار الذكاء ضمنيًا حلقة تغذية راجعة شديدة البساطة: الذكاء الاصطناعي يكتب الشيفرة، والشيفرة تحسن الذكاء الاصطناعي، ثم يكتب الذكاء الاصطناعي شيفرة أفضل، وهكذا. لكن الطريق إلى الذكاء الفائق ينطوي كذلك على بشر يساومون الحكومات بشأن مواقع منشآت التصنيع الجديدة، وبشر يستخرجون المواد، وبشر يتفاوضون على عقود الطاقة، وبشر يجمعون رأس المال، وبشر يدرسون مخاطر القراصنة المعادين، إلى جانب عدد لا يحصى من الاحتكاكات والعقبات الأخرى التي لا يستطيع التعامل معها سوى البشر.
وفي الواقع، من المرجح أن يظهر الذكاء الفائق تدريجيًا، لا في لحظة ثورية واحدة. ولهذا السبب، سيكون سباق واشنطن مع بكين طويلًا، وهو ما يضعف الحجة المؤيدة لقيود تصدير أشباه الموصلات. وبالمنطق نفسه، تصبح فكرة الاندفاع بسرعة نحو «تفرد آمن» موضع شك، لأن مشروع الموازنة بين أهداف سياسة الذكاء الاصطناعي سيجري على امتداد فترة زمنية طويلة.
اختبار القابلية للتطبيق
بعد فهم المعضلة الثلاثية للذكاء الاصطناعي وتجنب وهم التفرد، يتعين على المدافعين عن حوكمة الذكاء الاصطناعي القيام بتمرين أخير. عليهم أن يكونوا صريحين بشأن حقيقة أن بعض المخاوف الشائعة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ينبغي ألا تكون أولويات سياسية. وأوضح الأمثلة هي المخاوف المبالغ فيها، والمشكلات التي يمتلك القطاع الخاص أصلًا حافزًا لحلها، مما يجعل الضغط التنظيمي غير ضروري.
وتندرج فكرة أن نماذج الذكاء الاصطناعي تقذف باستمرار «هلوسات» مضللة ضمن الفئتين معًا. فحتى عام 2023، كانت النماذج اللغوية الكبيرة بالفعل ضارة وغير موثوقة، وهذا تحديدًا هو السبب الذي جعل المختبرات الكبرى مترددة في إطلاقها. لكن منذ عام 2023، تراجعت الهلوسة. وفي بعض السياقات على الأقل، تظهر اختبارات الأداء أن احتمال إجابة أنظمة الذكاء الاصطناعي عن الأسئلة بصورة صحيحة أصبح أعلى بكثير من احتمال إجابة الخبراء البشر عنها بصورة صحيحة. وتمتلك المختبرات كل الحوافز اللازمة لمواصلة تحسين دقة نماذجها.
وقد تكون مخاوف شائعة أخرى مبررة، لكن ينبغي مع ذلك استبعادها من الأجندة التنظيمية لأنها غير قابلة للمعالجة عمليًا. فمثلًا، تهدد أنظمة الذكاء الاصطناعي وظائف العاملين البشر في مجالات المعرفة. لكن صانعي السياسات ينبغي ألا يجعلوا الحفاظ على الوظائف أولوية، لأنهم لا يستطيعون فعل الكثير بشأن ذلك. وسيحتفظ بعض المحامين وأخصائيي الأشعة وكتاب السيناريو في هوليوود بوظائفهم إذا تمكنوا من تعلم استخدام الذكاء الاصطناعي. أما الذين ستُستبدل وظائفهم فيستحقون شبكة أمان عامة، مثل الدخل الأساسي الشامل. لكن تجميد التقدم التكنولوجي ليس سياسة واقعية.
وينبغي أيضًا تطبيق اختبار القابلية للتطبيق على القيود المفروضة على صادرات أشباه الموصلات. فعندما فرضت إدارة بايدن قيودًا واسعة في أواخر عام 2022، كانت تأمل في تعزيز الأهداف السياسية الثلاثة الموجودة في المعضلة. إذ إن قطع وصول الصين إلى أفضل الرقائق من شأنه أن يبطئ تقدمها العسكري، ومن ثم يعزز الأمن القومي الأميركي. كما سيعرقل تطوير الصين لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التجارية، بما يعزز الأمن الاقتصادي الأميركي. وسيمنع الصين أيضًا من بناء نماذج ذكاء اصطناعي غير آمنة قد تقرر مهاجمة البشر، بما يسمح للولايات المتحدة بأن تطلب من مختبراتها ممارسة ضبط مسؤول للنفس من دون الخوف من خسارة موقعها أمام خصم متهور.
لكن على الرغم من هذه المجموعة الثلاثية من الفوائد المرغوبة، لم تنجح ضوابط أشباه الموصلات حتى الآن في منع الصين من بناء نماذج مثيرة للإعجاب. فتهريب الرقائق يكاد يكون مستحيلًا وقفه، ويمكن لصانعي النماذج الصينيين تعويض نقص الرقائق المتطورة من خلال استخدام أعداد كبيرة من الرقائق الأقل جودة. كما يستطيع المطورون الصينيون تعويض القيود المتعلقة بالمعدات من خلال تحسين البرمجيات. والنتيجة هي أنه، رغم العقوبات الأميركية، يتقدم قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني بسرعة. وفي الوقت نفسه، دفعت القيود على الرقائق الصين إلى التركيز بدرجة أكبر على تطوير أشباه الموصلات محليًا.
وكما هي الحال مع الحفاظ على الوظائف والقيود على أشباه الموصلات، فإن سياسة تقييد النماذج مفتوحة الأوزان، أي النماذج التي يمكن تنزيلها وتعديلها، بما في ذلك تعديلها بطرق تجعلها غير آمنة، تبدو جذابة من الناحية النظرية لكنها صعبة عمليًا. فمن الناحية النظرية، يتضمن التضييق على النماذج مفتوحة الأوزان التضحية بالمكاسب الاقتصادية الناتجة من انتشار أسرع قليلًا للذكاء الاصطناعي من أجل تعظيم الهدفين الآخرين: الأمن القومي والأمن المجتمعي.
وسيستفيد الأمن القومي لأن الخصوم الأجانب، سواء كانوا دولًا أو جهات من غير الدول، لن يعود بإمكانهم الوصول بسهولة إلى نماذج قوية مفتوحة الأوزان. وسيستفيد الأمن المجتمعي للأسباب نفسها تقريبًا. فالضوابط الوقائية التي تدرب مختبرات الذكاء الاصطناعي المسؤولة أنظمتها المملوكة على احترامها يمكن إزالتها من النماذج مفتوحة الأوزان، وهو ما يسهل مثلًا إنشاء رفقاء ذكاء اصطناعي قادرين على التلاعب النفسي. وبالتأكيد، فإن عالمًا تكون فيه جميع الأنظمة مملوكة لا يعني عالمًا خاليًا تمامًا من الضرر؛ ولنتذكر مثلًا الصور العارية المزيفة بتقنية التزييف العميق التي أنشأها عند الطلب نموذج «غروك» التابع لشركة «إكس إيه آي». لكن عندما تنحرف النماذج المملوكة عن المسار، تعرف الحكومات على الأقل أي مختبر ينبغي مساءلته.
ولأن حظر جميع الأنظمة مفتوحة الأوزان سيكون مستحيلًا، يقترح المؤمنون بضرورة التضييق عليها غالبًا نهجًا مستهدفًا، ويرون أنه يمكن تقييد أقوى النماذج مفتوحة الأوزان. فأقوى هذه النماذج تنتجها، في نهاية المطاف، شركات معروفة يمكن إخضاعها للضغوط التنظيمية. وبعض المطورين، مثل «ميتا»، مقره في الولايات المتحدة. وبعضهم الآخر، مثل شركة «كوهير» الكندية و«ميسترال» الفرنسية، جمع رأس مال في الولايات المتحدة ويأمل في الحصول على المزيد منه. وتقريبًا جميع المطورين الجادين للأنظمة مفتوحة الأوزان يطمحون إلى خدمة الشركات والأسر إما في الولايات المتحدة وإما في الدول الحليفة.
ولو استطاعت الجهات الحكومية التنظيمية التهديد بحرمان المطورين من الوصول إلى مموليهم وعملائهم وشركائهم في مراكز البيانات، لأصبحت حجة التضييق على النماذج مفتوحة الأوزان أكثر إقناعًا. ومن خلال بناء ائتلاف من الحلفاء المتقاربين في التفكير، يمكن لإدارة أميركية مستقبلية أن تجعل من الصعب على مطوري الأنظمة مفتوحة الأوزان جمع رأس المال وتحقيق الإيرادات في أميركا الشمالية وأوروبا. كما يمكنها أن تقرر أن مالكي مراكز البيانات والحوسبة الكبيرة، مثل أمازون وغوغل ومايكروسوفت، لا يستطيعون تشغيل نماذج مفتوحة عالية المخاطر لم تخضع للتقييم. ومن شأن خطوات كهذه أن تخلق حوافز تدفع شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة إلى الابتعاد عن الأنظمة مفتوحة الأوزان.
لكن المشكلة أن مطوري الأنظمة مفتوحة الأوزان في الصين سيرفضون على الأرجح الانضمام إلى هذا الائتلاف. وبسبب انهيار العلاقات الأميركية الصينية، لا تربط المختبرات الصينية تقريبًا أي صلات بالسوق الأميركية. وإذا استمرت المختبرات الصينية في إطلاق أنظمة قوية مفتوحة الأوزان، فلن تكون هناك فائدة كبيرة من مطالبة «ميتا» وغيرها من الشركات الأميركية بعدم فعل الشيء نفسه. فتقييد النماذج الأميركية مفتوحة الأوزان لن يؤدي إلا إلى ضمان تعميق الدول النامية، التي تميل إلى تفضيل هذه النماذج بسبب انخفاض تكلفتها، اعتمادها المقلق أصلًا على التكنولوجيا الصينية. وفي غياب تحسن في العلاقات الأميركية الصينية، تفشل سياسة تقييد النماذج مفتوحة الأوزان في اختبار القابلية للتطبيق.
تقبّل المفاضلات
أفضل طريق للمضي قدمًا في تنظيم الذكاء الاصطناعي هو قبول حلين وسط، يتضمن كل واحد منهما كلفة اقتصادية محدودة مقابل مكسب أكبر في السلامة المجتمعية. وتنطلق التسوية الأولى من أن سلامة النماذج هي منفعة خاصة ومنفعة عامة في الوقت نفسه. فمختبرات الذكاء الاصطناعي لديها حوافز لإنتاج نماذج آمنة لمستخدميها، وبذلك تخلق منفعة خاصة. لكن النموذج الذي لا يضر مستخدميه قد يظل قادرًا على الإضرار بالسلامة العامة.
فعلى سبيل المثال، إذا طلب أحد المستخدمين من نموذج أن ينشئ ويوزع آلاف المقالات المختلفة قليلًا في صياغتها، والتي تزعم وقوع تزوير انتخابي خيالي، فإن الحافز الخاص لمختبر الذكاء الاصطناعي يتمثل في إرضاء ذلك العميل والاستجابة لطلبه، لكن هذه الاستجابة نفسها ستلحق الضرر بالمجتمع من خلال نشر المعلومات المضللة. ولأن المختبرات الخاصة تفتقر إلى الحوافز اللازمة لتجنب مثل هذه الآثار الخارجية، فلن تستثمر بصورة كافية في أبحاث السلامة.
ويمكن لـ«ضريبة مخاطر» خاصة تصحيح هذا القصور. ولن يكون الهدف منها جمع الإيرادات، بل التأثير في كيفية تخصيص الشركات لمواردها، وتحويل المزيد منها إلى أبحاث السلامة. فمثلًا، إذا أنفق مطور للذكاء الاصطناعي مليار دولار لبناء نموذج، فسوف يواجه ضريبة قدرها خمسة في المئة، أي التزامًا ماليًا قيمته 50 مليون دولار. ولمعادلة ذلك، ستقدم الحكومة ائتمانًا ضريبيًا يعادل 25 في المئة من كل دولار تخصصه الشركة لأبحاث السلامة. فإذا أنفق المختبر 200 مليون دولار إضافية على أبحاث السلامة، فإن الائتمان الناتج البالغ 50 مليون دولار سيعوض فاتورته الضريبية.
وسيحتج قادة الصناعة بأن الإنفاق القسري على السلامة سيضعفهم ماليًا ويضر بفرصهم في السباق ضد المطورين الصينيين غير المقيدين. لكن بالنظر إلى مئات المليارات من الدولارات التي تستثمرها المختبرات الأميركية مجتمعة في أبحاث الذكاء الاصطناعي، فإن التدخل المقترح هنا متواضع. وعلاوة على ذلك، لن تشكل الاستثمارات في السلامة عبئًا على نشر الذكاء الاصطناعي إلا على المدى القصير. أما على المدى الطويل، فستعزز أبحاث السلامة الأفضل ثقة الجمهور بالذكاء الاصطناعي، وتمهد الطريق لنشره على نطاق واسع وللفوائد الاقتصادية المصاحبة لذلك.
ومن شأن زيادة الإنفاق على السلامة أيضًا تعزيز الأمن المجتمعي وتحقيق فوائد أخرى، مثل وقف إفراغ مختبرات الذكاء الاصطناعي الأكاديمية من قدراتها. فمع احتكار المختبرات الخاصة لكل من المعدات والمواهب، تعاني مختبرات البحث الجامعية الممولة من القطاع العام، التي كانت تاريخيًا أحد مصادر التفوق التكنولوجي الأميركي. ومن خلال السماح للمختبرات الخاصة بالحصول على ائتمانات ضريبية مقابل تمويل منح السلامة التي تقدمها المؤسسة الوطنية للعلوم، أو مقابل إتاحة موارد الحوسبة للمجموعات الجامعية، فإن ضريبة المخاطر ستضخ حياة جديدة في القطاع الأكاديمي. وتوجه المؤسسة الوطنية للعلوم نحو مليار دولار سنويًا إلى برامج علوم الحاسوب الجامعية. ومع وصول تكاليف التدريب في القطاع إلى أضعاف هذا الرقم، ستكون الزيادة التي توفرها ضريبة المخاطر لعلوم الحاسوب الأكاديمية كبيرة.
وإلى جانب تحفيز الإنفاق على السلامة، ينبغي للحكومة أن تستفيد من بياناتها المملوكة لتعزيز التعاون مع شركات الذكاء الاصطناعي. فقد هيمن القطاع الخاص حتى الآن على عملية إعداد البيانات اللازمة لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، إذ جمع محتوى من شبكة الإنترنت المفتوحة وغيرها من المصادر. لكن مخزون النصوص العامة العالية الجودة أوشك على النفاد، ولذلك تنتقل جبهة الابتكار إلى مجموعات البيانات غير العامة، ومنها بعض البيانات التي تحتفظ بها الحكومة الأميركية.
وفي العام الماضي، أعلنت إدارة ترامب خطة لوزارة الطاقة لإتاحة مجموعات من البيانات العلمية جمعتها 17 مختبرًا وطنيًا، بحيث يمكن لمختبرات الذكاء الاصطناعي الخاصة استخدامها لتدريب نماذجها. ويمكن توسيع هذه المبادرة المرحب بها إلى مجالات أخرى. ففي الرعاية الصحية، مثلًا، يمكن للبيانات السريرية الحكومية بعد إزالة الهوية الشخصية منها أن تمكن النماذج من تشخيص الأمراض ووصف الأدوية. وفي المجال الاقتصادي، يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي استخدام بيانات الضرائب بعد إخفاء الهوية، وهي غير متاحة حاليًا للجمهور، لتحسين التنبؤ بالتغيرات في الادخار والاستهلاك.
ويمكن لإدارة ترامب إنشاء مستودع وطني للبيانات تحت مظلة مركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي، الذي كانت إدارة بايدن قد أنشأته أصلًا باسم المعهد الأميركي لسلامة الذكاء الاصطناعي. وسيتولى المستودع تنظيف مجموعة واسعة من البيانات الحكومية غير المنشورة حاليًا وإخفاء الهوية فيها وفق أعلى معايير الخصوصية، ثم مشاركتها مع مطوري الذكاء الاصطناعي في القطاع الخاص. وسيدفع المطورون مقابل هذه البيانات، تمامًا كما يدفعون حاليًا لشركات خاصة متخصصة في إعداد البيانات. ثم تُستخدم الإيرادات لتحسين قدرات المركز على مراقبة سلامة نماذج الذكاء الاصطناعي التي يطورها القطاع الخاص.
وبمجرد حصول المركز على الموارد الكافية، سيحتاج أيضًا إلى صلاحيات إضافية. فقد ألزمت إدارة بايدن مطوري النماذج المتقدمة بمشاركة معلومات السلامة مع مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة. لكن إدارة ترامب أوقفت هذا الشرط، وهو قرار غير حكيم. غير أن المركز يحتاج إلى أكثر من مجرد الحق في أن يُبلغ بوجود النماذج القوية؛ إنه يحتاج إلى القدرة على التصرف. فكما تستطيع إدارة الغذاء والدواء منع بيع الأدوية غير الآمنة، يجب تمكين الجهات التنظيمية الحكومية للذكاء الاصطناعي من منع إطلاق نماذج الذكاء الاصطناعي الخطرة.
وكما هي الحال مع ضريبة مخاطر الذكاء الاصطناعي، سيكون الهدف من إنشاء مركز أقوى للذكاء الاصطناعي تحقيق زيادة كبيرة في السلامة المجتمعية مقابل خسارة صغيرة في الأمن الاقتصادي ومن دون خسارة في الأمن القومي. صحيح أن اختبارات الضغط التي تُجرى على نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقها ستفرض تكاليف وتأخيرات محدودة على المختبرات، لكن هذه التكاليف ستُعوض بإتاحة مجموعات بيانات عامة جيدة الإعداد لتدريب الذكاء الاصطناعي، كما أن التدقيق العام في النماذج سيسرع تقبل الجمهور لها. وفي الوقت نفسه، يمكن إدخال اختبارات صارمة قبل الإطلاق من دون الإضرار بالأمن القومي إذا سُمح للمختبرات الخاصة بمشاركة النماذج مع مسؤولي الدفاع والاستخبارات قبل أن يراجعها مركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي. وبهذه الطريقة، يستطيع قادة الأمن القومي التخطيط لكيفية استخدام النماذج الجديدة قبل أن يعرف بقية العالم حتى بوجودها.
نحو انتصار جديد في منع الانتشار
قد يعترض منتقدو هذه المقترحات بأن فرض الضرائب على المطورين الأميركيين للأنظمة المملوكة، ودفعهم إلى زيادة الإنفاق على السلامة، وإنشاء وكالة لتحديد النماذج السيئة ومنعها، لا يستحق العناء إذا كان هناك خطر من أن تنتج الصين ومطورو الأنظمة مفتوحة الأوزان نماذج غير آمنة. لكن هناك حجة تؤيد التنظيم الفيدرالي للنماذج المملوكة حتى لو انتشرت النماذج الصينية أو مفتوحة الأوزان على نطاق واسع. والسبب أن النماذج الأميركية المملوكة تظل أقوى، ولا سيما في مهام الاستدلال الأكثر تعقيدًا والمهام المتعددة الوسائط. فإذا كان هدف الجهات التنظيمية الأميركية هو مراقبة أكثر النماذج ابتكارًا وقوة، وبالتالي أكثرها تهديدًا، فإن التركيز على المختبرات الأميركية التي تطور النماذج المملوكة أمر مناسب.
وعلاوة على ذلك، فإن فرض الضرائب على الذكاء الاصطناعي المملوك وتنظيمه سيؤدي إلى آثار إيجابية تمتد إلى بقية الصناعة. فمن خلال إجبار المختبرات التي تطور الأنظمة المملوكة على دفع تكاليف أبحاث السلامة، ستحفز الحكومة تطوير خصائص تعزز السلامة في جميع النماذج. فعندما ظهر التشفير والمصادقة متعددة العوامل للمرة الأولى، كانا مقتصرين على البرمجيات المتقدمة مرتفعة المستوى، ثم أصبحا بمرور الوقت شائعين في كل مكان. وبالمثل، ستبدأ منهجيات سلامة الذكاء الاصطناعي بوصفها أفكارًا متخصصة ومكلفة، ثم تتحول إلى معيار للصناعة.
وبمجرد أن يثبت أحد قادة الأنظمة المملوكة قيمة إضافة مرتبطة بالسلامة، سيُنظر إلى أي نموذج مفتوح الأوزان يفتقر إليها باعتباره معيبًا أو خبيثًا. وهذا الضغط السوقي، المدعوم بقدرة مركز الذكاء الاصطناعي على إدراج النماذج دون المستوى المطلوب على قوائم سوداء، سيضمن أن ابتكارات السلامة التي مولتها الضرائب المفروضة على الأنظمة المملوكة ستفرض الانضباط على الصناعة بأكملها.
وفوق ذلك، قد يتبين أن بناء جهاز تنظيمي للذكاء الاصطناعي المملوك يمثل خطوة أولى نحو مشروع حوكمة أوسع يمتد في نهاية المطاف إلى اتفاق دولي لتقييد الأنظمة مفتوحة الأوزان. واليوم، أحد أسباب تعذر السيطرة على الأنظمة مفتوحة الأوزان هو سوء حالة العلاقات الأميركية الصينية، لكن العلاقات بين البلدين قد تتغير في مرحلة ما. ففي أثناء الحرب الباردة، أعقبت فترات العداء مراحل من الانفراج. وفي عام 1968، بعد ست سنوات فقط من أزمة الصواريخ الكوبية وفي ذروة حرب فيتنام، وقعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وأكثر من 50 دولة أخرى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي نجحت في تأخير انتشار الأسلحة النووية. ويمكن للولايات المتحدة الآن أن تطمح إلى فعل الشيء نفسه بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان. ومن خلال إنشاء البنية المؤسسية اللازمة لتنظيم النماذج المملوكة، ستضع الولايات المتحدة نفسها في موقع يؤهلها لتحقيق انتصار جديد في منع الانتشار.
وبالنظر إلى صعوبة حوكمة تقنية سريعة التغير، وصعوبة كبح سباق عالمي على التفوق، يواجه أنصار تنظيم الذكاء الاصطناعي خيارات صعبة، إذ لا بد من التضحية بدرجة ما من الأمن الاقتصادي أو المجتمعي أو القومي. لكن قبول هذه المفاضلات أفضل من التظاهر بأنها غير موجودة. فإذا فشلت الحكومات في اتخاذ خيارات واعية ومدروسة بشأن الذكاء الاصطناعي، فإن التقنية ستواصل تقدمها، وستتخذ هي الخيارات نيابة عنها.